المطلب
الأول: بيعة الرضوان وتخلف المنافقين
لما
طال احتباس عثمان بن عفان بمكة، شاع بين المسلمين أنه قد قُتل، فلما بلغ ذلك رسول
الله ﷺ قال: «لَا نَبْرَحُ حَتَّى نُنَاجِزَ
الْقَوْمَ»، أي: نقاتلهم، ودعا الناس إلى البيعة تحت الشجرة، فبايعوه.
وقد
اختلف في صفة البيعة؛ فقيل: بايعهم على الموت، وكان جابر بن عبد الله، يقول: "إنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُبَايِعْنَا عَلَى الْمَوْتِ، وَلَكِنْ بَايَعَنَا عَلَى
أَنْ لَا نَفِرَّ"، وقد بايع المسلمون جميعًا، وكان أول من بايع بيعة الرضوان
أبو سنان الأسدي، وضرب النبي ﷺ بإحدى يديه على الأخرى مبايعًا نيابة عن عثمان، ولم
يتخلف عن هذه البيعة إلا الجد بن قيس، أخو بني سلمة، يصفه جابر بن عبد الله
قائلًا: "وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِ لَاصِقًا بِإِبْطِ
نَاقَتِهِ، قَدْ ضَبَأَ إلَيْهَا، يَسْتَتِرُ بِهَا مِنْ النَّاسِ"،
و(ضَبَأَ) أي: لصق بها واستتر جُبْنًا ونفاقًا. ثم جاءت الأخبار لاحقًا بأن ما
ذُكر من مقتل عثمان باطل. [سيرة ابن هشام (٢/ ٣١٥)]
المطلب
الثاني: مجيء سهيل بن عمرو وموقف الصحابة من شروط الصلح
بعد
أن علمت قريش ببيعة المسلمين، أرسلوا سهيل
بن عمرو، وقالوا له: "ائْتِ مُحَمَّدًا فَصَالِحْهُ، وَلَا يَكُنْ فِي
صُلْحِهِ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ عَنَّا عَامَهُ هَذَا، فَوَاللَّهِ لَا تُحَدِّثُ
الْعَرَبُ عَنَّا أَنَّهُ دَخَلَهَا عَلَيْنَا عَنْوَةً أَبَدًا"، فلما
رآه رسول الله ﷺ مقبلًا تفاءل باسمه، وقال: «لَقَدْ سَهُلَ
لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ» [صحيح البخاري (٢٧٣١)]، وقال أيضًا: «قَدْ أَرَادَ الْقَوْمُ الصُّلْحَ حِينَ بَعَثُوا هَذَا
الرَّجُلَ». [سيرة ابن هشام (٢/ ٣١٦)]
تكلم
سهيل فأطال، وتراجع مع النبي ﷺ حتى تم الاتفاق، فلما التأم الأمر، ولم يبق إلا
كتابة الصحيفة، شق ذلك على المسلمين، وأتى عمر بن الخطاب رَسُولَ اللهِ ﷺ قال:
«بَلَى»، قال عمر: " يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ
عَلَى بَاطِلٍ؟"، قال: «بَلَى»،
قال: "أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟"،
قال: «بَلَى»، قال عمر: "فَفِيمَ
نُعْطِي الدَّنِيَّةَ (أي النقص والمذلة) فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ،
وَلَمَّا يَحْكُمِ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟"، فقال: «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي
اللهُ أَبَدًا»، فَانْطَلَقَ عُمَرُ فَلَمْ يَصْبِرْ مُتَغَيِّظًا (أي:
ممتلئًا غضبًا وغيرةً على الإسلام)، فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: "يَا
أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟" قَالَ: "بَلَى".
قَالَ: "أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي
النَّارِ؟" قَالَ: "بَلَى". قَالَ: "فَعَلَامَ
نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ، وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ
بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُثَبِّتًا لَهُ: "يَا
ابْنَ الْخَطَّابِ، إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ
أَبَدًا".
