Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

غزوة بني قريظة في ذي القعدة ٥ هـ

الكاتب

هيئة التحرير

غزوة بني قريظة في ذي القعدة 5 هـ

تعد غزوة بني قريظة محطة فارقة في التاريخ الإسلامي، حيث كشفت عن تداعيات نقض العهود في أوقات الأزمات، وتتناول هذه القصة تفاصيل الحصار والتحكيم العادل الذي أنهى وجود قوى الغدر في المدينة، مبرزةً قيم الثبات، والامتثال لأمر الله، وكرامات الصحابة الأجلاء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

تمهيد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رَحْمَةً للعالمين، رسول الله ﷺ، وبعد: فإن السيرة النبوية المطهرة تزخر بالمواقف الفاصلة التي شكلت مسار الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، ورسخت دعائم أمنها واستقرارها، ومن أهم هذه المحطات التاريخية الفارقة "غزوة بني قريظة"، التي وقعت في أواخر السنة الخامسة من الهجرة، عَقِبَ انجلَاء أحزاب الشرك في غزوة الخندق مُبَاشَرَةً.

تأتي أهمية هذا البحث في تسليط الضوء على هذه الغزوة التي مثلت تطهيرًا نِهَائِيًّا لمعقل من معاقل الخيانة، حيث نقض يهود بني قريظة عهدهم مع المسلمين في أشد أوقات المحنة، وطعنوا الأمة في ظهرها.

وسنتناول في هذا البحث التفصيلي، مقدمات الغزوة ومسير المسلمين إليها، ثم ما تخلل ذلك من مفاوضات ومواقف إيمانية تَجَلَّتْ فيها سرعة الاستجابة لأمر الله ورسوله، وصولًا إلى التحكيم العادل الذي ارتضاه الله من فوق سبع سماوات، ونهاية هذا الوجود المهدد لكيان الأمة.

الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: مُقَدِّمَاتُ غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَبِدَايَةُ الْحِصَارِ

يبدأ سرد هذه الأحداث كما أوردها ابن إسحاق، موضحًا كيف تطورت الأمور بانتقال جيش المسلمين من الخندق إلى حصون يهود بني قريظة فَوْرًا بِدُونِ تراخٍ.

أولا: أَمْرُ اللَّهِ لِرَسُولِهِ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ بِحَرْبِ بَنِي قُرَيْظَةَ:

لما كانت صلاة الظهر في يوم انصراف المسلمين من الخندق، أتى جبريل -عليه السلام- رسولَ اللَّه ﷺ، وكان مُعْتَجِرًا (أي متعممًا دُونَ أن يُلْقِيَ شَيْئًا تَحْتَ لحيته) بعمامة من إستبرق (وهو نوع من الديباج الغليظ)، راكبًا على بغلة عليها رِحَالَةٌ (أي سرج) فوقها قطيفة من ديباج، فقال جبريل: "أَوَقَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟" فأجابه رسول اللَّه ﷺ: «نَعَمْ» فقال جبريل: "فَمَا وَضَعَتْ الْمَلَائِكَةُ السِّلَاحَ بَعْدُ، وَمَا رَجَعَتْ الْآنَ إلَّا مِنْ طَلَبِ الْقَوْمِ، إنَّ اللَّهَ عز وجل يَأْمُرُكَ يَا مُحَمَّدُ بِالْمَسِيرِ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَإِنِّي عَامِدٌ إلَيْهِمْ فَمُزَلْزِلٌ بِهِمْ" [مغازي الواقدي ٢/‏ ٤٩٧، سيرة ابن هشام ٢/‏ ٢٣٣].

واستجاب النبي لأمر ربه، فأمر الناس بالمسارعة إلى بني قريظة فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ العَصْرَ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: "لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا"، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: "بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ"، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ [صحيح البخاري (٤١١٩)]، قال ابن هشام: واستعمل رسول اللَّه ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم ليخلفه عليها أثناء الغزوة [سيرة ابن هشام ٢/‏ ٢٣٣].

  • تَقَدُّمُ عَلِيٍّ بِالرَّايَةِ وَتَبْلِيغُهُ الرَّسُولَ:

مضى الجيش استجابة للنداء، وقدم رسول اللَّه ﷺ عليَّ بنَ أبي طالب براية الجيش نحو بني قريظة، ولما دنا عليٌّ من حصونهم سمع منهم مَقَالَةً قبيحة في حق النبي، فرجع حتى لقي رسول اللَّه ﷺ بالطريق، فقال له: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا عَلَيْكَ أَنْ لَا تَدْنُوَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَخَابِثِ" فسأله النبي: «لِمَ؟ أَظُنُّكَ سَمِعْتُ مِنْهُمْ لِي أَذًى؟» قال علي: "نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ" فطمأنه النبي قَائِلًا: «لَوْ رَأَوْنِي لَمْ يَقُولُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا»، ولما وصل رسول اللَّه ﷺ ودنا من حصونهم ناداهم: «يَا إخْوَانَ الْقِرَدَةِ، هَلْ أَخْزَاكُمْ اللَّهُ وَأَنْزَلَ بِكُمْ نِقْمَتَهُ؟» فأجابوه قائلين: "يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا كُنْتُ جَهُولًا" [سيرة ابن هشام ٢/‏ ٢٣٤، تاريخ الطبري ٢/ ‏٥٨٢].

