في أعقاب نصر حنين، لجأت فلول ثقيف إلى حصنهم المنيع بالطائف، حاصرهم حضرة النبي صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرين يومًا، فما الذي حدث؟ وما قصة استخدام المسلمين للمنجنيق في الحرب؟ هذا ما سنتعرف عليه في هذا المقال.
في أعقاب نصر حنين، لجأت فلول ثقيف إلى حصنهم المنيع بالطائف، حاصرهم حضرة النبي صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرين يومًا، فما الذي حدث؟ وما قصة استخدام المسلمين للمنجنيق في الحرب؟ هذا ما سنتعرف عليه في هذا المقال.
كانت غزوة الطائف في شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة، وذلك بعد أيام من غزوة حنين وفتح أوطاس [ابن هشام، السيرة النبوية، ٤ /٩٢]؛ فبعد أن منح الله المسلمين نصرًا عظيمًا على هوازن، لجأت فلول ثقيف ومن معهم من قبائل المشركين إلى حصن الطائف المنيع، وأغلقوا الأبواب خلفهم، وأعدوا المجانيق والدبابات والضبور التي كانوا قد تعلموا صنعتها من أهل فارس والروم [الواقدي، المغازي، ١ /٤١٦].
والطائف ليست كغيرها من مدن الحجاز؛ فهي مدينة محصنة بجبل مرتفع، ذات مياه جارية ونخيل وأعناب، وكانت قبيلة ثقيف تسكنها ولها بها حصن لا يُرام؛ وكان من الطبيعي أن يلجأ إليها منهزمو حنين، ومن الطبيعي أن يتجه إليهم الجناب النبوي المعظم - صلى الله عليه وآله وسلم - بعد أن فرغ من مطاردة الباقين في أوطاس ونخلة [ابن كثير، البداية والنهاية، ٧ /٦٦].
وقد كان عروة بن مسعود وغيلان بن سلمة الثقفيان غائبين عن حنين والطائف، إذ كانا في جرش يتعلَّمان صنعة الدبابات والمجانيق [السهيلي، الروض الأنف، ٧ /٣٣١]، ولعل ذلك يؤكد أن ثقيف كانت تعد العدة للحرب منذ زمن، وأنها كانت تدرك أن المواجهة مع الدولة الناشئة في المدينة لا بد آتية لا محالة.
وسار الجناب النبوي المكرم - صلى الله عليه وآله وسلم -في جيش كبير، قيل إنه كان اثني عشر ألفًا أو يزيدون، وقدَّم خالد بن الوليد على مقدمة الجيش، وسلك طريقًا طويلًا مرَّ فيها على نخلة اليمانية ثم قرن ثم المليح ثم بحرة الرغاء، وابتنى في بحرة الرغاء مسجدًا وصلى فيه، ثم واصل المسير حتى نزل قريبًا من الطائف [السهيلي، الروض الأنف، ٧ /٣٣٦].
لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبًا من حصن الطائف وعسكر هناك، جاءه الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري وهو من أهل الرأي والمشورة في الحرب، فقال له: "يَا رَسُولَ اللهِ، إنّا قَدْ دَنَوْنَا مِنْ الْحِصْنِ، فَإِنْ كَانَ عَنْ أَمْرٍ سَلّمْنَا، وَإِنْ كَانَ عَنْ الرّأْيِ فَالتّأَخّرُ عَنْ حِصْنِهِمْ. قَالَ: فَأَسْكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
فَكَانَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ يحدّث يقول: لقد طلع علينا من نخب: [واد بالطائف (معجم البلدان، ٨/ ٢٧٢)]، نَبْلِهِمْ سَاعَةَ نَزَلْنَا شَيْءٌ اللهُ بِهِ عَلِيمٌ، كَأَنّهُ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ- وَتَرّسْنَا لَهُمْ- حَتّى أُصِيبَ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِجِرَاحَةٍ، وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْحُبَابَ فَقَالَ: اُنْظُرْ مَكَانًا مُرْتَفِعًا مُسْتَأْخِرًا عَنْ الْقَوْمِ؛ فَخَرَجَ الْحُبَابُ حَتّى انْتَهَى إلَى مَوْضِعِ مَسْجِدِ الطّائِفِ خَارِجٍ مِنْ الْقَرْيَةِ، فَجَاءَ إلَى النّبِيّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَحَوّلُوا. قَالَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ: إنّي لَأَنْظُرُ إلَى أَبِي مِحْجَنٍ يَرْمِي مِنْ فَوْقِ الْحِصْنِ بِعِشْرَتِهِ بِمَعَابِلَ [المعابل: نصال عراض طوال، الواحدة معبلة] كَأَنّهَا الرّمَاحُ، مَا يَسْقُطُ لَهُ سَهْمٌ. قَالُوا: وَارْتَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ مَسْجِدِ الطّائِفِ الْيَوْمَ [الواقدي: المغازي، ٣/٩٢٦].
ونزل الجيش في موضع يعرف اليوم بمسجد عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم اثنتان من نسائه: أم سلمة وزينب بنت جحش رضي الله عنهما، فنُصبت لهما خيمتان، وكان الحبيب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يصلي بين الخيمتين طيلة أيام الحصار [ابن كثير، البداية والنهاية، ٧ /٧١].
وبدأ الحصار في جو مشحون بالتوتر، فما إن استقر المسلمون حول الحصن حتى انهالت عليهم السهام والحجارة من فوق الأسوار كأنها الجراد، وتترس المسلمون بالدروع، لكن النبل كان يصيب بعضهم بين الحين والآخر [ابن سعد، الطبقات الكبرى، ٢/ ٢١٤].
ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم شدة منعة الحصن، وعلو سوره، وبعد مدى النبل الذي يرمي به أهل الطائف، أشار عليه سيدنا سلمان الفارسي - رضي الله عنه - بمشورة عسكرية عظيمة، جاء سلمان إلى سيدنا الحبيب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وقال: " يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَى أَنْ تَنْصِبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى حِصْنِهِمْ فَإِنَّا كُنَّا بِأَرْضِ فَارِسَ فنصب الْمَنْجَنِيقَاتِ عَلَى الْحُصُونِ، وَتُنْصَبُ عَلَيْنَا، فَنُصِيبُ مِنْ عَدُوِّنَا، وَيُصِيبُ مِنَّا بِالْمَنْجَنِيقِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْجَنِيقٌ طَالَ الثَّوَاءُ (الإقامة) فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - فَعَمِلَ مَنْجَنِيقًا بِيَدِهِ، فَنَصَبَهُ عَلَى حِصْنِ الطَّائِفِ " [البيهقي، دلائل النبوة، ٥/ ١٦١].
ويُذكر أن أول منجنيق في الإسلام صُنع على يدي سلمان الفارسي، وكان من خشب الطرفاء، ورمى به المسلمون حصن الطائف، فوقع في قلوب أهل الحصن الرعب والفزع [السهيلي، الروض الأنف، ٧ /٣٣٩].
كما صنع المسلمون دبابة - وهي آلة من الخشب تُدفع إلى أصل الحصن فينقب أصحابها وهم في جوفها - فدخل نفر من الصحابة تحت الدبابة، ودفعوها إلى جدار الطائف ليخرقوه وينقبوا فيه [ابن سعد، الطبقات الكبرى، ٢ /٢١٦].
فلما رأت ثقيف ذلك، أرسلت سكك الحديد محماة بالنار، فأحرقت الدبابة، وخرج من كان تحتها من المسلمين، فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتلوا منهم رجالًا [ابن كثير، البداية والنهاية، ٧/ ٦٩]، وهنا تظهر براعة ثقيف في استخدام الأسلحة الحرارية، وهو ما يدل على أنهم كانوا على معرفة متقدمة بفنون الحرب، بفضل ما تعلموه من فارس والروم.
