Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في استقبال الوفود

الكاتب

هيئة التحرير

منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في استقبال الوفود

تُمثل حركة الوفود إلى المدينة المنورة مدرسةً نبويةً متكاملة صاغ فيها سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم - دستور التعامل مع الآخر؛ فكيف تجلت السيادة الأخلاقية في استيعاب هذا التنوع القبلي والعقدي؟

وفد عبد القيس

في رجب من السنة الخامسة للهجرة (وقيل قبل ذلك)، تحركت من إقليم البحرين (شرق شبه الجزيرة العربية) قافلة تضم بضعة عشر رجلًا من قبيلة عبد القيس، كانت هذه الرحلة مغامرة إيمانية كبرى؛ إذ كان بينهم وبين المدينة قبائل مُضر المشركة التي تقطع الطريق، فلم يكن بإمكانهم الوصول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا في الأشهر الحرم التي يعظمها العرب ويضعون فيها السلاح.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟» قَالُوا: رَبِيعَةُ، قَال: «مَرْحَبًا بِالقَوْمِ غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ نَدَامَى» قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ بينَنا وبينَكَ المشرِكينَ، وإنَّا لا نَصلُ إليكَ إلَّا في أشهرِ الحرمِ، فحدِّثنا بأمرٍ إن عمِلنا بِهِ دخلنا الجنَّةَ، ونَدعو بِهِ مَن وراءَنا ، قالَ : «آمرُكُم بثلاثٍ، وأنهاكُم عن أربعٍ، آمرُكُم: بالإيمانِ باللَّهِ، وَهَل تَدرونَ ما الإيمانُ باللَّهِ؟ ، قالوا: اللَّهُ ورسولُهُ أعلَمُ، قالَ: شَهادةُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وأن تُعطوا منَ المغانِمِ الخُمُسَ، أنهاكُم عَن أربعٍ: عمَّا يُنبَذُ في الدُّبَّاءِ، والنَّقيرِ، والحنتَمِ، والمزفَّتِ» [البخاري: الصحيح، كتاب الإيمان٥٣].

ومن المواقف الفريدة التي حدثت عندما وصل وفد عبد القيس إلى مشارف المدينة المنورة، استبدّ الشوق بالصحابة من الوفد، فلما لاحت لهم معالم المسجد النبوي، لم يتمالكوا أنفسهم، فوثبوا عن رواحلهم وهم ثياب السفر، وأسرعوا مهرولين نحو سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلون يده الشريفة، فدخلوا المسجد بملابس السفر وعلى غير هيئةٍ تامة من الوقار.

أما الأشج العصري بن عبد القيس وكان كبيرهم (واسمه المنذر بن عائذ)، فقد اتخذ مسلكًا مغايرًا تمامًا يعكس فقه الوقار؛ إذ لم تغلبه العاطفة على العقل، فتريث عند الرواحل، وأناخ ناقته، ثم قام بجمع متاع قومه وترتيبه، ثم فتح حقيبته وأخرج ثيابًا بيضاء نظيفة، فاغتسل ولبسها وتطيب، ثم أقبل نحو المسجد يمشي بوقار وسكينة لا يعجل ولا يضطرب، ودخل الأشج المسجد و سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - جالس مع أصحابه، فرحب به سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - وأدناه منه، ولما رأى منه هذا الصنيع قال له: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ»، فرد الأشج بسؤالٍ ينم عن عمقٍ نفسي، فقال: "يا رسول الله، أقديمتان فيَّ أم حديثتان؟ "أي هل هما خُلق جُبلتُ عليه أم اكتسبتهما مؤخراً؟"، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «بَلْ قَدِيمَتَانِ فِيكَ» ، فقال الأشج بقلبٍ مفعم بالشكر: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ " [مسلم: الصحيح رقم: ١٧، وسنن أبي داود: ٥٢٢٥].

والوفادة الثانية كانت في سنة الوفود، وكان عددهم فيها أربعين رجلًا، وكان فيهم الجارود بن العلاء العبدي، وكان نصرانيًا فأسلم وحسُن إسلامه.