  • رُؤْيَةُ جِبْرِيلَ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ:

وفي الطريق، مر رسول اللَّه ﷺ بنفر من أصحابه بموضع يُسمى الصورين (وهو موضع قرب المدينة)، فسألهم: «هَلْ مَرَّ بِكُمْ أَحَدٌ؟» فقالوا: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ مَرَّ بِنَا دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ، عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ عَلَيْهَا رِحَالَةٌ، عَلَيْهَا قَطِيفَةٌ دِيبَاجٌ"، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ: «ذَلِكَ جِبْرِيلُ، بُعِثَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ يُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهُمْ، وَيَقْذِفُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ»، وعندما وصل النبي نزل على بئر من آبارهم تُسمى بئر أنا (أو بئر أنى كما ذكر ابن هشام) [سيرة ابن هشام ٢/‏ ٢٣٤، تاريخ الطبري ٢/ ‏٥٨٢، دلائل النبوة للبيهقي ٤/ ‏١١].

  • تَلَاحُقُ الْمُسْلِمِينَ بِالرَّسُولِ وَصَلَاةُ الْعَصْرِ:

قال ابن إسحاق عن معبد بن كعب بن مالك الأنصاري: وتلاحق الناس بالنبي، حتى إن رِجَالًا منهم وصلوا بعد العشاء الآخرة ولم يكونوا قد صلوا العصر؛ تمسكًا بقول رسول اللَّه ﷺ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إلَّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ».

فشغلهم ما لم يكن منه بد في حربهم، وأبوا أن يصلوا حتى يأتوا الحصون، فصلوا العصر هناك بعد العشاء الآخرة، فما عابهم الله بِذَلِكَ في كتابه، ولا عنفهم رسول اللَّه ﷺ [سيرة ابن هشام ٢/‏ ٢٣٥، تفسير الطبري جامع البيان ١٩/ ‏٧٤].

  • حِصَارُهُمْ وَمَقَالَةُ كَعْبِ بْنِ أَسَدٍ لِلْيَهُودِ:

ضرب النبي الحصار عليهم خمسًا وعشرين ليلة، حتى جهدهم الحصار، وقذف الله الرعب في قلوبهم، وكان حيي بن أخطب قد دخل معهم في حصنهم وفاءً بعهده لـ كعب بن أسد حِينَ رَجَعَتْ عَنْهُمْ قريش وغطفان، ولما أيقن اليهود أن رسول اللَّه ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، عرض عليهم كعب بن أسد خِلَالًا ثَلَاثًا، قَائِلًا: "يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنْ الْأَمْرِ مَا تَرَوْنَ، وَإِنِّي عَارِضٌ عَلَيْكُمْ خِلَالًا ثَلَاثًا، فَخُذُوا أَيَّهَا شِئْتُمْ" قالوا: "وَمَا هِيَ؟".

  • الْخِيَارُ الْأَوَّلُ (تصديق النبي): قال كعب: "نُتَابِعُ هَذَا الرَّجُلَ وَنُصَدِّقُهُ، فَوَاَللَّهِ لَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّهُ لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَأَنَّهُ لَلَّذِي تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ، فَتَأْمَنُونَ عَلَى دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ وَنِسَائِكُمْ"، فرفضوا قائلين: "لَا نُفَارِقُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ أَبَدًا، وَلَا نَسْتَبْدِلُ بِهِ غَيْرَهُ".
  • الْخِيَارُ الثَّانِي (قتل الذراري والقتال الميت): قال كعب: "فَإِذَا أَبَيْتُمْ عَلَيَّ هَذِهِ، فَهَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، ثُمَّ نَخْرُجُ إلَى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ رِجَالًا مُصْلِتِينَ السُّيُوفَ، لَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا ثَقَلًا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، فَإِنْ نَهْلِكْ نَهْلِكُ، وَلَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا نَسْلًا نَخْشَى عَلَيْهِ، وَإِنْ نَظْهَرْ فَلَعَمْرِي لِنَجِدَنَّ النِّسَاءَ وَالْأَبْنَاءَ"، فأشفقوا وقالوا: "نَقْتُلُ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينِ! فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ؟".
  • الْخِيَارُ الثَّالِثُ (هجوم مباغت ليلة السبت): قال كعب: "فَإِنْ أَبَيْتُمْ عَلَيَّ هَذِهِ، فَإِنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ السَّبْتِ، وَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَمَّنُونَا فِيهَا، فَانْزِلُوا لَعَلَّنَا نُصِيبُ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ غِرَّةً"، فرفضوا خوفًا من المسخ قائلين: "نُفْسِدُ سَبْتَنَا عَلَيْنَا، وَنُحْدِثُ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا إلَّا مَنْ قَدْ عَلِمْتُ، فَأَصَابَهُ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ مِنْ الْمَسْخِ!"؛ فلما رأى كعب تخاذلهم قال كلمته الأخيرة: "مَا بَاتَ رَجُلٌ مِنْكُمْ مُنْذُ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لَيْلَةً وَاحِدَةً مِنْ الدَّهْرِ حَازِمًا" [سيرة ابن هشام ٢/ ‏٢٣٦].

