Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

صلح الحديبية في ذي القعدة ٦هـ

الكاتب

هيئة التحرير

صلح الحديبية في ذي القعدة 6هـ

يعد صلح الحديبية في شهر ذي القعدة من العام السادس للهجرة محطة فاصلة في تاريخ السيرة النبوية، فرغم شروطه التي بدت في ظاهرها قاسية على المسلمين، إلا أنه كان طياتها فتحًا مبينًا، وحكمة نبوية من رسول الله ﷺ، مهدت لانتشار الدعوة بسلام، وكسرت شوكة قريش، وأسست للفتح الأعظم.

خروج الرَّسُول ﷺ، ومحاولات تجنب الصِّدَام، والنزول بالحديبية

  • المطلب الأول: الاستنفار وعِدة الرجال

خرج النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ذي القعدة من العام السادس للهجرة مُعْتَمِرًا، لا يريد حَرْبًا، وقد استعمل على المدينة نُميلة بن عبد الله الليثي.

ولما عزم على المسير، بدأ النبي ﷺ يستنفر العرب ومَن حوله من أهل البوادي لِيخرجوا معه؛ خشيةَ أن تعرض له قريش بِحَرْبٍ أو يصدوه عن البيت الحرام، فأبطأ عليه كَثِيرٌ من الأعراب، فخرج ﷺ بمن معه من المهاجرين والأنصار ومَن لحق به من العرب، وساق معه الهدي، الذي بلغ سبعين بَدَنَةً، وأحرم بالعمرة لِيأمن الناس من حربه، وليعلموا أنه إنما خرج زَائِرًا لِهذا البيت، ومُعَظِّمًا له.

أما عن عِدة الرجال، فقد تباينت الروايات؛ ففي رواية الزهري عن عروة بن الزبير عن المِسور بن مَخْرمة ومروان بن الحكم أنهم كانوا سبعمائة رَجُلٍ، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر، بينما كان جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول: "كُنَّا أَصْحَابَ الْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ". [سيرة ابن هشام (٢/ ٣٠٨)]

  • المطلب الثاني: لقاء بشر بن سفيان وتغيير مسار الجيش

مضى الركب النبوي حتى إذا بلغ عُسْفَانَ (وهي منهل من مناهل الطريق بين مكة والمدينة)، لقيه بشر بن سفيان الكعبي -ويقال بُسر- فنقل للنبي ﷺ تحركات قريش قائلًا: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ قريش، قَدْ سَمِعْتُ بِمَسِيرِكَ، فَخَرَجُوا مَعَهُمْ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ، قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ، وَقَدْ نَزَلُوا بِذِي طُوًى، يُعَاهِدُونَ اللَّهَ لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَهَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي خَيْلِهِمْ قَدْ قَدَّمُوهَا إلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ".

يقصد بـ (العُوذ المطافيل) الإبل الحديثة النتاج مع أولادها، وهي كناية عن خروجهم بنسائهم وصبيانهم استماتةً في القتال، و(ذو طُوَى) موضع قرب مكة، و(كراع الغميم) وادٍ أمام عسفان.

فتألم النبي ﷺ لحالهم، ورثى لما أصابهم قائلًا: «يَا وَيْحَ قريش! لَقَدْ أَكَلَتْهُمْ الْحَرْبُ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ، فَإِنْ هُمْ أَصَابُونِي كَانَ الَّذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَافِرِينَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوَّةٌ، فَمَا تَظُنُّ قريش، فَوَاللَّهِ لَا أَزَالُ أُجَاهِدُ عَلَى الَّذِي بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السَّالِفَةُ»، و(السالفة) هي صفحة العنق، وهي كناية عن استمراره في دعوته حتى الموت.