فَنَزَلَ
الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْفَتْحِ [وهي أوائل
سورة الفتح]، فَأَرْسَلَ إلَى عُمَرَ فَأَقْرَأَهُ إيَّاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: "يَا
رَسُولَ اللَّهِ، أَوَفَتْحٌ هُوَ؟" قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «نَعَمْ»، فَطَابَتْ نَفْسُهُ وَرَجَعَ.
لم
يهدأ عمر، فأتى النبي ﷺ وسأله ذات الأسئلة، فأجابه النبي ﷺ بيقين الواثق بربه: «أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، لَنْ أُخَالِفَ أَمْرَهُ،
وَلَنْ يُضَيِّعَنِي!»، وقد ندم عمر لاحقًا على مراجعته، وكان يقول: "مَا
زِلْتُ أَتَصَدَّقُ وَأَصُومُ وَأُصَلِّي وَأُعْتِقُ، مِنْ الَّذِي صَنَعْتُ
يَوْمَئِذٍ! مَخَافَةَ كَلَامِي الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ، حَتَّى رَجَوْتُ أَنْ
يَكُونَ خَيْرًا". [متفق عليه]
المطلب
الثالث: كتابة الوثيقة وتفاصيل المعاهدة
دعا
رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ليكتب الصحيفة، فأملى عليه: «اُكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»،
فاعترض سهيل قائلًا: "لَا أَعْرِفُ هَذَا، وَلَكِنْ اُكْتُبْ: بِاسْمِكَ
اللَّهُمَّ"، فوافق النبي ﷺ. ثم أملى: «هَذَا
مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو»،
فاعترض سهيل مجددًا: "لَوْ
عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ لَاتَّبَعْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبِ اسْمَكَ
وَاسْمَ أَبِيكَ"، فأمر النبي ﷺ عليًّا رضي الله عنه أن يكتب:
«مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ». [صحيح
مسلم (١٧٨٤)]
واتفقا
على الشروط الآتية:
١. وضع الحرب عن
الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس.
٢. مَن أتى محمدًا
من قريش بغير إذن وليه (مسلمًا)
رَدَّهُ عليهم، ومن جاء قريشًا ممن مع
محمد (مرتدًّا) لم يردوه عليه.
٣. أن بين الفريقين
(عَيْبَةً مَكْفُوفَةً) أي: صدورًا منطوية على العهد لا تبدي عداوة، وأنه لا
(إسْلَالَ) أي: سرقة خفية، ولا (إغْلَالَ) أي: خيانة.
٤. من أحب أن يدخل
في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت قبيلة خزاعة قائلين: "نَحْنُ
فِي عَقْدِ مُحَمَّدٍ وَعَهْدِهِ"، وتواثبت بنو بكر قائلين: "نَحْنُ
فِي عَقْدِ قريش وَعَهْدِهِمْ".
٥.
أن يرجع النبي ﷺ
وأصحابه هذا العام، فإذا كان العام القابل دخلوا مكة بثياب السلاح (السيوف في
القرب)، فأقاموا بها ثلاثة أيام. [سيرة ابن هشام (٢/ ٣١٧)، مسند أحمد (١٨٩١٠)]
المطلب
الرابع: محنة أبي جندل والتحلل من العمرة
وبينما
هما يكتبان الكتاب، جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يَرْسُفُ (أي: يمشي
مقيدًا) في الحديد، وقد هرب من مكة مسلمًا، فلما رآه أبوه سهيل قام إليه، فضرب
وجهه، وأخذ بِتَلْبِيبِهِ (أي: مجمع ثوبه عند عنقه)، وقال: "يَا
مُحَمَّدُ، قَدْ لَجَّتْ الْقَضِيَّةُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ
هَذَا" (لجت، أي: تمت وجبت)، فوافقه النبي ﷺ.
جعل
سهيل يَنْتُرُ أبا جندل (يجذبه جذبًا شديدًا) ليرده، وأبو جندل يصرخ مستغيثًا: "يَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، أَتَرُدُّونَنِي إِلَى
أَهْلِ الشِّرْكِ، فَيَفْتِنُونِي فِي دِينِي"، فزاد ذلك من
حزن المسلمين، لكن النبي ﷺ التزم بالعهد وقال: «يَا
أَبَا جَنْدَلٍ، اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ
مَعَكَ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إنَّا قَدْ عَقَدْنَا
بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ صُلْحًا، وَأَعْطَيْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ،
وَأَعْطَوْنَا عَهْدَ اللَّهِ، وَإنَّا لَا نَغْدِرُ بِهِمْ»، ومشى عمر
بن الخطاب بجانبه يقول له: "اصْبِرْ أَبَا جَنْدَلٍ"، ويُدْنِي
منه قائم السيف راجيًا أن يأخذه فيقتل أباه، لكن أبا جندل ضَنَّ (بخل وأشفق) بأبيه،
ونفذت القضية. [مسند أحمد (١٨٩١٠)]
أُشهد
على الصلح رجال من المسلمين والمشركين، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن
بن عوف، وعلي بن أبي طالب (الكاتب)، ومكرز بن حفص (من المشركين).
وَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
مِنَ الْكِتَابِ، وَهُوَ (مُضْطَرِبٌ فِي الْحِلِّ) أَيْ: أَبْنِيَتُهُ
مَضْرُوبَةٌ فِي الْحِلِّ وَصَلَاتُهُ فِي الْحَرَمِ لِقُرْبِ الْمَكَانِ، قَامَ
فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، انْحَرُوا
وَاحْلِقُوا»، قَالَ: فَمَا قَامَ أَحَدٌ، ثُمَّ عَادَ بِمِثْلِهَا
فَمَا قَامَ رَجُلٌ، ثُمَّ عَادَ بِمِثْلِهَا فَمَا قَامَ رَجُلٌ (لِعِظَمِ مَا
أَصَابَهُمْ مِنَ الصَّدَّةِ عَنِ الْبَيْتِ).
فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَدَخَلَ
عَلَى زَوْجِهِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: «يَا أُمَّ
سَلَمَةَ، مَا شَأْنُ النَّاسِ؟», قَالَتْ
بِمَشُورَةٍ صَائِبَةٍ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ دَخَلَهُمْ مَا قَدْ رَأَيْتَ
(أَيْ: أَصَابَهُمْ مِنَ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ لِرُجُوعِهِمْ وَقَبُولِ الشُّرُوطِ
مَا جَعَلَهُمْ يَتَبَاطَؤُونَ)، فَلَا تُكَلِّمَنَّ مِنْهُمْ إِنْسَانًا،
وَاعْمِدْ إلَى هَدْيِكَ حَيْثُ كَانَ فَانْحَرْهُ وَاحْلِقْ، فَلَوْ قَدْ
فَعَلْتَ ذَلِكَ فَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ".
فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا
يُكَلِّمُ أَحَدًا؛ حَتَّى أَتَى هَدْيَهُ، فَنَحَرَهُ، وَكَانَ قَدْ جَعَلَ فِي
هَدَايَاهُ جَمَلًا لِأَبِي جَهْلٍ، فِي رَأْسِهِ (بُرَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ), وَهِيَ
حَلْقَةٌ تُجْعَلُ فِي أَنْفِ الْبَعِيرِ، لِيَغِيظَ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ.
ثُمَّ جَلَسَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ عَلَى يَدِ خِرَاشِ بْنِ أُمَيَّةَ الْخُزَاعِيِّ.
فَلَمَّا رَأَى الصَّحَابَةُ ذَلِكَ
تَوَاثَبُوا يَنْحَرُونَ وَيَحْلِقُونَ (مُقْتَدِينَ بِفِعْلِهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ
أَيْقَنُوا بِتَمَامِ الْأَمْرِ). وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا
وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَمَّا سُئِلَ: لِمَ ظَاهَرْتَ
التَّرْحِيمَ (أَيْ: كَرَّرْتَهُ وَأَكَّدْتَهُ) لِلْمُحَلِّقِينَ؟ قَالَ: «لَمْ يَشُكُّوا». [مسند أحمد
(١٨٩١٠)، سيرة ابن هشام (٢/ ٣٢٠)].