رُمي المسلمون من أهل الطائف بالنبل رميًا شديدًا طيلة أيام الحصار، حتى استشهد منهم اثنا عشر رجلًا [ابن هشام، السيرة النبوية، ٤ /٩٢]. وقد ذكر محمد بن إسحاق رحمه الله أسماءهم تسمية دقيقة، ورواها عنه ابن هشام في السيرة والسهيلي في الروض الأنف.
قال ابن إسحاق: "هذه تسمية من استشهد من المسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف" [السهيلي، الروض الأنف، ٧ /٣٣٩].
فجميع من استشهد بالطائف اثنا عشر رجلًا: سبعة من قريش، وأربعة من الأنصار، ورجل من بني ليث [ابن كثير، البداية والنهاية، ٧ /٧٤].
وهذه الخسارة وإن كانت محدودة العدد مقارنة بمعارك أخرى، إلا أنها كانت مؤلمة لأنها جاءت في حصار طويل، ومعظمها بنبل اخترق الدروع من فوق الأسوار.
ولما رأى الحبيب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن الحصار يطول، وأن أهل الطائف يصرون على المقاومة، أمر بقطع أعنابهم ونخيلهم التي حول الحصن، وذلك ليضعف قوتهم ومعنوياتهم [ابن سعد، الطبقات الكبرى، ٢ /٢١٤]، فوقع المسلمون في كروم الطائف وبساتينها يقطعون العنب ويقلعون النخيل، وكان ذلك من أقسى ما مر به أهل الطائف نفسيًا، فإن الطائف كانت تُعرف بكثرة أعنابها ونخيلها، وهي مصدر ثروتهم وعيشهم [السهيلي، الروض الأنف، ٧ /٣٤٠].
" فأمر رسول الله ﷺ بِقَطْعِ أَعْنَابِهِمْ وَتَحْرِيقِهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ قَطَعَ حَبَلَةً [شجرة العنب] فَلَهُ حَبَلَةٌ فِي الْجَنّةِ. فَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ لِيَعْلَى بْنِ مُرّةَ الثّقَفِيّ: أَقَطْعُ ذَلِكَ أَجْرِي؟ فَفَعَلَ يَعْلَى بْنُ مُرّةَ، ثُمّ جَاءَهُ فَقَالَ يَعْلَى: نَعَمْ. فَقَالَ عُيَيْنَةُ: لَك النّارُ! فَبَلَغَ ذلك رسول الله ﷺ فَقَالَ: عُيَيْنَةُ أَوْلَى بِالنّارِ مِنْ يَعْلَى. وَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَقْطَعُونَ قَطْعًا ذَرِيعًا.
قَالَ: وَنَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رضي الله عنه سُفْيَانَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الثّقَفِيّ: وَاَللهِ لَنُقَطّعَنَّ أَبَا عِيَالِك. فَقَالَ سُفْيَانُ: إذًا لَا تَذْهَبُونَ بِالْمَاءِ وَالتّرَابِ! فَلَمّا رَأَى الْقَطْعَ نَادَى سُفْيَانُ: يَا مُحَمّدُ، لِمَ تَقْطَعُ أَمْوَالَنَا؟ إمّا أَنْ تَأْخُذَهَا إنْ ظَهَرْت عَلَيْنَا، وَإِمّا أَنْ تَدَعَهَا لِلّهِ وَلِلرّحِمِ كَمَا زَعَمْت! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَإِنّي أَدَعُهَا لِلّهِ وَلِلرّحِمِ»، فَتَرَكَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ" [الواقدي: المغازي للواقدي، ٣/٩٢٨].