ثم طلب النبي ﷺ طريقًا بديلًا؛ لتجنب لقاء خيل قريش، قائلًا: «مَنْ رَجُلٌ يَخْرَجُ بِنَا عَلَى طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِهِمْ الَّتِي هُمْ بِهَا؟». [سيرة ابن هشام (٢/ ٣٠٩)، مسند أحمد (١٨٩١٠)]

  • المطلب الثالث: سلوك الطريق الوعر ومعجزة الماء

انتدب رَجُلٌ من قبيلة أسلم ؛ لِدلالة الجيش، فسلك بهم طَرِيقًا وَعْرًا أَجْرَلَ (أي كثير الحجارة لا نبات فيه) بين شِعاب، ولما خرجوا منه بمشقة بالغة، أفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، فأمرهم النبي ﷺ بالاستغفار، فلما استغفروا وتابوا، قال: «وَاللَّهِ إنَّهَا لَلْحِطَّةُ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ» إشارة لقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا۟ حِطَّةࣱ﴾ [البقرة: ٥٨]، فلم يقولوها.

سلك الجيش ذات اليمين حتى رأوا قَتَرَةَ جيش قريش، أي غباره، فرجع فرسان المشركين راكضين لإنذار قومهم، وحين وصل النبي ﷺ إلى (ثنية المُرار)، وهي مهبط الحديبية من أسفل مكة، خَلَأَتْ (أي بركت وحرنت) ناقته، فقال الناس: "خَلَأَتْ النَّاقَةُ"، فدافع عنها النبي ﷺ قائلًا: «مَا خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا» [صحيح البخاري (٢٧٣١)].

ثم أمرهم بالنزول، فشكوا قلة الماء بالوادي، وهنا تجلت معجزة نبوية؛ إذ أخرج النبي ﷺ سَهْمًا من كنانته، وأعطاه لأحد أصحابه –قيل: هو ناجية بن جندب، وهو سائق بُدْن رسول الله، وقيل: البراء بن عازب- فنزل به في (قَلِيبٍ) أي: بئر من تلك القلب الجافة، فغرزه في جوفه، فَجَاشَ (أي: ارتفع) بِالرَّوَاءِ (أي: الماء الكثير)، حتى ضرب الناس عنه بِعَطَنٍ (وهو مبرك الإبل حول الماء بعد ريها). [سيرة ابن هشام (٢/ ٣١٠)، مسند أحمد (١٨٩١٠)]

وقد أنشدت قبيلة أسلم أبياتًا تؤكد أن ناجية هو من نزل بالسهم؛ حيث مرَّت جارية من الأنصار فرأته يَمِيحُ (يملأ الدلاء للناس)، فقالت:

يَا أَيُّهَا الْمَائِحُ دَلْوِي دُونَكَا ... إنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونَكَا

يُثْنُونَ خَيْرًا وَيُمَجِّدُونَكَا

فأجابها ناجية وهو في القليب يَمِيحُ على الناس:

قَدْ عَلِمَتْ جَارِيَةٌ يَمَانِيَهْ ... أَنِّي أَنَا الْمَائِحُ وَاسْمِي نَاجِيَهْ

وَطَعْنَةٍ ذَاتِ رَشَاشٍ وَاهِيَهْ ... طَعَنْتُهَا عِنْدَ صُدُورِ الْعَادِيَهْ

يقصد بـ (الواهية) الطعنة الواسعة الشق، و(العادية) القوم الذين يسرعون العَدْو. [مغازي الواقدي (٢/ ٥٨٨)].

المفاوضات والرسائل بين رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقريش

  • المطلب الأول: رُسُل قريش لاستكشاف الموقف (بديل، ومكرز، والحليس)

لما اطمأنَّ رسول الله ﷺ بالحديبية، بدأت قريش تبعث رُسُلها؛ لتقصي الحقائق، فجاء أولًا بُديل بن ورقاء الخزاعي في رِجَالٍ من قومه، وكانت قبيلة خزاعة عَيْبَةَ نُصْحِ لرسول الله ﷺ (أي خاصته وأصحاب سره الذين لا يخفون عنه شَيْئًا بمكة)، فسألوه عن سبب قدومه، فأخبرهم النبي ﷺ أنه لم يأتِ يريد حَرْبًا، وإنما جاء زَائِرًا للبيت ومُعَظِّمًا لحرمته، فرجعوا إلى قريش ناصحين وقالوا: "يَا مَعْشَرَ قريش، إنَّكُمْ تَعْجَلُونَ عَلَى مُحَمَّدٍ، إنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَأْتِ لِقِتَالٍ، وَإنَّمَا جَاءَ زَائِرًا هَذَا الْبَيْتَ"، ولكن قريشا اتهموهم وجَبَهُوهُمْ (أي خاطبوهم بما يكرهون) قائلين: "وَإنْ كَانَ جَاءَ وَلَا يُرِيدُ قِتَالًا، فَوَاللَّهِ لَا يَدْخُلُهَا عَلَيْنَا عَنْوَةً أَبَدًا، وَلَا تَحَدَّثَ بِذَلِكَ عَنَّا الْعَرَبُ".