وفد بني حنيفة

في السنة التاسعة للهجرة (عام الوفود)، أقبل وفد (بني حنيفة) من اليمامة، وكان فيهم مسيلمة بن حبيب الكذاب، لم يأتِ مسيلمة بقلبٍ يرجو الهداية، بل جاء بعقلية المقامر السياسي الذي يرى في النبوة ملكًا وسلطانًا، نزل الوفد في دار ابنة الحارث، وأقبلوا على النبي- صلى الله عليه وسلم، لكن مسيلمة تخلف عند الرحال إمعانًا في الكبر، أو رغبةً في التخفي ليناور لاحقاً، زاعماً أنه يحرس أمتعتهم، فكان تخلفه بداية طريق الغواية والادعاء.

عَنِ سيدنا ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الكَذَّابُ... فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَفِي يَدِهِ قِطْعَةُ جَرِيدٍ، فَقَالَ: «لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ القِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ» [البخاري: الصحيح، كتاب المغازي، ٤٣٧٣].

وهنا نجد حزم النبوة في رد فريد من نوعه حيث قام في وجه الأطماع مواجهة طالب السلطة بقطعة جريد تافهة القيمة، لتكون ردًا ساحقًا على استكباره وطمعه، فصان مقام النبوة عن المساومات السياسية؛ فالدين وحيٌ يُتبع لا مِلكٌ يُقتسم.

وفد بني سعد

في رجب من السنة التاسعة للهجرة، وبينما كان سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسًا بين أصحابه في المسجد، دخل رجلٌ ثائر الرأس، عظيم الخلقة، على جملٍ له فأناخه في ساحة المسجد ثم عقله، لم يسلك مسالك البروتوكولات المعهودة، بل اقتحم المجلس بلهجة بدوية جافة، ونادى بصوتٍ جهوري: "أيكم ابن عبد المطلب؟" أشار الصحابة إلى سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو متكئ بينهم، فدنا منه ضمام وقال بحدة الواثق: "يا ابن عبد المطلب، إني سائلك فمشددٌ عليك في المسألة، فلا تجد عليَّ في نفسك (أي لا تغضب مني)"، فاستقبله سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - برحابة النبوة وهدوئها قائلاً «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ».

عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "قال ضمام: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «اللَّهُمَّ نَعَمْ» قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال «اللَّهُمَّ نَعَمْ» قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال «اللَّهُمَّ نَعَمْ» ... فلما فرغ، قال: آمنت بما جئت به، وأنا رسولُ من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر" [البخاري: الصحيح، كتاب العلم: ٦٣]

لم يكن ضمام بن ثعلبة مجرد عابر سبيل، بل كان رجلًا يحمل أمانة أمة خلفه، فلما أخذ العهد من فم المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لم يلتفت يمينًا ولا شمالًا، بل ركب جمله وانطلق إلى قومه (بني سعد بن بكر)، فلما اجتمعوا حوله، بدأ كلامه بكلمة هزت أركان الجاهلية في نفوسهم، فقال: "بِئْسَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى!"، فذعر القوم وقالوا: "مَهْ يا ضمام! اتقِ البرص والجذام والجنون!"، فصاح فيهم بصوت اليقين:"وَيْلَكُمْ! إنَّهُمَا وَاللَّهِ لَا يَضُرَّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ، إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولاً، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَاباً اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ".

فما غابت شمس ذلك اليوم، وما أمسى في ناديهم رجلٌ ولا امرأةٌ إلا مسلمًا، وهنا سطر التاريخ كلمة ابن عباس الخالدة: "مَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامٍ" [أخرجه أحمد: المسند (٢٣٨٠) - ابن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب ،٢/٣٠٤]

وفد نجران

في السنة التاسعة للهجرة، وفد على المدينة ستون راكبًا من نصارى نجران، فيهم أساقفتهم وأشرافهم (العاقب والسيد)، دخلوا المسجد النبوي بملابسهم الفاخرة وصلبانهم، فجرى بينهم وبين سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - حوارٌ عقدي وفكري طويل استمر أيامًا، حتى نزل صدر سورة آل عمران، ولما عرض عليهم سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - (المباهلة) (الابتهال إلى الله ليحل لعنته على الكاذب)، تراجعوا هيبةً وخوفًا، وقرروا الرضا بالصلح والجزية.