وكانوا يقصدون بذلك: هل تترك قطع هذه الأعناب والنخيل مراعاة لله وللرحم، أي: للقرابة التي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أمه، فإن أمه آمنة بنت وهب تنتمي إلى بني زهرة، وزهرة أخو قصي بن كلاب، وثقيف تنتمي إلى مالك بن حطيط بن كعب بن سعد بن تيم بن أُدَ، وليس بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم نسب قريب، لكن بعض أهل العلم قال إنه كانت بينهم رحم من جهة أمه [السهيلي، الروض الأنف، ٧ /٣٣٩].
فأمر بإيقاف القطع؛ وهذه وقفة عظيمة تبين رحمة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يكن يحب الإفساد ولا قطع الأشجار إلا للضرورة القصوى، فما إن نودي بالله والرحم حتى استجاب وتركها [ابن كثير، البداية والنهاية، ٧ /٧٦].
وفي أثناء الحصار، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحدث شرخًا في الجدار الداخلي لثقيف، ففكر في استمالة العبيد والأرقاء الذين كانوا في الحصن، والذين لا ولاء حقيقيًا لهم لأسيادهم، وإنما هم مستعبدون عندهم [ابن هشام، السيرة النبوية، ٤ /٩٣].
فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر» [ابن سعد، الطبقات الكبرى، ٢ /٢١٤].
"ونادى منادى رسول اللَّه ﷺ: أيّما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر! فخرج بضعة عشر رجلا: أبو بكرة، والمنبعث، والأزرق [أبو عقبة الأزرق]، ووردان، ويحنّس النّبّال، وإبراهيم بن جابر، ويسار، ونافع، وأبو السائب، ومرزوق، فأعتقهم ﷺ، ودفع كلّ رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه ويحمله، وأمرهم أن يقرؤهم القرآن ويعلموهم السنن، فشق ذلك على أهل الطائف" [إمتاع الأسماع بما للنبي ﷺ من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع: المقريزي،٢ /٢٣].
وكان هذا نداءً ذكيًا من الناحية العسكرية، وإنسانيًا من الناحية الأخلاقية، فقد استخدم حضرة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وعد الحرية سلاحًا لإضعاف معنويات أهل الطائف، وكسب أنصار جدد.
فخرج من الحصن بضعة عشر رجلًا، فيهم رجل يعرف بأبي بكرة، وكان اسمه في الجاهلية المضطجع، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبعث [ابن كثير، البداية والنهاية، ٧ /٧٧]، وكان عبدًا للحارث بن كلدة الثقفي، وكان طبيبًا مشهورًا، وخرج معه وردان، وكان عبدًا لعبد الله بن ربيعة [السهيلي، الروض الأنف، ٧ /٣٣٩].
فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يعوله ويحمله [ابن هشام، السيرة النبوية، ٤ /٩٢]، وقد شق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة، لأنهم فقدوا عبيدًا كانوا يخدمونهم، وفي الوقت نفسه زادهم ذلك خوفًا من أن يخرج بقية العبيد والأرقاء [ابن سعد، الطبقات الكبرى، ٢ /٢١٤].
فلما قدم وفد الطائف على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك مسلمين، "قالوا: عن عبدِ اللَّهِ بنِ المُكَدَّمِ الثَّقَفِيِّ عن النَّبِيِّ -ﷺ- فيمَن خَرَجَ إلَيه مِن عَبيدِ أهلِ الطّائفِ: ثُمَّ وفَدَ أهلُ الطّائفِ فأسلَموا، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، رُدَّ عَلَينا رَقيقَنا الَّذينَ أتَوْكَ. فقالَ: «لا، أولَئكَ عُتَقاءُ اللَّهِ»، ورَدَّ على كُل رَجُلٍ ولاءَ عبدِهِ" [البيهقي، السنن الكبرى، ٢١ /٤١٢].
وهذا يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى في العتق قيمة عليا لا يمكن التفريط فيها بعد أن منحها للعبيد.
وفي الطريق إلى الطائف، أو أثناء الحصار، مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبر غريب، فوقف عنده وأخبر أصحابه بشأن عجيب [ابن هشام، السيرة النبوية، ٤ /٩٤].