ثم بعثت قريش مِكْرَزَ بن حفص، فلما رآه النبي ﷺ مُقْبِلًا قال: «هَذَا ‌مِكْرَزٌ، وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ» [صحيح البخاري (٢٧٣١)]، ولما كلمه أسمعه النبي ﷺ مِثْلَ ما قال لبديل، فعاد لقريش وأخبرهم.

ثم بعثوا الحُلَيْسَ بن علقمة، وكان يومئذٍ سيد الأحابيش، فلما رآه النبي ﷺ قال: «إنَّ هَذَا مِنْ قَوْمٍ يَتَأَلَّهُونَ» (أي يتعبدون ويعظمون الحرمات)، «فَابْعَثُوا الْهَدْيَ فِي وَجْهِهِ حَتَّى يَرَاهُ»، فلما رأى الحليس الهدي يسيل عليه من عُرْضِ الوادي (أي جانبه) في قلائده، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن مَحِلِّهِ (أي: موضعه الذي يُنحَر فيه من الحرم)، عاد إلى قريش، ولم يصل إلى النبي ﷺ إعظامًا لِمَا رأى، فلما أخبرهم سخروا منه، قائلين: "اجْلِسْ، فَإنَّمَا أَنْتَ أَعْرَابِيٌّ لَا عِلْمَ لَكَ"، فغضب الحُليس غضبًا شَدِيدًا وقال: "يَا مَعْشَرَ قريش، وَاللَّهِ مَا عَلَى هَذَا حَالَفْنَاكُمْ، وَلَا عَلَى هَذَا عَاقَدْنَاكُمْ، أَيُصَدُّ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ مَنْ جَاءَ مُعَظِّمًا لَهُ؟! وَاَلَّذِي نَفْسُ الْحُلَيْسِ بِيَدِهِ، لَتُخَلُّنَّ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَبَيْنَ مَا جَاءَ لَهُ، أَوْ لَأَنْفِرَنَّ بِالْأَحَابِيشِ نَفْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ"، فأسكتوه، وطلبوا منه الكف، حتى يأخذوا لأنفسهم ما يرضيهم. [سيرة ابن هشام (٢/ ٣١٢)، مسند أحمد (١٨٩١٠) مغازي الواقدي (٢/ ٥٩٩)]

  • المطلب الثاني: سفارة عروة بن مسعود الثقفي

أرسلت قريش عروة بن مسعود الثقفي، الذي عاتبهم أولًا على سوء ردِّهم على مبعوثيهم، ثم عرض عليهم أن يذهب بنفسه فوافقوا.

جاء عروة إلى رسول الله ﷺ وجلس بين يديه، وبدأ يفاوضه بأسلوب فيه استخفاف بالمسلمين قائلًا: "يَا مُحَمَّدُ، أَجَمَعْتَ أَوْشَابَ النَّاسِ" (يعني: أخلاطهم)، "ثُمَّ جِئْتَ بِهِمْ إلَى بَيْضَتِكَ" (أي: أهلك وقبيلتك) "لِتَفُضَّهَا بِهِمْ" (أي: لتكسرها).

ثم قال: "أَيْ مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ، هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ؟، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى، فَإِنِّي وَاللهِ لَأَرَى وُجُوهًا، وَإِنِّي لَأَرَى أَشْوَابًا (الْجَمَاعَة المختلطة من النَّاس) مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ".

فرد عليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه -وكان جالسًا خلف رسول الله ﷺ- بردٍّ حازمٍ فيه غِلْظَةٌ، قائلًا: "امْصصْ ‌بِبَظْرِ اللَّاتِ، أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟ فَقَالَ عروة: "مَنْ ذَا؟" قَالُوا: "أَبُو بَكْرٍ"، قَالَ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ". [صحيح البخاري (٢٧٣١)]

وفي أثناء الحديث، جعل عروة يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ ﷺ، فكان المغيرة بن شعبة رضي الله عنه -وهو في الحديد واقف على رأس رسول الله ﷺ- يقرع يد عروة بنعل السيف، ويقول: "اكْفُفْ يَدَكَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ لَا تَصِلَ إلَيْكَ".