عن سيدنا حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يريدان أن يلاعناه (المباهلة)، ثم قال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيًا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، فقالا: نعطيك ما سألت، وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلاً أَمِيناً حَقَّ أَمِينٍ».

فاسْتَشْرَفَ له أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أي رفعوا أعناقهم طمعًا في هذا اللقب)، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ»، فلما قام، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ» [البخاري: الصحيح: كتاب المغازي،٤٣٨١].

هنا تجلى الموقف في (الشهادة العالمية)؛ حيث لم تكن الأمانة هنا مجرد صفة فردية لأبي عبيدة، بل جعلها سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - سمةً فارقة للأمة بأسرها حين أرسل (أمين الأمة) مع وفد مخالف في العقيدة ليقضي بينهم في نزاعاتهم المالية في شخصه، وهذه هي أرقى أنواع الدبلوماسية الأخلاقية التي عرفها التاريخ.

وفد دَوْس

كان الطفيل بن عمرو الدوسي (سيد دَوْس) قد أسلم بمكة في بدايات الدعوة، وعاد إلى قومه داعياً، لكنه واجه منهم صدوداً وغلظة، فلم يسلم معه إلا والده وزوجته وأبو هريرة، ضاق الصدر بالطفيل من جفاء قومه، فهاجر إلى سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في خيبر (أوائل سنة ٧ هـ)، ودخل عليه والأسى يملأ قلبه، فقال: "يا رسول الله، إن دوساً قد غلب عليها الزنى والربا، فادع الله عليها (بالهلاك والمحق)".

رفع سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه الشريفتين نحو السماء، فظن الحاضرون (ومنهم أبو هريرة) أن دَوْسًا قد هلكت الآن بدعوة نبي لا تُرد، وشخصت الأبصار تنتظر صاعقة العذاب.

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قدم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه، فقالوا: يا رسول الله، إن دوسًا قد عصت وأبت، فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوسٌ، فقال ﷺ: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ، اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ» [البخاري: الصحيح، كتاب الجهاد والسير، ٢٩٣٧].

ثم التفت إلى الطفيل وقال له برفق: «ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَادْعُهُمْ وَارْفُقْ بِهِمْ»، فعاد الطفيل بروحٍ جديدة، فما لبث أن قدم بمكة بثمانين بيتاً من قومه كلهم مسلمون، وكان منهم أبو هريرة الذي صار وعاء السنة النبوية.

تجلى الموقف في استبدال الصاعقة بالغيث؛ فبينما كان الطفيل ينتظر (نصرًا عسكريًا) أو (عقوبة إلهية) تُنهي تعنُّت قومه، منحه سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - سلاح الدعاء بالهداية، هذا التحول من (منطق الإبادة) إلى (منطق الإفادة) هو الذي حوّل قبيلة محاربة إلى طليعة مؤمنة تزحم المسجد النبوي بالتكبير.

وفد طيئ

في السنة التاسعة للهجرة، قدم وفد قبيلة "طيئ" وفيهم سيدهم المطاع، والفارس الذي طارت بشجاعته الركبان: زيد الخيل، دخل المسجد النبوي والسكينة تملأ جنباته، وسيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس ويعرض عليهم حقائق التوحيد بلسانٍ تأخُذ حلاوته بمجامع القلوب، حيث وقف زيد وسط الجمع، وأخذ يصغي بسمعه وكيانه، فلما انتهى سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - من كلامه، قفز زيد من مكانه معلناً الانبهار بهذا النور، وصاح بصوتٍ يملؤه اليقين: "يا محمد، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله".

دنا زيد من سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فتفرّس سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في وجهه، ورأى فيه سمات العظمة والصدق، فاستقبله بحفاوةٍ لم يشهدها وافدٌ قبله، وقال له قولته الخالدة: «يَا زَيْدُ، مَا وُصِفَ لِي رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ بِفَضْلٍ ثُمَّ جَاءَنِي إِلَّا رَأَيْتُهُ دُونَ مَا يُقَالُ فِيهِ (أي أقل من صيته)، إِلَّا أَنْتَ؛ فَإِنَّكَ لَمْ يَبْلُغْ كُلُّ مَا فِيكَ»، ثم أخذ سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده وتلطف معه، وقال: «لا يُقالُ لَكَ زَيْدُ الخَيْلِ، بَلْ أَنْتَ زَيْدُ الخَيْرِ»، ثم مضى به إلى بيته إمعاناً في إكرامه، وألقى له وسادة ليجلس عليها إعزازاً لمكانته [أسد الغابة لابن الأثير: ٢/ ٢٣١، والإصابة لابن حجر: ٢/ ٤٩٨].