الْمَبْحَثُ الثَّانِي: مُفَاوَضَاتُ بَنِي قُرَيْظَةَ وَتَوْبَةُ أَبِي لُبَابَةَ وَتَحْكِيمُ سَعْدٍ

  • أَبُو لُبَابَةَ وَاسْتِشَارَةُ الْيَهُودِ لَهُ:

بعث يهود بني قريظة إلى رسول الله ﷺ يطلبون منه أن يرسل إليهم حليفهم أبا لبابة بن عبد المنذر (وهو من بني عمرو بن عوف، حلفاء قبيلة الأوس)، ليستشيروه في أمرهم، فلما أرسله النبي ودخل عليهم، قام إليه الرجال، وجَهَشَ إليه النساء والصبيان (أي بكوا في وجهه بضعف واستغاثة)، فرَقَّ قلبه لحالهم، فسألوه: "يَا أَبَا لُبَابَةَ! أَتَرَى أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ؟" فأجابهم: "نَعَمْ"، ولكنه أشار بيده إلى حلقه؛ كناية عن أن مصيرهم سيكون (الذبح).

وما إن أشار أبو لبابة بتلك الإشارة حتى أدرك عظيم زلته، يقول عن نفسه: "فَوَاَللَّهِ مَا زَالَتْ قَدَمَايَ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ"، فلم يعد إلى رسول الله ﷺ، بل انطلق هائمًا على وجهه حتى دخل مسجد المدينة، وربط نفسه إلى عمود من أعمدته، مقسمًا: "لَا أَبْرَحُ مَكَانِي هَذَا حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ مِمَّا صَنَعْتُ"، وعاهد الله قائلًا: "أَنْ لَا أَطَأَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَبَدًا، وَلَا أُرَى فِي بَلَدٍ خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيهِ أَبَدًا"، ويذكر ابن هشام أن الله تعالى أنزل في خيانة أبي لبابة قوله: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤا۟ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] [سيرة ابن هشام ٢/ ‏٢٣٦، البداية والنهاية لابن كثير ٤/ ‏٣١٧].

  • مَوْقِفُ الرَّسُولِ مِنْهُ وَنُزُولُ التَّوْبَةِ:

ولما استبطأ رسول الله ﷺ عودة أبي لبابة وبلغه خبره، قال: «أَمَا إنَّهُ لَوْ جَاءَنِي لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ لَهُ، فَأَمَّا إذْ قَدْ فَعَلَ مَا فَعَلَ، فَمَا أَنَا بِاَلَّذِي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ»، وأقام أبو لبابة مرتبطًا بالجذع ست ليالٍ، لا تحله امرأته إلا للصلاة ثم يعود فيرتبط، حتى نزلت توبته من السَّحَر ورسول الله ﷺ في بيت أم سلمة، قالت أم سلمة: سمعت رسول الله ﷺ يضحك في السَّحَر، فقلت: "مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ"، قال: «تِيبَ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ»، قالت: "أَفَلَا أُبَشِّرُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟" قال: «بَلَى، إنْ شِئْتِ»، فقامت على باب حجرتها (وذلك قبل أن يُفرض الحجاب) ونادت: "يَا أَبَا لُبَابَةَ، أَبْشِرْ فَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ"، فثار الناس ليطلقوه، فمنعهم قائلًا: "لَا وَاَللَّهِ حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الَّذِي يُطْلِقُنِي بِيَدِهِ".

فلما مر به النبي خارجًا لصلاة الصبح أطلقه، ونزل في توبته قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُوا۟ عَمَلࣰا صَٰلِحࣰا وَءَاخَرَ سَیِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن یَتُوبَ عَلَیۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢] [سيرة ابن هشام ٢/ ‏٢٣٦، البداية والنهاية لابن كثير ٤/ ‏٣١٧].

إسْلَامُ نَفَرٍ مِنْ بَنِي هُدَلٍ وَنَجَاةُ عَمْرِو بْنِ سُعْدَى:

وفي تلك الليلة الحاسمة، أسلم ثلاثة رجال من بني هدل (وهم بنو عمومة القوم، نسبهم يرتفع فوق قريظة والنضير)، وهم: ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد.