عاد عروة إلى قريش بعد أن راقب تعظيم الصحابة للنبي ﷺ -حيث كانوا يبتدرون وضوءه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه- فقال لهم كلمته الشهيرة: "أَيْ قَوْمِ، وَاللهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مُحَمَّدًا، وَاللهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا". [صحيح البخاري (٢٧٣١)]

  • المطلب الثالث: سفراء النَّبِيِّ ﷺ وإشاعة مقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه

أخذ رسول الله ﷺ زمام المبادرة، فدعا خِراش بن أمية الخزاعي، وبعثه إلى قريش ليبلغ أشرافهم مقصده، وحمله على بعير له يقال له (الثعلب).

لكن قريشًا عقروا البعير، وأرادوا قتل خراش، فمنعتهم الأحابيش فخلَّوْا سبيله.

ثم تمادت قريش في غيِّها، فبعثوا أربعين أو خمسين رَجُلًا ليطيفوا بعسكر النبي ﷺ ويصيبوا أحدًا من الصحابة، فتم أسرهم بعد أن رموا العسكر بالحجارة والنبل، فأُتي بهم إلى النبي ﷺ فعفا عنهم، وخلَّى سبيلهم ؛ حقْنًا للدماء.

وأراد النبي ﷺ بعث عمر بن الخطاب لاستكمال التفاوض، فاعتذر عمر خِيفَةً على نفسه لعدم وجود مَن يمنعه من بني عدي بن كعب بمكة، ولِعِلْمِ قريش بشدة عداوته لهم، واقترح إرسال عثمان بن عفان لمكانته.

فدعا النبي ﷺ عثمان، وبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش، ولما دخل مكة أجاره أبان بن سعيد بن العاص حتى بلغ رسالته، ولما فرغ عثمان عرضوا عليه الطواف بالكعبة، قائلين: "إنْ شِئْتَ أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَطُفْ"، لكنه أبى تضامنًا مع رسول الله ﷺ، قائلًا: "مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ حَتَّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ".

عندئذٍ احتبسته قريش عندها، فسرى الخبر، وبلغ النبي ﷺ والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قُتِل، مما مهد لحدثٍ عظيم غيَّر مسار الأحداث. [سيرة ابن هشام - (٢/ ٣١٥)، مسند أحمد (١٨٩١٠)].

بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ وَإِبْرَامُ الصُّلْحِ وَالْتَحَلُّلُ مِنَ العُمْرَةِ

  • المطلب الأول: بيعة الرضوان وتخلف المنافقين

لما طال احتباس عثمان بن عفان بمكة، شاع بين المسلمين أنه قد قُتل، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: «لَا نَبْرَحُ حَتَّى نُنَاجِزَ الْقَوْمَ»، أي: نقاتلهم، ودعا الناس إلى البيعة تحت الشجرة، فبايعوه.

وقد اختلف في صفة البيعة؛ فقيل: بايعهم على الموت، وكان جابر بن عبد الله، يقول: "إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُبَايِعْنَا عَلَى الْمَوْتِ، وَلَكِنْ بَايَعَنَا عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ"، وقد بايع المسلمون جميعًا، وكان أول من بايع بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي، وضرب النبي ﷺ بإحدى يديه على الأخرى مبايعًا نيابة عن عثمان، ولم يتخلف عن هذه البيعة إلا الجد بن قيس، أخو بني سلمة، يصفه جابر بن عبد الله قائلًا: "وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِ لَاصِقًا بِإِبْطِ نَاقَتِهِ، قَدْ ضَبَأَ إلَيْهَا، يَسْتَتِرُ بِهَا مِنْ النَّاسِ"، و(ضَبَأَ) أي: لصق بها واستتر جُبْنًا ونفاقًا. ثم جاءت الأخبار لاحقًا بأن ما ذُكر من مقتل عثمان باطل. [سيرة ابن هشام (٢/ ٣١٥)]