إن إلقاء سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - الوسادة لزيد ودعوته لبيته، هو تطبيق عملي لمبدأ (أنزلوا الناس منازلهم) فالقيادات الاجتماعية تحتاج إلى احتواء خاص يقر بفضلها ويحفظ لها كرامتها، ليكون إسلامها مفتاحًا لإسلام أمم خلفها.

وبتغيير اللقب من (الخيل) إلى (الخير)، حوّل سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - طاقة البطولية في زيد من مجرد فروسية قتالية إلى فروسية أخلاقية تنفع الناس وتبني الحضارة، مؤكدًا أن قيمة الرجل فيما يقدمه من خير، لا فيما يملكه من قوة.

وفد تُجِيب

قدم وفد تُجيب (من قبائل السكون بكندة) على سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا ثلاثة عشر رجلاً، وساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرضها الله عليهم. نزلوا المدينة بلهفة، وأسرعوا للقاء سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - ليعرضوا عليه إسلامهم وأموالهم، لكنهم من شدة عجلتهم، خلفوا وراءهم عند رحالهم (أمتعتهم) أصغرهم سناً ليحرسها لهم.

فلما فرغ الوفد من لقاء سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخذوا جوائزهم (عطاياهم)، عادوا إلى رحالهم، فجاء ذلك الغلام وحده يمشي نحو المسجد النبوي والسكينة تملأ قلبه الصغير، حتى وقف بين يدي الجناب النبوي، قال الغلام بلسانٍ عفيف: "يا رسول الله، إني من الوفد الذين قدموا عليك آنفاً، وقد قضيت حاجتهم، فاقضِ حاجتي"، فقال - صلى الله عليه وسلم - برأفة الأب: «وَمَا حَاجَتُكَ؟»، فظن الحاضرون أنه سيسأل مالاً أو إِبلاً كبقية الأعراب، لكنه فاجأهم بقوله: «يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَغْفِرَ لِي وَيَرْحَمَنِي، وَأَنْ يَجْعَلَ غِنَايَ فِي قَلْبِي»، فنظر إليه سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعجابٍ شديد، ورفع يديه الشريفتين وقال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَاجْعَلْ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ» [الطبقات الكبرى لابن سعد: ١/ ٣٢٤].

فبينما كان الكبار يسألون عن أحكام الصدقة والجوائز، كان هذا الغلام يغوص في أعماق الحقيقة الإيمانية، لقد طلب غنى القلب، وهي الرتبة التي لا يدركها إلا الأكابر، ولقد صدقت دعوة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه؛ ففي زمن الردة حين اضطربت القبائل، ثبت هذا الغلام وقام في قومه خطيبًا يذكرهم بالله ويثبتهم على الإسلام، فلم يرتد منهم أحد ببركته.

وفد بَنِي تَمِيم

في محرم من السنة التاسعة للهجرة، أقبل وفد (بني تميم) وهم هامة مُضر وأهل الفخر، فدخلوا المسجد النبوي والناس حول سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فنادوا من وراء الحجرات بصوتٍ فيه جفاء الأعراب: "يا محمد اخرج إلينا!". فخرج إليهم سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بكل حلم، فقالوا: "جئنا نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا"، فتبسم سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: «قَدْ أَذِنْتُ لِخَطِيبِكُمْ فَلْيَقُلْ».

قام خطيبهم "عطارد بن حاجب" فألقى خطبةً عصماء يعدد فيها أمجاد تميم وثرواتهم ورجالهم، ثم قام شاعرهم "الزبرقان بن بدر" فأنشد فخراً يطاول النجوم. جلس الوفد وقد انتشوا ببيانهم، وظنوا أنهم قد ملكوا ناصية المجلس.