ذكر ابن إسحاق عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ بُجَيْرِ بْنِ أَبِي بُجَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ خَرَجْنَا مَعَهُ إِلَى الطَّائِفِ فَمَرَرْنَا بِقَبْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ وَكَانَ مِنْ ثَمُودَ، وَكَانَ هَذَا الْحَرَمُ يَدْفَعُ عَنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِي أَصَابَتْ قَوْمُهُ بِهَذَا الْمَكَانِ فَدُفِنَ فِيهِ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبَ، إِنْ أَنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ»، قَالَ: فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَاسْتَخْرَجُوا مَعَهُ الْغُصْنَ [السهيلي، الروض الأنف، ٧ /٣٤١].
وهذه القصة وإن كانت غريبة، إلا أنها وردت في أمهات كتب السيرة، وهي تظهر أن العرب في الجاهلية كانوا يدفنون مع موتاهم أشياء ثمينة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد لأصحابه أن يروا علامة على صدق ما أخبرهم به.
دام حصار الطائف بضعًا وعشرين ليلة [ابن هشام، السيرة النبوية، ٤ /٩٢].
وقيل: ثمانية عشر يومًا، وقيل: ثلاثين ليلة أو قريبًا من ذلك [ابن كثير، البداية والنهاية، ٧ /٧٥].
ولم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح الطائف، وكانت مشيئة الله أن يبقى هذا الحصن ليدخل أهله في الإسلام طوعًا بعد عام، لا قسرًا بالحرب، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا مَضَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِنْ حِصَارِ الطَّائِفِ اسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الدُّئِلِيَّ فَقَالَ: «يَا نَوْفَلُ مَا تَرَى فِي الْمُقَامِ عَلَيْهِمْ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَعْلَبٌ فِي جُحْرٍ، إِنْ أَقَمْتَ عَلَيْهِ أَخَذْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَضُرَّكَ.
"قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهُوَ مُحَاصِرٌ ثَقِيفًا: «يَا أَبَا بَكْرٍ إِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أُهْدِيَتْ لِي قَعْبَةٌ مَمْلُوءَةٌ زُبْدًا فَنَقَرَهَا دِيكٌ، فَهَرَاقَ مَا فِيهَا» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه -: مَا أَظُنُّ أَنْ تُدْرِكَ مِنْهُمْ يَوْمَكَ هَذَا مَا تُرِيدُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَأَنَا لَا أَرَى ذَلِكَ» [ابن كثير، البداية والنهاية، ٧ /٧٧].
ففهم الجناب النبوي - صلى الله عليه وآله وسلم - من هذا أن الحصار لن ينجح، وأنه لا فائدة من الاستمرار فيه، فقرر فك الحصار والانصراف عن الطائف [السهيلي، الروض الأنف، ٧ /٣٤١].
فأمر سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم – سيدنا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - فأذن في الناس بالرحيل، فضج الناس من ذلك، وقالوا: "نرحل ولم يفتح علينا الطائف!" [ابن سعد، الطبقات الكبرى، ٢ /٢١٦].
فلما رأى حضرة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كراهة الناس للرحيل، قال: «فاغدوا على القتال»، فغدوا، فأصابت المسلمين جراحات، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا قافلون إن شاء الله» فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون، وسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يضحك [ابن سعد، الطبقات الكبرى، ٢ /٢١٤].
ويروي سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - هذه القصة بتفصيل أكثر، فيقول: "حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف فلم ينل منهم شيئًا، فقال: «إنا قافلون إن شاء الله»، قال أصحابه: «نرجع ولم نفتتحه؟» فقال لهم رسول الله: «اغدوا على القتال»، فغدوا عليه فأصابهم جراح، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنا قافلون غدًا»، فأعجبهم ذلك، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم" [السهيلي، الروض الأنف، ٧ /٣٣٩].