كما شهدت تلك الليلة خروج عمرو بن سعدى القرظي، وكان رجلًا قد أبى أن يشارك قومه في غدرهم بـ رسول الله ﷺ، معلنًا: "لَا أَغْدِرُ بِمُحَمَّدٍ أَبَدًا"، فمر ليلًا بحرس المسلمين وعليهم محمد بن مسلمة، فاستوقفه قائلًا: "مَنْ هَذَا؟" فأجابه: "أَنَا عَمْرُو بْنُ سُعْدَى"، فلما عرفه محمد بن مسلمة خلى سبيله تقديرًا لثباته، وقال: "اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنِي إقَالَةَ عَثَرَاتِ الْكِرَامِ"، وخرج الرجل ولم يُدرَ أين توجه، فلما ذُكر شأنه لـ رسول الله ﷺ قال: «ذَاكَ رَجُلٌ نَجَّاهُ اللَّهُ بِوَفَائِهِ» [الطبقات الكبير ٥/ ٣٩٦، ‌سيرة ابن هشام ٢/ ٢٣٨].

  • السَّبَبُ الْمُبَاشِرُ لِلِاسْتِسْلَامِ وَمُطَالَبَةُ الْأَوْسِ بِالتَّحْكِيمِ:

ويضيف ابن هشام في روايته ملمحًا عجل باستسلامهم؛ وهو أن علي بن أبي طالب تقدم هو والزبير بن العوام فصاح: "يَا كَتِيبَةَ الْإِيمَانِ"، ثم أقسم: "وَاَللَّهِ لَأَذُوقَنَّ مَا ذَاقَ حَمْزَةُ أَوْ لَأُفْتَحَنَّ حِصْنَهُمْ"، فهاب اليهود الاقتحام وقالوا: "يَا مُحَمَّدُ، نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ"، فلما أصبحوا ونزلوا على الحكم، تواثبت قبيلة الأوس إلى النبي يستشفعون في مواليهم، قائلين: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُمْ مَوَالِينَا دُونَ الْخَزْرَجِ، وَقَدْ فَعَلْتَ فِي مَوَالِي إخْوَانِنَا بِالْأَمْسِ مَا قَدْ عَلِمْتَ" (يقصدون عفوه عن يهود بني قينقاع حلفاء الخزرج)، فقال لهم رسول الله ﷺ: «أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ؟» قالوا: "بَلَى"، قال: «فَذَاكَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» [سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٠، البداية والنهاية ٦/ ٨٤].

  • قُدُومُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَحُكْمُهُ الْفَاصِلُ:

وكان سعد بن معاذ يعالج من سهم أصابه في الخندق، ممرضًا في خيمة لامرأة من قبيلة أسلم تُدعى رفيدة داخل المسجد، فأتاه قومه فحملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة، وجعلوا يقولون له في الطريق استعطافًا: "يَا أَبَا عَمْرٍو، أَحْسِنْ فِي مَوَالِيكَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا وَلَّاكَ ذَلِكَ لِتُحْسِنَ فِيهِمْ"، فلما أكثروا عليه حسم الأمر بكلمة صارمة: "لَقَدْ آنَى لِسَعْدٍ أَنْ لَا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ"، فرجع بعض قومه إلى دار بني عبد الأشهل فنعوا لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل سعد؛ لما فهموه من قسوة عبارته، ولما انتهى سعد إلى رسول الله ﷺ والمسلمين، قال النبي: «قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ»، فقاموا إليه وقالوا: "يَا أَبَا عَمْرٍو، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ وَلَّاكَ أَمْرَ مَوَالِيكَ لِتَحْكُمَ فِيهِمْ"، فقال سعد: "عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ، أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمْ لَمَا حَكَمْتُ؟" قالوا: "نَعَمْ"، فالتفت مُعرضًا وجهه عن رسول الله ﷺ إجلالًا له، وقال مشيرًا لجهته: "وَعَلَى مَنْ هَاهُنَا؟" قال رسول الله ﷺ: «نَعَمْ»، عندها أصدر سعد حكمه القاطع: "فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الرِّجَالُ، وَتُقَسَّمَ الْأَمْوَالُ، وَتُسْبَى الذَّرَارِيُّ وَالنِّسَاءُ"، فصادق رسول الله ﷺ على حكمه مبينًا موافقته للحق المطلق: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» (والأرقعة: السماوات، مفردها رقيع) [صحيح مسلم (١٧٦٨)، مغازي الواقدي ٢/ ٥١١، سيرة ابن هشام ٢/ ٢٣٩].

المبحث الثالث: مَقْتَلُ رِجَالِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَقِسْمَةُ الْغَنَائِمِ وَمَوَاقِفُ التَّنْفِيذِ

بعد مصادقة رسول الله ﷺ على حكم سعد بن معاذ، بدأ التنفيذ الفعلي لإجلاء بني قريظة عن المدينة.

  • تَنْفِيذُ حُكْمِ الْقَتْلِ فِي الْمُقَاتِلَةِ:

أمر رسول الله ﷺ فاستُنزلوا من حصونهم، وحبسهم بـ المدينة في دار بنت الحارث (وهي امرأة من بني النجار)، .

ثم خرج النبي إلى سوق المدينة، فحفر بها خنادق، وبدأ يبعث إليهم فيُخرج بهم إليه أرسالًا (أي طائفة بعد طائفة)، فيضرب أعناقهم في تلك الخنادق.

وكان عددهم يتراوح بين الستمائة والسبعمائة، والمكثر يقول إنهم بين الثمانمائة والتسعمائة، وكان فيهم عدو الله حيي بن أخطب، ورأس القوم كعب بن أسد.

وقد سألوا كعب بن أسد وهم يُساقون للقتل أرسالًا: "يَا كَعْبُ، مَا تَرَاهُ يُصْنَعُ بِنَا؟" فأجابهم موبخًا إياهم على غفلتهم: "أَفِي كُلِّ مَوْطِنٍ لَا تَعْقِلُونَ؟ أَلَا تَرَوْنَ الدَّاعِيَ لَا يَنْزِعُ، وَأَنَّهُ مَنْ ذُهِبَ بِهِ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُ؟ هُوَ وَاَللَّهِ الْقَتْلُ!" فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله ﷺ [سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤١، ‌البداية والنهاية ٤/ ٣٢٣].

  • مَقْتَلُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَشِعْرُ ابْنِ جَوَّالٍ:

وأُتي بـ حيي بن أخطب عدو الله، وعليه حلة فَقّاحِيَّة (أي تضرب إلى الحمرة كلون الورد حين يهم أن يتفتح)، قد شقها على نفسه من كل ناحية قدر أنملة لكيلا تُسلب منه بعد قتله.

جيء به مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلما نظر إلى رسول الله ﷺ أصر على كبره وعداوته قائلًا: "أَمَا وَاَللَّهِ مَا لُمْتُ نَفْسِي فِي عَدَاوَتِكَ، وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلُ اللَّهَ يُخْذَلْ".

ثم أقبل على الناس يبرر مصيره قائلًا: "أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَمْرِ اللَّهِ، كِتَابٌ وَقَدَرٌ وَمَلْحَمَةٌ كَتَبَهَا اللَّهُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ"، ثم جلس فضربت عنقه، وفي ذلك رثاه جبل بن جوال الثعلبي (وكان يهوديًا فأسلم) قائلًا:

لَعَمْرُكَ مَا لَامَ ابْنُ أَخْطَبَ نَفْسَهُ * * * ولَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلُ اللَّهَ يُخْذَلْ .

لَجَاهَدَ حَتَّى أَبْلَغَ النَّفْسَ عُذْرَهَا * * * وقَلْقَلَ يَبْغِي الْعِزَّ كُلَّ مُقَلْقَلِ 

(وقلقل: تحرك باحثًا عن العز) [مغازي الواقدي ٢/ ٥١٤، سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤١].

  • الْمَرْأَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي قُتِلَتْ:

يروي ابن إسحاق عن عروة بن الزبير عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: "لَمْ يُقْتَلْ مِنْ نِسَائِهِمْ إلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، واَللَّهِ إِنَّهَا لَعِنْدِي تُحَدِّثُ مَعِي، وَتَضْحَكُ ظَهْرًا وَبَطْنًا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْتُلُ رِجَالَهَا فِي السُّوقِ، إذْ هَتَفَ هَاتِفٌ بِاسْمِهَا: أَيْنَ فُلَانَةُ؟" قالت: "أَنَا وَاَللَّهِ"، قالت عائشة: فقلت لها: "وَيْلَكِ، مَا لَكِ؟" قالت: "أُقْتَلُ"، قلت: "وَلِمَ؟" قالت: "لِحَدَثٍ أَحْدَثْتُهُ"، قالت عائشة رضي الله عنها: "فَانْطَلَقَ بِهَا، فَضُرِبَتْ عُنُقُهَا، فوَاَللَّهِ مَا أَنْسَى عَجَبًا مِنْهَا، طِيبَ نَفْسِهَا، وَكَثْرَةَ ضَحِكِهَا، وَقَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا تُقْتَلُ"، ويوضح ابن هشام أنها المرأة التي طرحت الرحى على خلاد بن سويد فقتلته، فاقتص منها [مغازي الواقدي ٢/ ٥١٧، سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٢].

  • وَفَاءُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ لِلزُّبَيْرِ بْنِ بَاطَا:

وكان الزبير بن باطا القرظي قد منَّ على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية يوم بعاث (حيث أسر ثابتًا فجز ناصيته ثم خلى سبيله).

فجاءه ثابت وهو شيخ كبير ليرد له الجميل، وقال له: "يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هَلْ تَعْرِفُنِي؟" قال: "وَهَلْ يَجْهَلُ مِثْلِي مِثْلَكَ".

فذهب ثابت إلى رسول الله ﷺ فاستوهب منه دمه، فوهبه له، ثم عاد فأخبره، فقال الزبير: "شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا يَصْنَعُ بِالْحَيَاةِ؟" فاستوهب ثابت أهله وولده، فأُعطي ذلك، فقال الزبير: "أَهْلُ بَيْتٍ بِالْحِجَازِ لَا مَالَ لَهُمْ، فَمَا بَقَاؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ؟" فاستوهب ماله فأُعطي، فلما عاد ثابت يبشره بنجاته ونجاة أهله وماله، سأل الزبير عن سادات قومه: كعب بن أسد (الذي كأن وجهه مرآة صينية)، وحيي بن أخطب (سيد الحاضر والبادي)، وعزال بن سموأل (حاميتهم إذا فروا)، فلما أخبره ثابت أنهم قُتلوا جميعًا، زهد في الحياة بعدهم قائلًا: "فَأَنِّي أَسْأَلُكَ يَا ثَابِتُ بِيَدِي عِنْدَكَ إلَّا أَلْحَقْتَنِي بِالْقَوْمِ، فَوَاَللَّهِ مَا فِي الْعَيْشِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ خَيْرٍ، فَمَا أَنَا بِصَابِرٍ لِلَّهِ فَتْلَةَ دَلْوٍ نَاضِحٍ حَتَّى أَلْقَى الْأَحِبَّةَ"، (وفتلة دلو ناضح: أي مقدار الزمن القصير الذي يأخذه الرجل ليصب الدلو في الحوض ويرده بسرعة)، فقدمه ثابت فاستوفى شروط التنفيذ وضُربت عنقه، ولما بلغ أبا بكر الصديق قوله: "أَلْقَى الْأَحِبَّةَ"، قال: "يَلْقَاهُمْ وَاَللَّهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا" [سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٣، دلائل النبوة للبيهقي ٤/ ٢٤].

  • الْعَفْوُ عَمَّنْ لَمْ يُنْبِتْ وَشَأْنُ رِفَاعَةَ:

وكان أمر رسول الله ﷺ أن يُقتل من بني قريظة كل من أنبت، فجيء بـ عطية القرظي وكان غلامًا لم يُنبت، فخلوا سبيله إعمالًا للقاعدة.

كما سألت سلمى بنت قيس (أم المنذر، إحدى خالات رسول الله ﷺ) النبي أن يهب لها رفاعة بن سموأل القرظي، فقَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللهِ، رِفَاعَةُ بْنُ سَمَوْأَلٍ كَانَ يَغْشَانَا وَلَهُ بِنَا حُرْمَةٌ فَهَبْهُ لِي"، وَقَدْ رَآهُ رَسُولُ اللهِ يَلُوذُ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : «نَعَمْ، هُوَ لَك»، ثُمّ قَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللهِ، إنّهُ ‌سَيُصَلّي ‌وَيَأْكُلُ ‌لَحْمَ ‌الْجَمَلِ"، فَتَبَسّمَ النّبِيّ ، ثُمّ قَالَ: «إنْ يُصَلّ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ» [مغازي الواقدي ٢/ ٥١٥، سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٤].

  • قِسْمَةُ الْفَيْءِ وَالسَّبَايَا وَشَأْنُ رَيْحَانَةَ:

ثم قسم رسول الله ﷺ أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، فكانت قريظة أول فيء وقعت فيه السُّهمان وأُخرج منها الخمس، فصارت سُنَّة في المغازي؛ حيث جعل للفارس ثلاثة أسهم (سهمان للفرس وسهم لفارسه)، وللراجل الذي ليس له فرس سهمًا واحدًا، وكانت الخيل يومئذ ستة وثلاثين فرسًا، ثم بعث النبي سعد بن زيد الأنصاري بسبايا من سباياهم إلى نجد، فابتاع لهم بها خيلًا وسلاحًا، وكان رسول الله ﷺ قد اصطفى لنفسه ريحانة بنت عمرو بن خنافة، وعرض عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب، فقالت: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ تَتْرُكُنِي فِي مِلْكِكَ، فَهُوَ أَخَفُّ عَلَيَّ وَعَلَيْكَ"، فتركها، وكانت حين سباها قد تعصت وأبت إلا اليهودية فعزلها النبي ووجد في نفسه من ذلك، حتى سمع النبي وقع نعلين خلفه، فقال: «إنَّ هَذَا لِثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ يُبَشِّرُنِي بِإِسْلَامِ رَيْحَانَةَ»، فجاءه فقال: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَسْلَمَتْ رَيْحَانَةُ"، فَسَرَّهُ ذلك [سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٥].

الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ: الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ، وَوَفَاةُ سَعْدٍ، وَشُهَدَاءُ الْمُسْلِمِينَ

وفي ختام سياق هذه الغزوة يأتي بيان التوجيه القرآني الذي نزل تعقيبًا على الأحداث.

  • مَا نَزَلَ فِي الْخَنْدَقِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ سُورَةِ الْأَحْزَابِ:

 أنزل الله تعالى في شأن الخندق وأمر بني قريظة آيات من سورة الأحزاب، يذكر فيها ما نزل من البلاء، ونعمته على المؤمنين حين فرج عنهم، فقال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱذۡكُرُوا۟ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ إِذۡ جَاۤءَتۡكُمۡ جُنُودࣱ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَیۡهِمۡ رِیحࣰا وَجُنُودࣰا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرًا﴾ [الأحزاب: ٩]، والجنود هم: قريش، وغطفان، وبنو قريظة، أما الجنود التي لم يروها فهي الملائكة، ويصف الله تعالى مشهد إحاطة الأعداء بهم قائلًا: ﴿إِذۡ جَاۤءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ﴾ [الأحزاب: ١٠]، فالذين جاءوا من فوقهم هم بنو قريظة، والذين جاءوا من أسفل منهم هم قريش وغطفان.

ثم فضح القرآن مقالات المنافقين، كقول معتب بن قشير: ﴿وَإِذۡ یَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۤ إِلَّا غُرُورࣰا﴾ [الأحزاب: ١٢]، وقول أوس بن قيظي: ﴿یَقُولُونَ إِنَّ بُیُوتَنَا عَوۡرَةࣱ وَمَا هِیَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن یُرِیدُونَ إِلَّا فِرَارࣰا﴾ [الأحزاب: ١٣]، ووصف أذيتهم للمؤمنين: ﴿سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَیۡرِۚ﴾ [الأحزاب: ١٩] (ويفسرها ابن هشام: أي بالغوا فيكم بالكلام فأحرقوكم وآذوكم)، وفي المقابل، أثنى الله على ثبات المؤمنين ويقينهم: ﴿وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُوا۟ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّاۤ إِیمَٰنࣰا وَتَسۡلِیمࣰا﴾ [الأحزاب: ٢٢]، وأشاد بمن استشهد منهم: ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ رِجَالࣱ صَدَقُوا۟ مَا عَٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَیۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن یَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبۡدِیلࣰا﴾ [الأحزاب: ٢٣] (والنحب كما بين ابن هشام يعني: النفس والموت، أو النذر الذي أوفى به).

ثم ختمت الآيات ببيان مصير بني قريظة ونزولهم من حصونهم المنيعة: ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِینَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَیَاصِیهِمۡ﴾ [الأحزاب: ٢٦] (والصياصي: الحصون والآطام)، ﴿وَقَذَفَ فِی قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِیقࣰا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِیقࣰا * وَأَوۡرَثَكُمۡ أَرۡضَهُمۡ وَدِیَٰرَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُمۡ وَأَرۡضࣰا لَّمۡ تَطَءُوهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣰا﴾ [الأحزاب: ٢٦-٢٧]، والأرض التي لم يطؤوها بعد هي خيبر، [سيرة ابن هشام ٢/ ٢٤٥- ٢٥٠].

  • وَفَاةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَاهْتِزَازُ الْعَرْشِ لَهُ:

ولما انقضى شأن بني قريظة تمامًا، انفجر بـ سعد بن معاذ جرحه، فمات منه شَهِيدًا، ويروي ابن إسحاق أن جبريل -عليه السلام- أتى رسول الله ﷺ في جوف الليل، مُعْتَجِرًا بعمامة من إستبرق، فقال: "يَا مُحَمَّدُ، مَنْ هَذَا الْمَيِّتُ الَّذِي فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَاهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ؟" فقام رسول الله ﷺ سَرِيعًا يجر ثوبه إلى سعد، فوجده قد مات، وكان سعد رَجُلًا بَادِنًا (ضخم الجسد)، فلما حمله الناس وجدوا لِجنازته خفة عجيبة، فقال رجال من المنافقين: "وَاَللَّهِ إنْ كَانَ لَبَادِنًا، وَمَا حَمَلْنَا مِنْ جِنَازَةٍ أَخَفَّ مِنْهُ!"، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال: «إنَّ لَهُ حَمَلَةً غَيْرَكُمْ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ اسْتَبْشَرَتْ الْمَلَائِكَةُ بِرُوحِ سَعْدٍ، وَاهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ»، ولما دُفن سعد والمسلمون مع رسول الله ﷺ، سبح النبي فسبح الناس معه، ثم كبر فكبر الناس معه، فسألوه: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِمَّ سَبَّحْتَ؟" قال: «لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ، حَتَّى فَرَّجَهُ اللَّهُ عَنْهُ»، ويفسر ابن هشام ذلك بحديث عائشة المرفوع: «إنَّ لِلْقَبْرِ لَضَمَّةً لَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْهَا نَاجِيًا لَكَانَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ» [سيرة ابن هشام - ت السقا ورفاقه ٢/ ٢٥١، سير أعلام النبلاء ١/ ٥١٨].

وقد رثته أمه، كبيشة بنت رافع، حين احتُمل نعشه قائلة:

وَيْلُ أُمِّ سَعْدٍ سَعْدًا * * * صَرَامَةً وَحَدًّا

وَسُودُدًا وَمَجْدًا * * * وفَارِسًا مُعَدًّا

سُدَّ بِهِ مَسَدًّا * * * يَقُدُّ هَامًا قَدًّا

فلما سمعها رسول الله ﷺ أقرها قائلًا: «كُلُّ نَائِحَةٍ تَكْذِبُ، إلَّا نَائِحَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ»، ولقيت عائشة أسيد بن حضير وهو حزين على زوجته التي ماتت للتو، فقالت تواسيه وتهون عليه مصيبته: "يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا يَحْيَى، أَتَحْزَنُ عَلَى امْرَأَةٍ وَقَدْ أُصِبْتَ بِابْنِ عَمِّكَ، وَقَدْ اهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ!" [سيرة ابن هشام ٢/ ٢٥٢، مسند البزار (١٠٩٢)].

  • شُهَدَاءُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ:

واستشهد في هذه الغزوة من المسلمين:

  1. خلاد بن سويد بن ثعلبة (من بني الحارث بن الخزرج): وهو الذي طرحت عليه المرأة اليهودية رحى فشدخته شَدْخًا شَدِيدًا، وأخبر رسول الله ﷺ بمقامه قائلًا: «إنَّ لَهُ لَأَجْرَ شَهِيدَيْنِ».
  2. أبو سنان بن محصن (أخو بني أسد بن خزيمة): مات ورسول الله ﷺ محاصر لـ بني قريظة، فدُفن في مقبرة بني قريظة، وهي المقبرة التي صار المسلمون يدفنون فيها أمواتهم بعد ذلك في الإسلام [سيرة ابن هشام ٢/ ٢٥٣].

الدروس المستفادة

وفي الختام، بعد استعراض تفاصيل غزوة بني قريظة، يتضح لنا جَلِيًّا أن هذه الغزوة لم تكن مُجَرَّدَ حدث عسكري، بل كانت مَدْرَسَةً نَبَوِيَّةً رَبَّانِيَّةً حَفَلَتْ بالدروس والعبر التي تنير طريق الدعوة وتثري البحث العلمي، ومن أبرز هذه الدروس:

  • شُؤْمُ الْغَدْرِ وَنَقْضِ الْعُهُودِ: لقد بينت العاقبة الوخيمة لـ بني قريظة أن الخيانة في أوقات الأزمات تستوجب حَزْمًا وَرَدْعًا قَاطِعًا، حمايةً لبيضة الإسلام وأمن المجتمع، وأن التهاون مع الخونة هو تفريط في حق الأمة.
  • سُرْعَةُ الِاسْتِجَابَةِ وَطَاعَةُ الْقِيَادَةِ: ظهر ذلك بِوُضُوحٍ في مبادرة الصحابة الكرام لتلبية نداء رسول الله ﷺ بالخروج فَوْرًا بِدُونِ تراخٍ، واختلافهم المحمود في فهم قوله: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إلَّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ»، مما يرسخ سعة الشريعة واحترام الاجتهاد المخلص المنضبط.
  • قَبُولُ التَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ: تجسد في موقف أبي لبابة رضي الله عنه، وكيف أن الاعتراف بالذنب واللجوء الصادق إلى الله يفتح أبواب الرحمة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُوا۟ عَمَلࣰا صَٰلِحࣰا وَءَاخَرَ سَیِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن یَتُوبَ عَلَیۡهِمۡۚ﴾ [التوبة: ١٠٢].
  • عَدَالَةُ السَّمَاءِ وَثَبَاتُ الْمُؤْمِنِينَ: تَجَلَّى في حكم سَيِّدِ الأوس سعد بن معاذ رضي الله عنه، الذي لم تأخذه في الله لومة لائم، فكان حكمه موافقًا لحكم الله من فوق سبعة أرقِعَة، وما أعقبه من كرامات واهتزاز العرش لوفاته، مِمَّا يؤكد فضل الشهادة والصدق مع الله.
  • الْوَفَاءُ طَوْقُ نَجَاةٍ: كما رأينا في قصة عمرو بن سعدى الذي رفض الغدر وقرر الوفاء بعهده، فنجاه الله بصدقه، ليظل الوفاء بِذَاتِهِ قِيمَةً إسلامية وإنسانية عليا ينجي الله بها أصحابها.

إن دراسة هذه الأحداث واستلهام فقهها يظل زَادًا مُهِمًّا لكل باحث وداعية، لربط السيرة النبوية بواقع الأمة، واستخلاص سنن الله في نصرة أوليائه ودحر أعدائه.

الخلاصة

انتهت أحداث الغزوة بتطهير المدينة المنورة من خيانة بني قريظة عقب غدرهم في غزوة الخندق، وقد توجت هذه المرحلة بحكم سعد بن معاذ الذي وافق حكم الله، ونزول آيات القرآن الكريم لتخلد ذكرى نصر المؤمنين ووفاة سيد الأوس الذي اهتز لموته عرش الرحمن، لتبقى دروسها نبراسًا للأمة.

موضوعات ذات صلة

تمثل غزوة بني قريظة فصلًا حاسمًا في تأمين الجبهة الداخلية للدولة الإسلامية

تجلت العبقرية النبوية في بناء كيان الدولة، فكانت هذه السرايا صونًا للمقاصد، وحمايةً للمستضعفين، وإرساءً لهيبة الإسلام

تُعد غزوة الخندق (الأحزاب) التي وقعت في شوال من العام الخامس للهجرة، حَدَثًا هامًّا في تاريخ السيرة النبوية المطهرة

غزوة الخندق من أبرز المحطات في التاريخ الإسلامي

صلحُ الحديبيَة هو اتفاقٌ جرى بين النبيّ محمد -صلى الله عليه وسلم- وقريش في السنة السادسة للهجرة