التفت سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خطيب الأنصار ثابت بن قيس وقال: «قُمْ فَأَجِبْ خَطِيبَهُمْ»، فقام ثابت وألقى خطبةً نُسجت من أنوار الوحي، حمد فيها الله الذي جعل سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - صفوة خلقه وأنزل عليه الكتاب، ثم نادى سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - شاعر الرسالة "حسان بن ثابت" وقال: «قُمْ يَا حَسَّانُ فَأَجِبْ شَاعِرَهُمْ.. اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» [البخاري: الصحيح، كتاب الصلاة، باب الشعر في المسجد، ٤٥٣].

فانطلق حسان بقصيدةٍ هزت جنبات المسجد، صغّر فيها كبرياء الجاهلية وأعلى شأن التقوى والنبوة. فلما انتهى، قال الأقرع بن حابس (أحد ساداتهم): "وأبي! إن هذا الرجل لمؤتًى له (أي مؤيد)، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا!" [سيرة ابن هشام: ٢/ ٥٦٢، والبداية والنهاية: ٥ /٤٥].

وفادة جرير بن عبد الله

في رمضان من السنة العاشرة للهجرة، وبينما كان سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسًا في مسجده مع أصحابه، ساد صمتٌ مَهيب، ثم التفت حضرة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو أحد مداخل المدينة (الفَجّ) وبشّر أصحابه ببشرى عجيبة، رسمت في خيالهم صورة رجلٍ استثنائي قبل أن تقع عليه أبصارهم، كان الوافد هو جرير بن عبد الله البجلي، سيد قومه وجميل العرب، الذي أقبل مسلمًا طائعًا ومعه مائة وخمسون راكبًا من قومه.

دخل جرير المسجد والأنظار تلاحقه، فكان رجلاً طوالاً، وسيم الطلعة، يفيض وجهه بجمالٍ أخّاذ ووقارٍ فطري، حتى قال فيه عمر بن الخطاب لاحقاً: "جريرٌ يوسفُ هذه الأمة".

قبل أن يضع جرير قَدَمه في المسجد، قال سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْفَجِّ مِنْ خَيْرِ ذِي يَمَنٍ، أَلَا وَإِنَّ عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةَ مَلَكٍ» [المستدرك للحاكم: ٣/١٣٩].

فلما دخل جرير، رحب به سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - وأدناه، وبحث جرير عن مكانٍ يجلس فيه فلم يجد لزحام المسجد، فقام سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلع ردائه الشريف، ولفًه ثم ألقاه إلى جرير وقال له: «اجْلِسْ عَلَى هَذَا»، فأخذ جرير الرداء وضمه إلى صدره وقبّله، ثم رده إلى سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول بامتنان: "أكرمك الله يا رسول الله كما أكرمتني"، فقال ﷺ: «إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ» [سنن ابن ماجه: ٣٧١٢].

فلم يكتفِ سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدح اللفظي (مسحة ملك)، بل قدّم لجرير فراش النبوة ليجلس عليه، هذا المشهد هو ذروة الإعزاز النبوي للرموز الاجتماعية، وتعبيرٌ عن أن الإسلام لا يكسر الأنفة الكريمة، بل يزيدها شرفاً وجمالًا.

الخلاصة

إن قراءة مشهد الوفود تكشف عن دينٍ لم يفتح القلاع بالسلاح فحسب، بل فتح القلوب بجمال الخُلق وعظمة الاستيعاب، ليظل المنهج النبوي نبراسًا في فن إدارة الاختلاف وصناعة الحضارة وبناء الإنسان.

موضوعات ذات صلة

 تُعد غزوة الخندق (الأحزاب) التي وقعت في شوال من العام الخامس للهجرة

تُمثل غزوة حنين (٨هـ) المحطة التربوية الأبرز في السيرة النبوية

تُعد غزوة تبوك من أعظم المحطات في السيرة النبوية

تشكل غزوة أحد، محطة حاسمة في السيرة النبوية قدمت للأمة دروسًا عظيمة في الشورى والقيادة،

لتنظيم العلاقات بين سكان المدينة كتب النبي ﷺ الصحيفة، لتكون دستورًا يضمن التعايش السلمي بين المسلمين واليهود وغيرهم،