بعد مصادقة رسول الله ﷺ على حكم سعد بن
معاذ، بدأ التنفيذ الفعلي لإجلاء بني قريظة عن المدينة.
- تَنْفِيذُ حُكْمِ الْقَتْلِ فِي الْمُقَاتِلَةِ:
أمر رسول الله ﷺ فاستُنزلوا من حصونهم، وحبسهم
بـ المدينة في دار بنت الحارث (وهي امرأة من بني النجار)، .
ثم خرج النبي إلى سوق المدينة، فحفر بها
خنادق، وبدأ يبعث إليهم فيُخرج بهم إليه أرسالًا (أي طائفة بعد طائفة)، فيضرب
أعناقهم في تلك الخنادق.
وكان عددهم يتراوح بين الستمائة والسبعمائة، والمكثر
يقول إنهم بين الثمانمائة والتسعمائة، وكان فيهم عدو الله حيي بن أخطب،
ورأس القوم كعب بن أسد.
وقد سألوا كعب بن أسد وهم يُساقون للقتل
أرسالًا: "يَا كَعْبُ، مَا تَرَاهُ يُصْنَعُ بِنَا؟" فأجابهم
موبخًا إياهم على غفلتهم: "أَفِي كُلِّ مَوْطِنٍ لَا تَعْقِلُونَ؟ أَلَا
تَرَوْنَ الدَّاعِيَ لَا يَنْزِعُ، وَأَنَّهُ مَنْ ذُهِبَ بِهِ مِنْكُمْ لَا
يَرْجِعُ؟ هُوَ وَاَللَّهِ الْقَتْلُ!" فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول
الله ﷺ [سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤١، البداية والنهاية ٤/ ٣٢٣].
- مَقْتَلُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَشِعْرُ ابْنِ
جَوَّالٍ:
وأُتي بـ حيي بن أخطب عدو الله، وعليه حلة
فَقّاحِيَّة (أي تضرب إلى الحمرة كلون الورد حين يهم أن يتفتح)، قد شقها على نفسه
من كل ناحية قدر أنملة لكيلا تُسلب منه بعد قتله.
جيء به مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلما نظر إلى رسول
الله ﷺ أصر على كبره وعداوته قائلًا: "أَمَا وَاَللَّهِ مَا لُمْتُ
نَفْسِي فِي عَدَاوَتِكَ، وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلُ اللَّهَ يُخْذَلْ".
ثم أقبل على الناس يبرر مصيره قائلًا: "أَيُّهَا
النَّاسُ، إنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَمْرِ اللَّهِ، كِتَابٌ وَقَدَرٌ وَمَلْحَمَةٌ كَتَبَهَا
اللَّهُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ"، ثم جلس فضربت عنقه، وفي ذلك رثاه جبل
بن جوال الثعلبي (وكان يهوديًا فأسلم) قائلًا:
لَعَمْرُكَ مَا لَامَ ابْنُ أَخْطَبَ نَفْسَهُ * * * ولَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلُ اللَّهَ يُخْذَلْ
.
لَجَاهَدَ حَتَّى أَبْلَغَ النَّفْسَ عُذْرَهَا * * *
وقَلْقَلَ يَبْغِي الْعِزَّ كُلَّ مُقَلْقَلِ
(وقلقل: تحرك باحثًا عن العز) [مغازي الواقدي ٢/ ٥١٤، سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤١].
- الْمَرْأَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي قُتِلَتْ:
يروي ابن إسحاق عن عروة بن الزبير عن
أم المؤمنين عائشة أنها قالت: "لَمْ يُقْتَلْ مِنْ نِسَائِهِمْ
إلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، واَللَّهِ إِنَّهَا لَعِنْدِي تُحَدِّثُ مَعِي،
وَتَضْحَكُ ظَهْرًا وَبَطْنًا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْتُلُ رِجَالَهَا فِي
السُّوقِ، إذْ هَتَفَ هَاتِفٌ بِاسْمِهَا: أَيْنَ فُلَانَةُ؟" قالت:
"أَنَا وَاَللَّهِ"، قالت عائشة: فقلت لها: "وَيْلَكِ،
مَا لَكِ؟" قالت: "أُقْتَلُ"، قلت: "وَلِمَ؟"
قالت: "لِحَدَثٍ أَحْدَثْتُهُ"، قالت عائشة رضي الله عنها:
"فَانْطَلَقَ بِهَا، فَضُرِبَتْ عُنُقُهَا، فوَاَللَّهِ مَا أَنْسَى
عَجَبًا مِنْهَا، طِيبَ نَفْسِهَا، وَكَثْرَةَ ضَحِكِهَا، وَقَدْ عَرَفَتْ
أَنَّهَا تُقْتَلُ"، ويوضح ابن هشام أنها المرأة التي طرحت الرحى
على خلاد بن سويد فقتلته، فاقتص منها [مغازي الواقدي ٢/ ٥١٧، سيرة ابن هشام
٢/ ٢٤٢].
- وَفَاءُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ لِلزُّبَيْرِ بْنِ
بَاطَا:
وكان الزبير بن باطا القرظي قد منَّ على ثابت
بن قيس بن شماس في الجاهلية يوم بعاث (حيث أسر ثابتًا فجز ناصيته ثم
خلى سبيله).
فجاءه ثابت وهو شيخ كبير ليرد له الجميل، وقال
له: "يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هَلْ تَعْرِفُنِي؟" قال:
"وَهَلْ يَجْهَلُ مِثْلِي مِثْلَكَ".
فذهب ثابت إلى رسول الله ﷺ فاستوهب منه
دمه، فوهبه له، ثم عاد فأخبره، فقال الزبير: "شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا
أَهْلَ لَهُ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا يَصْنَعُ بِالْحَيَاةِ؟" فاستوهب ثابت
أهله وولده، فأُعطي ذلك، فقال الزبير: "أَهْلُ بَيْتٍ بِالْحِجَازِ
لَا مَالَ لَهُمْ، فَمَا بَقَاؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ؟" فاستوهب ماله فأُعطي،
فلما عاد ثابت يبشره بنجاته ونجاة أهله وماله، سأل الزبير عن سادات
قومه: كعب بن أسد (الذي كأن وجهه مرآة صينية)، وحيي بن أخطب (سيد
الحاضر والبادي)، وعزال بن سموأل (حاميتهم إذا فروا)، فلما أخبره ثابت
أنهم قُتلوا جميعًا، زهد في الحياة بعدهم قائلًا: "فَأَنِّي أَسْأَلُكَ
يَا ثَابِتُ بِيَدِي عِنْدَكَ إلَّا أَلْحَقْتَنِي بِالْقَوْمِ، فَوَاَللَّهِ مَا
فِي الْعَيْشِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ خَيْرٍ، فَمَا أَنَا بِصَابِرٍ لِلَّهِ
فَتْلَةَ دَلْوٍ نَاضِحٍ حَتَّى أَلْقَى الْأَحِبَّةَ"، (وفتلة دلو ناضح:
أي مقدار الزمن القصير الذي يأخذه الرجل ليصب الدلو في الحوض ويرده بسرعة)، فقدمه ثابت
فاستوفى شروط التنفيذ وضُربت عنقه، ولما بلغ أبا بكر الصديق قوله: "أَلْقَى
الْأَحِبَّةَ"، قال: "يَلْقَاهُمْ وَاَللَّهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ
خَالِدًا مُخَلَّدًا" [سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٣، دلائل النبوة للبيهقي ٤/ ٢٤].
- الْعَفْوُ عَمَّنْ لَمْ يُنْبِتْ وَشَأْنُ رِفَاعَةَ:
وكان أمر رسول الله ﷺ أن يُقتل من بني
قريظة كل من أنبت، فجيء بـ عطية القرظي وكان غلامًا لم يُنبت، فخلوا
سبيله إعمالًا للقاعدة.
كما سألت سلمى بنت قيس (أم المنذر، إحدى خالات
رسول الله ﷺ) النبي أن يهب لها رفاعة بن سموأل القرظي، فقَالَتْ: "يَا
رَسُولَ اللهِ، رِفَاعَةُ بْنُ سَمَوْأَلٍ كَانَ يَغْشَانَا وَلَهُ بِنَا حُرْمَةٌ
فَهَبْهُ لِي"، وَقَدْ رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ
يَلُوذُ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«نَعَمْ، هُوَ لَك»، ثُمّ قَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللهِ، إنّهُ سَيُصَلّي
وَيَأْكُلُ لَحْمَ الْجَمَلِ"، فَتَبَسّمَ النّبِيّ ﷺ،
ثُمّ قَالَ: «إنْ يُصَلّ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ» [مغازي الواقدي ٢/ ٥١٥، سيرة
ابن هشام ٢/ ٢٤٤].
- قِسْمَةُ الْفَيْءِ وَالسَّبَايَا وَشَأْنُ
رَيْحَانَةَ:
ثم قسم رسول الله ﷺ أموال بني قريظة
ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، فكانت قريظة أول فيء وقعت فيه السُّهمان
وأُخرج منها الخمس، فصارت سُنَّة في المغازي؛ حيث جعل للفارس ثلاثة أسهم (سهمان
للفرس وسهم لفارسه)، وللراجل الذي ليس له فرس سهمًا واحدًا، وكانت الخيل يومئذ ستة
وثلاثين فرسًا، ثم بعث النبي سعد بن زيد الأنصاري بسبايا من سباياهم إلى نجد،
فابتاع لهم بها خيلًا وسلاحًا، وكان رسول الله ﷺ قد اصطفى لنفسه ريحانة
بنت عمرو بن خنافة، وعرض عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب، فقالت: "يَا
رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ تَتْرُكُنِي فِي مِلْكِكَ، فَهُوَ أَخَفُّ عَلَيَّ
وَعَلَيْكَ"، فتركها، وكانت حين سباها قد تعصت وأبت إلا اليهودية فعزلها
النبي ووجد في نفسه من ذلك، حتى سمع النبي وقع نعلين خلفه، فقال: «إنَّ هَذَا
لِثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ يُبَشِّرُنِي بِإِسْلَامِ رَيْحَانَةَ»، فجاءه
فقال: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَسْلَمَتْ رَيْحَانَةُ"،
فَسَرَّهُ ذلك [سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٥].