Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

غزوة بني سُلَيم (شوال ٢هـ)

الكاتب

هيئة التحرير

غزوة بني سُلَيم (شوال 2هـ)

جاءت غزوة بني سُلَيم بالكُدْر في سياق التحركات النبوية التي أعقبت غزوة بدر، حيث برزت معالم الحزم واليقظة في تثبيت دعائم الدولة الناشئة، وتكشف الروايات الواردة فيها عن منهج متكامل في إدارة القوة، وتحقيق الردع دون اشتراط وقوع القتال.

المستفاد من الغزوة

لم تكن عودة النبي -صلى الله عليه وسلم- من بدر الكبرى، ذلك الحدث الذي فرق الله به بين الحق والباطل؛ لتعني الركون إلى الظل، أو التراخي في حماية الدولة الناشئة، بل كانت فاتحة جديدة لمرحلة الانتباه، كما جاء في كتب السير؛ ففي أعقاب غزوة بدر، وبعد أن أظهر الله الحق وأعزّ جنده، بدأت مرحلة جديدة من تثبيت الدولة الإسلامية وتأمين أطرافها، فكانت التحركات النبوية تتسم باليقظة والحزم، ومن ذلك ما عُرف بغزوة بني سُلَيم بالكُدْر، وهي من الغزوات التي قلَّت تفاصيلها في المصادر، غير أن ما ورد فيها يحمل دلالات بليغة.

قَالَ ابْنُ إسْحَاق: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُمْ بِهَا إلَّا سَبْعَ لَيَالٍ حَتَّى غَزَا بِنَفْسِهِ، يُرِيدُ بَنِي سُلَيْمٍ.

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيَّ، أَوْ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ.

قَالَ ابْنُ إسْحَاق: فَبَلَغَ مَاءً مِنْ مِيَاهِهِمْ، يُقَالُ لَهُ: الْكُدْرُ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، فَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ شَوَّالٍ وَذَا الْقَعَدَةِ، وَأَفْدَى فِي إقَامَتِهِ تِلْكَ جُلُّ الْأُسَارَى مِنْ قُرَيْشٍ [السيرة النبوية لابن هشام: ٢/٤٣-٤٤ ط الحلبي].

هذه الرواية الموجزة، على قِصرها، تفتح بابًا واسعًا للفهم؛ إذ تكشف عن سرعة المبادرة النبوية بعد بدر، وعدم الركون إلى النصر، بل الانتقال مباشرة إلى تأمين الجبهة الداخلية والخارجية؛ فخروج النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه بعد سبع ليالٍ فقط يدل على يقظة القيادة، واستشعار ما قد تُضمره بعض القبائل من تحركات أو نيات عدائية.

كما يظهر من هذه الغزوة معنى الردع الاستباقي؛ إذ لم يقع قتال، ومع ذلك تحقق المقصود من إظهار القوة والحضور، وهو لون من ألوان السياسة الشرعية التي تمنع العدو من التفكير في العدوان ابتداءً، والإقامة ثلاثة أيام في هذا الموضع توحي بالتمركز المقصود؛ لإيصال رسالة واضحة، بأن المسلمين قادرون على بلوغ مواطن الخصوم.

أهداف غزوة بني سليم ودلالاتها

وهكذا، فإن غزوة بني سُلَيم، وإن خلت من المواجهة العسكرية، إلا أنها تحمل في طياتها معاني الحزم، وسرعة التحرك، والسياسة الرشيدة، وتؤكد أن بناء الدولة لا يقوم فقط على الانتصارات الكبرى، بل كذلك على التحركات المحسوبة التي تحفظ هيبتها وتؤمّن مستقبلها.

فعندما بلغ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ماءَ "الْكُدْر"، أقام ثلاث ليال؛ وهذا يهدف لإثبات الحضور في عمق ديار القبائل، وفرض الهيبة؛ فيعلم القاصي والداني، ومع عدم وقوع القتال في هذه الغزوة حيث لم يلقَ المسلمون كيدًا، إلا أنها حققت غايتها الأسمى وهي "الردع"، وتشتيت شمل المتربصين، وتميز قدرة المقاومة على السيطرة على الموارد في المنطقة.

ومن جهة أخرى، فإن استخلاف من يدير شؤون المدينة أثناء الغياب يكشف عن تنظيم إداري مبكر، يوازن بين المتطلبات كلها، بما فيها حفظ الاستقرار الداخلي، وهو من فقه إدارة الدولة في دراسة السيرة النبوية.

فتجلت الحكمة في هذه الغزوة؛ في العمل على استقرار الجبهة الداخلية، وتسيير مصالح المسلمين في غياب الجيش؛ حيث استخدم النبي صلي الله عليه وسلم سباع بن عُرْفُطَةَ الغفاري أو ابن أم مكتوم على المدينة، وفي هذا دلالة فقهية على ضرورة الإعداد لحفظ وأمن البلاد، ورعاية الدولة عند خروج المسؤول الأول للمهمات الخارجية.

الفقه المستنبط من غزوة بني سليم

وتبرز كذلك مسألة فداء الأسرى في هذه الفترة، حيث انشغل النبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته بإتمام هذا الملف؛ مما يدل على أن الحرب في الإسلام ليست غاية، بل وسيلة تُضبط بأخلاق وتشريعات، تراعي الحقوق، وتفتح أبواب الرحمة حتى مع الخصوم.

إن فقه هذه الغزوة يربط بوضوح بين القوة والسياسة في آن واحد؛ فعقب العودة أقام النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بقية شوال وذي القعدة، وهي المدة التي شهدت نشاطًا دبلوماسيًّا وإنسانيًّا، تمثل في فداء جُلّ أساري قريش، وهذا تكامل يبرهن على أن الدولة القوية هي التي تشيد مساراتها السياسية والتفاوضية، وهي مرهوبة الجانب؛ لتظل السيرة النبوية نموذجًا فريدًا، يجمع بين الحزم في حماية الحدود، والحكم في إدارة القضايا الاجتماعية والحقوقية، مما يمكن الدولة الناشئة من ترسيخ أركانها في بيئة كانت تموج بالتحديات.

الخلاصة

تكشف غزوة بني سُلَيم الواقعة بالكُدْر عن جانب مهم من القيادة النبوية في مرحلة ما بعد بدر، وتؤكد أن تثبيت الدولة لا يقوم على الحرب فحسب؛ بل على الحضور والردع وحسن التدبير، كما تُبرز توازنًا دقيقًا بين القوة والرحمة في إدارة شؤون الحرب والسلم.

موضوعات ذات صلة

غزوة أحد وقعت في ١٥ شوال ٣ هـ (مارس٦٢٥م).

وقعت غزوة حمراء الأسد في صبيحة يوم الأحد، السادس عشر من شوال، في العام الثالث للهجرة.

غزوة الخندق (الأحزاب) وقعت في شوال من العام الخامس للهجرة.

غزوة الأحزاب لم تكن مجرد واقعةٍ حربية فحسب، بل كانت مدرسة ربانية، تجلت فيها أنوار الحكمة النبوية.

كانت غزوة الطائف في شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة.