وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
في أواخر ذي القعدة من العام الخامس للهجرة حدثت غزوة بني قريظة، بعد غزوة الأحزاب مباشرة؛ فعن عائشة - رضي الله عنها -: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ الْغُبَارُ، فَقَالَ: وَضَعْتَ السِّلَاحَ فَوَاللهِ مَا وَضَعْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: فَأَيْنَ؟ قَالَ: هَا هُنَا، وَأَوْمَأَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم» [البخاري (٢٨١٣)]، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلِيّا عليه السلام فَدَفَعَ إلَيْهِ لِوَاءً، وَكَانَ اللّوَاءُ عَلَى حَالِهِ لَمْ يُحَلّ مِنْ مَرْجِعِهِ مِنْ الْخَنْدَقِ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِلَالًا فَأَذّنَ فِي النّاسِ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُكُمْ أَلّا تُصَلّوا الْعَصْرَ إلّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ، ولبس رسول الله صلى الله عليه وسلم السّلَاحَ وَالْمِغْفَرَ وَالدّرْعَ وَالْبَيْضَةَ، وَأَخَذَ قَنَاةً بِيَدِهِ، وَتَقَلّدَ التّرْسَ وَرَكِبَ فَرَسَهُ، وَحَفّ بِهِ أَصْحَابُهُ وَتَلَبّسُوا السّلَاحَ وَرَكِبُوا الْخَيْلَ، وَكَانَتْ سِتّةً وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ قَادَ فَرَسَيْنِ وَرَكِبَ وَاحِدًا، يُقَالُ لَهُ اللّحَيْفُ، فَكَانَتْ ثَلَاثَةُ أَفْرَاسٍ مَعَهُ. [الواقدي، المغازي (٢/٤٩٧)].
وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ [السرة النبوية لابن هشام (٢/٢٣٤)].
سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل على بئرٍ لبني قريظة في ناحية أموالهم، وتلاحق به الناس، وأتى رجال بعد عشاء [الآخرة] ولم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب. [ابن حبان، السيرة النبوية (١/٢٦٣)].
وأمرّ صلى الله عليه وسلم أصحابه: (ألا لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة)، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْأَحْزَابِ: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ» [البخاري (٩٤٦)].
وعن محمّد ابن مَسْلَمَةَ: حَصَرْنَاهُمْ أَشَدّ الْحِصَارِ، فَلَقَدْ رَأَيْتنَا يَوْمَ غَدَوْنَا عَلَيْهِمْ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَجَعَلْنَا نَدْنُو مِنْ الْحِصْنِ وَنَرْمِيهِمْ مِنْ كَثَبٍ، وَلَزِمْنَا حُصُونَهُمْ فَلَمْ نُفَارِقْهَا حَتّى أَمْسَيْنَا، وَحَضّنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْجِهَادِ وَالصّبْرِ.
ثُمّ بِتْنَا عَلَى حُصُونِهِمْ، مَا رَجَعْنَا إلَى مُعَسْكَرِنَا حَتّى تَرَكُوا قِتَالَنَا وَأَمْسَكُوا عَنْهُ وَقَالُوا: نُكَلّمُك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نَعَمْ. [مغازي الواقدي (٢/٥٠١)].
والسبب الرئيس لغزوة بني قريظة تنفيذُ الأمر الإلهي عن طريق جبريل عليه السلام، وغدرُ بني قريظة بالمسلمين في معركة الخندق رغم العهود والمواثيق التي كانت بين المسلمين وبني قريظة، وهجومهم على نساء المسلمين أثناء انشغال المسلمين بحماية المدينة حول الخندق ومحاولتهم فتح ثغرة لتمُرَّ الأحزاب إلى داخل المدينة والقضاء التام على المسلمين.
هذا التوجيه الإلهي يعكس درسًا أكاديميًا في "المبادرة الاستراتيجية"، حيث لا يكتمل النصر الخارجي إلا بتأمين الجبهة الداخلية من هؤلاء الخونة، وقد تجلى الحزم في قوله ﷺ لأصحابه: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، وهو أمرٌ استنهض الهمم وجعل المسلمين يتحركون فورًا نحو حصونهم، مما يثبت أن الانضباط العسكري هو الركيزة الأولى لحماية مكتسبات الدولة.
إن بني قريظة لم يكونوا مجرد "عدو"، بل كانوا "شركاء" في وثيقة المدينة التي تلزمهم بالدفاع عنها، فعن ابن إسحق: "وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار، ووداع فِيهِ يَهُودَ وَعَاهَدَهُمْ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَشَرَطَ لَهُمْ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ" [ابن سيد الناس، عيون الأثر (١/٢٢٧)]، إلا أن استجابتهم لتحريض حُيي بن أخطب ونقضهم العهد في أحلك ظروف المسلمين جعل منهم طرفًا محاربًا من الداخل، وقد كان حُيي بن أخطب قد دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد [ابن حبان السيرة النبوية (١/٢٦٣)]، إن هذا الجانب يكرس مفهمًا قانونيًا مفاده أن "العهد عقدٌ ملزم، ونقضه في وقت الحرب يعد خيانة عظمى"؛ لذا فإن الحصار الذي فرضه النبي ﷺ لمدة خمس وعشرين ليلة لم يكن رغبة في القتال، بل كان إجراءً قانونيًا لاستعادة سيادة الدولة وتطبيق بنود الميثاق الذي انتهكوه بمحاولتهم الانقضاض على نساء المسلمين وذراريهم أثناء انشغال الجيش بالخندق.
فَأَنْزَلُوا نَبّاشَ بْنَ قَيْسٍ، فَكَلّمَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَاعَةً وَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، نَنْزِلُ عَلَى مَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَنُو النّضِيرِ، لَك الْأَمْوَالُ وَالْحَلْقَةُ وَتَحْقِنُ دِمَاءَنَا، وَنَخْرُجُ مِنْ بِلَادِكُمْ بِالنّسَاءِ وَالذّرَارِيّ، وَلَنَا مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ إلّا الْحَلْقَةَ، فَأَبَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: فَتَحْقِنُ دِمَاءَنَا وَتُسَلّمُ لَنَا النّسَاءَ وَالذّرّيّةَ، وَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيمَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا، إلّا أَنْ تَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِي. [مغازي الواقدي (٢/٥٠١)].
نَصِيحَةُ كَعْبِ بْنِ أَسَدٍ لِقَوْمِهِ: فَلَمّا أَيْقَنُوا بِأَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عَنْهُمْ حَتّى يُنَاجِزَهُمْ، قَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنْ الْأَمْرِ مَا تَرَوْنَ، وَإِنّي عَارِضٌ عَلَيْكُمْ خِلَالًا ثَلَاثًا، فَخُذُوا أَيّهَا شِئْتُمْ؟ [ابن هشام السيرة النبوية (٢/٢٣٥)]، فلما تيقنوا أن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم بعثوا إلى رسول الله ﷺ [إن] ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف لنستشيره، فأرسله رسول الله ﷺ إليهم [ابن حبان السيرة النبوية (١/٢٦٤)].
عندما اشتد الحصار على بني قريظة، نزلوا على حكم رسول الله ﷺ، لكن النبي ﷺ، في خطوة تعكس أسمى مراتب العدالة، وافق على طلبهم فأرسل أبو لبابة َفقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا لُبَابَةَ أَتَرَى أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمّدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى حَلْقِهِ إنّهُ الذّبْحُ، قَالَ أَبُو لُبَابَةَ فَوَاَللهِ مَا زَالَتْ قَدَمَايَ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتّى عَرَفْت أَنّي قَدْ خُنْت اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ثُمّ انْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتّى ارْتَبَطَ فِي الْمَسْجِدِ إلَى عَمُودٍ مِنْ عُمُدِهِ وَقَالَ لَا أَبْرَحُ مِنْ عُمُدِهِ وَقَالَ لَا أَبْرَحُ مَكَانِي هَذَا حَتّى يَتُوبَ اللهُ عَلَيّ مِمّا صَنَعْت، وَعَاهَدَ اللهَ أَنْ لَا أَطَأَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَبَدًا، وَلَا أُرَى فِي بَلَدٍ خُنْت اللهَ وَرَسُولَهُ فِيهِ أبدًا [السهيلي الروض الأنف (٦/٢٢٧)].
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَبِي لُبَابَةَ، فِيمَا قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤا۟ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧].
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَبَرُهُ، وَكَانَ قَدْ اَسْتَبْطَأَهُ، قَالَ: أَمَا إنَّهُ لَوْ جَاءَنِي لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، فَأَمَّا إذْ قَدْ فَعَلَ مَا فَعَلَ، فَمَا أَنَا بِاَلَّذِي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ: أَنَّ تَوْبَةَ أَبَى لُبَابَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ السَّحَرِ، وَهُوَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ.
فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ السَّحَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ، قَالَ: تِيبَ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: أَفَلَا أُبَشِّرُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى، إنْ شِئْتِ، قَالَ: فَقَامَتْ عَلَى بَابِ حُجْرَتِهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِنَّ الْحِجَابُ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا لُبَابَةَ، أَبْشِرْ فَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ، قَالَتْ: فَثَارَ النَّاسُ إلَيْهِ لِيُطْلِقُوهُ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الَّذِي يُطْلِقُنِي بِيَدِهِ، فَلَمَّا مَرَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَارِجًا إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ أَطْلَقَهُ. [ابن هشام السيرة النبوية (٢/٢٣٧)].
ثم إن ثعلبة بن سعية وأسد بن سعية، وأسد بن عبيد أسلموا فمنعوا ديارهم وأموالهم. فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله ﷺ فقال الأوس: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ مَوَالِينَا دُونَ الْخَزْرَجِ، فقال رسول الله ﷺ: أَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ! قالوا: بلى يا رسول الله! قال رسول الله ﷺ: «فَذَاكَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» [ابن حبان السيرة النبوية (١/٢٦٥)].
كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ قَالَ لِقَوْمِهِ حِينَ أَصَابَهُ السّهْمُ بِالْخَنْدَقِ "اجْعَلُوهُ فِي خَيْمَةِ رُفَيْدَةَ حَتّى أَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ". فَلَمّا حَكّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ أَتَاهُ قَوْمُهُ فَحَمَلُوهُ عَلَى حِمَارٍ قَدْ وَطّئُوا لَهُ بِوِسَادَةِ مِنْ أَدَمٍ، وَكَانَ رَجُلًا جَسِيمًا جَمِيلًا، ثُمّ أَقْبَلُوا مَعَهُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُمْ يَقُولُونَ يَا أَبَا عَمْرٍو، أَحْسِنْ فِي مَوَالِيك، فَإِنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إنّمَا وَلّاك ذَلِكَ لِتُحْسِنَ فِيهِمْ فَلَمّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ لَقَدْ آنَ لِسَعْدِ أَنْ لَا تَأْخُذَهُ فِي اللهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَرَجَعَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ إلَى دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَنَعَى لَهُمْ رِجَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ سَعْدٌ عَنْ كَلِمَتِهِ الّتِي سَمِعَ مِنْهُ، فَلَمّا انْتَهَى سَعْدٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "قُومُوا إلَى سَيّدِكُمْ" - فَأَمّا الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَيَقُولُونَ إنّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْأَنْصَارَ، وَأَمّا الْأَنْصَارُ، فَيَقُولُونَ قَدْ عَمّ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَامُوا إلَيْهِ فَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرٍو، إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ وَلّاك أَمْرَ مَوَالِيك لِتَحْكُمَ فِيهِمْ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ، أَنّ الْحُكْمَ فِيهِمْ لَمَا حَكَمْت؟ قَالُوا: نَعَمْ وَعَلَى مَنْ هَاهُنَا، فِي النّاحِيَةِ الّتِي فِيهَا رَسُولُ اللهِ وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إجْلَالًا لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَعَمْ قَالَ سَعْدٌ فَإِنّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الرّجَالُ وَتُقْسَمَ الْأَمْوَالُ وَتُسْبَى الذَّرَارِي وَالنِّسَاء. [السهيلي الروض الأنف (٦/٢٣٢)].
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَقَدْ حَكَمْت بِحُكْمِ اللهِ عز وجل مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي اللّيْلَةِ الّتِي فِي صُبْحِهَا نَزَلَتْ قُرَيْظَةُ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَدْ دَعَا فَقَالَ: اللهُمّ، إنْ كُنْت أَبْقَيْت مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا فَأَبْقِنِي لَهَا، فَإِنّهُ لَا قَوْمَ أَحَبّ إلَيّ أَنْ أُقَاتِلَ مِنْ قَوْمٍ كَذّبُوا رَسُولَ اللهِ، وَآذَوْهُ وَأَخْرَجُوهُ! وَإِنْ كَانَتْ الْحَرْبُ قَدْ وَضَعَتْ أَوْزَارَهَا عَنّا وَعَنْهُمْ فَاجْعَلْهُ لِي شَهَادَةً، وَلَا تُمِتْنِي حَتّى تُقِرّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ! فَأَقَرّ اللهُ عَيْنَهُ مِنْهُمْ. [مغازي الواقدي (٢/٥١٢)].
فحبسهم رسول الله ﷺ في دار «في دار ابنة الحارث امرأة من بني النجار»، ثم قدم رسول الله ﷺ المدينة، فلما قدمها خرج إلى سوق المدينة فحفر حفرا ثم بعث إليهم وأمر بضرب أعناقهم وهم ما بين ستمائة إلى تسعمائة، فلم يزل ذلك دأبهم حتى فرغ منهم، فيهم حي بن أخطب وكعب بن أسد.
ثم مات سعد بن معاذ، فأمر رسول الله ﷺ بغسله، فغسله أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة بن وقش، ثم وضع في أكفانه على سريره، فقال رسول الله ﷺ: «اهتز العرش لموت سعد بن معاذ»! وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام جنازة سعد حتى صلى عليه، ونزل في حفرته أربعة نفر: الحارث بن أوس وأسيد بن حضير، وسلمة بن سلامة بن وقش، وأبو نائلة مالك بن سلامة. [ابن حبان السيرة النبوية (١/٢٦٦)].
هذا التوثيق يؤكد أن العقوبة لم تكن عشوائية، بل كانت حكمًا قضائيًا نابعًا من مرجعية توافق عليها الأطراف، وأقرها الوحي كجزاء عادل لجرم "الغدر الاستراتيجي" الذي كاد ينهي وجود المجتمع المدني بكامله.
رغم صرامة الحكم العام، إلا أن السيرة النبوية توثق حالات فردية تؤصل لمبدأ "شخصية العقوبة"؛ حيث يروي ابن هشام قصة عمرو بن سعدى القُرظي الذي رفض الغدر بالمسلمين ووفى بعهده، وَخَرَجَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَمْرُو بْنُ سُعْدَى الْقَرَظِيُ، فَمَرَّ بِحَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا عَمْرُو بْنُ سُعْدَى- وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي غَدْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: لَا أَغْدِرُ بِمُحَمَّدِ أَبَدًا- فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمَةَ حِينَ عَرَفَهُ: اللَّهمّ لَا تَحْرِمْنِي إقَالَةَ عَثَرَاتِ الْكِرَامِ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ، فَخَرَجَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أَتَى بَابَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، ثُمَّ ذَهَبَ فَلَمْ يُدْرَ أَيْنَ تَوَجَّهَ مِنْ الْأَرْضِ إلَى يَوْمِهِ هَذَا، فَذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَأْنُهُ، فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ نَجَّاهُ اللَّهُ بِوَفَائِهِ. [السيرة النبوية لابن هشام (٢/٢٣٩)].
قَتَلَ مِنْ نِسَائِهِمْ امْرَأَةً وَاحِدَةً:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمْ يُقْتَلْ مِنْ نِسَائِهِمْ إلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، قَالَتْ: وَاَللَّهِ إِنَّهَا لعندي تحدّث مَعِي، وَتَضْحَكُ ظَهْرًا وَبَطْنًا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْتُلُ رِجَالَهَا فِي السُّوقِ، إذْ هَتَفَ هَاتِفٌ بِاسْمِهَا: أَيْنَ فُلَانَةُ؟ قَالَتْ: أَنَا وَاَللَّهِ قَالَتْ: قُلْتُ لَهَا: وَيلك، مَالك؟ قَالَتْ: أُقْتَلُ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: لِحَدَثِ أَحْدَثْتُهُ، قَالَتْ: فَانْطَلَقَ بِهَا، فَضُرِبَتْ عُنُقُهَا، فَكَانَتْ عَائِشَة تَقول: فو الله مَا أَنْسَى عَجَبًا مِنْهَا، طِيبَ نَفْسِهَا، وَكَثْرَةَ ضَحِكِهَا، وَقَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا تُقْتَلُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهِيَ الَّتِي طَرَحَتْ الرَّحَا عَلَى خَلَّادِ بْنِ سُوَيْدٍ، فَقَتَلَتْهُ. [السيرة النبوية لابن هشام (٢/٢٤٢)].
وكانت تسمى نُباتةُ قَالَتْ: قَتَلَنِي زَوْجِي- وَكَانَتْ جَارِيَةً حُلْوَةَ الْكَلَامِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَيْفَ قَتَلَك زَوْجُك؟ قَالَتْ: كُنْت فِي حِصْنِ الزّبِيرِ بْنِ بَاطَا، فَأَمَرَنِي فَدَلّيْت رَحًى عَلَى أَصْحَابِ مُحَمّدٍ فَشَدَخَتْ رَأْسَ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَمَاتَ وَأَنَا أُقْتَلُ بِهِ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِهَا فَقُتِلَتْ بِخَلّادِ بْنِ سُوَيْدٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ: لَا أَنْسَى طَيّبَ نَفْسِ نُبَاتَةَ وَكَثْرَةَ ضَحِكِهَا، وَقَدْ عَرَفَتْ أَنّهَا تُقْتَلُ. [مغازي الواقدي (٢/٥١٧)].
إن الغرض من الغزوة لم يكن استئصالًا عرقيًا أو دينيًا، بل كان "جراحة سياسية" لاستئصال الفئة الباغية الخائنة مع الحفاظ على دماء الأوفياء، مما يجعل من غزوة بني قريظة مرجعًا في الموازنة بين الحزم العسكري والعدالة الأخلاقية.
لم تكن غزوة بني قريظة مجرد فعل عسكري، بل كانت تجسيدًا لقيم العدالة والمواطنة المسؤولة؛ حيث فُرّق فيها بين الخائن المعتدي والوافي المسالم، لتبقى درسًا خالدًا في موازنة الحزم العسكري بالرحمة الأخلاقية وبناء الأوطان على أسس الثبات والوفاء.
قامت الدولة الإسلامية في المدينة المنورة على أساس التآخي بين المهاجرين والأنصار.
من القبائل العربية التي عرفت بحضارتها واهتمامها بالزراعة والحرف اليدوية.
وقعت في ١٧ رمضان من السنة الثانية للهجرة.
وقعت في ١٥ شوال من السنة الثالثة للهجرة.
من أبرز المحطات في التاريخ الإسلامي؛ حيث تجلت فيها عبقرية التخطيط النبوي.