قال الإمام النووي – رحمه الله -: "قصد ﷺ- الشفقة عليهم والرفق بهم بالرحيل عن الطائف لصعوبة أمره، وشدة الكفار الذين هم فيه، وتقويهم بحصنهم، مع أنه ﷺ- علم أولا، أو رجا أنه سيفتحه بعد ذلك بلا مشقة. فلما حرص الصحابة على المقام والجهاد أقام، وجد فيه القتال حتى أصابتهم الجراح رجع إلى ما كان قصده أولا من الرفق بهم ففرحوا بذلك لما رأوا ممن المشقة الظاهرة، ووافقوا على الرحيل، فضحك ﷺ- تعجبا من تغير رأيهم" [القسطلاني: المواهب اللدنية،١/٤٠٧]
وهذا الموقف يكشف عن بعد تربوي عميق، إذ أراد الجناب النبوي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن يري أصحابه أنه لم يترك الحصار جبنًا أو ضعفًا، وإنما بعد أن جرَّب كل الوسائل وأصيب المسلمون بجراحات، وكانت المصلحة في الرحيل.
ولما ظعن الحبيب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عن الطائف، ورحل الجيش، قال له رجل من أصحابه: «يا رسول الله، ادع عليهم»، أي ادع على ثقيف بالهلاك والدمار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اهد ثقيفًا وأت بهم مسلمين» [ابن كثير، البداية والنهاية، ٧ /٧٧].
وهذا الدعاء هو أبلغ ما في الغزوة وأعمقها دلالة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع عليهم مع أنهم آذوه وآذوا أصحابه وقتلوا منهم اثني عشر رجلًا، بل دعا لهم بالهداية والإسلام. وهذا من تمام رحمته - صلى الله عليه وآله وسلم -، ومن كمال خلقه، ومن صدق رسالته التي أرسل بها رحمة للعالمين [السهيلي، الروض الأنف، ٧ /٣٣٩].
وقد استجاب الله دعاء نبيه- صلى الله عليه وآله وسلم -، فلم يمضِ عام كامل حتى قدم عليه وفد ثقيف في شهر رمضان من السنة التاسعة للهجرة، وأعلنوا إسلامهم طائعين مختارين، وأصبحوا من خير أجناد الإسلام في الفتوحات بعد ذلك [ابن كثير، البداية والنهاية، ٧ /٧٨].
وهكذا انتهت غزوة الطائف، وقد كان الفتح العسكري غائبًا، لكن الفتح القلبي حصل بعد ذلك، حيث أسلمت ثقيف طواعية، وأصبحت الطائف مدينة إسلامية من كبريات مدن الحجاز.
غزوة الطائف تمثل نموذجًا فريدًا في القيادة العسكرية النبوية التي تجمع بين الحزم والرحمة، ورغم استخدام المنجنيق والدبابة لأول مرة، وخسارة اثني عشر شهيدًا، وحصار دام أسابيع، إلا أن حضرة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يؤذن له بفتحهًا عسكريًا، لكنه بدلًا من أن يدعو عليهم، دعا لهم بالهداية، فاستجاب الله وأسلمت ثقيف بعد عام، وتبرز الغزوة أن النصر الحقيقي ليس دائمًا في اقتحام الحصون، بل أحيانًا في فتح القلوب بالدعوة والرحمة.
تشكل غزوة أحد، محطة حاسمة في السيرة النبوية قدمت للأمة دروسًا عظيمة في الشورى والقيادة،
تُعد غزوة تبوك من أعظم المحطات في السيرة النبوية
تُمثل غزوة حنين (٨هـ) المحطة التربوية الأبرز في السيرة النبوية
تُعد غزوة الخندق (الأحزاب) التي وقعت في شوال من العام الخامس للهجرة
لتنظيم العلاقات بين سكان المدينة كتب النبي ﷺ الصحيفة، لتكون دستورًا يضمن التعايش السلمي بين المسلمين واليهود وغيرهم