  • المطلب الثاني: مجيء سهيل بن عمرو وموقف الصحابة من شروط الصلح

بعد أن علمت قريش ببيعة المسلمين، أرسلوا سهيل بن عمرو، وقالوا له: "ائْتِ مُحَمَّدًا فَصَالِحْهُ، وَلَا يَكُنْ فِي صُلْحِهِ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ عَنَّا عَامَهُ هَذَا، فَوَاللَّهِ لَا تُحَدِّثُ الْعَرَبُ عَنَّا أَنَّهُ دَخَلَهَا عَلَيْنَا عَنْوَةً أَبَدًا"، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلًا تفاءل باسمه، وقال: «لَقَدْ ‌سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ» [صحيح البخاري (٢٧٣١)]، وقال أيضًا: «قَدْ أَرَادَ الْقَوْمُ الصُّلْحَ حِينَ بَعَثُوا هَذَا الرَّجُلَ». [سيرة ابن هشام (٢/ ٣١٦)]

تكلم سهيل فأطال، وتراجع مع النبي ﷺ حتى تم الاتفاق، فلما التأم الأمر، ولم يبق إلا كتابة الصحيفة، شق ذلك على المسلمين، وأتى عمر بن الخطاب رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «بَلَى»، قال عمر: " يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟"، قال: «بَلَى»، قال: "أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟"، قال: «بَلَى»، قال عمر: "فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ (أي النقص والمذلة) فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ، وَلَمَّا يَحْكُمِ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟"، فقال: «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللهُ أَبَدًا»، فَانْطَلَقَ عُمَرُ فَلَمْ يَصْبِرْ مُتَغَيِّظًا (أي: ممتلئًا غضبًا وغيرةً على الإسلام)، فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟" قَالَ: "بَلَى". قَالَ: "أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟" قَالَ: "بَلَى". قَالَ: "فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ، وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُثَبِّتًا لَهُ: "يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا".

فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْفَتْحِ [وهي أوائل سورة الفتح]، فَأَرْسَلَ إلَى عُمَرَ فَأَقْرَأَهُ إيَّاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَفَتْحٌ هُوَ؟" قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «نَعَمْ»، فَطَابَتْ نَفْسُهُ وَرَجَعَ.

لم يهدأ عمر، فأتى النبي ﷺ وسأله ذات الأسئلة، فأجابه النبي ﷺ بيقين الواثق بربه: «أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، لَنْ أُخَالِفَ أَمْرَهُ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي!»، وقد ندم عمر لاحقًا على مراجعته، وكان يقول: "مَا زِلْتُ أَتَصَدَّقُ وَأَصُومُ وَأُصَلِّي وَأُعْتِقُ، مِنْ الَّذِي صَنَعْتُ يَوْمَئِذٍ! مَخَافَةَ كَلَامِي الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ، حَتَّى رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا". [متفق عليه]

  • المطلب الثالث: كتابة الوثيقة وتفاصيل المعاهدة

دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ليكتب الصحيفة، فأملى عليه: «اُكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، فاعترض سهيل قائلًا: "لَا أَعْرِفُ هَذَا، وَلَكِنْ اُكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ"، فوافق النبي ﷺ. ثم أملى: «هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو»، فاعترض سهيل مجددًا: "لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ لَاتَّبَعْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبِ اسْمَكَ وَاسْمَ أَبِيكَ"، فأمر النبي ﷺ عليًّا رضي الله عنه أن يكتب: «مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ». [صحيح مسلم (١٧٨٤)]

واتفقا على الشروط الآتية:

١. وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس.

٢. مَن أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليه (مسلمًا) رَدَّهُ عليهم، ومن جاء قريشًا ممن مع محمد (مرتدًّا) لم يردوه عليه.

٣. أن بين الفريقين (عَيْبَةً مَكْفُوفَةً) أي: صدورًا منطوية على العهد لا تبدي عداوة، وأنه لا (إسْلَالَ) أي: سرقة خفية، ولا (إغْلَالَ) أي: خيانة.

٤. من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت قبيلة خزاعة قائلين: "نَحْنُ فِي عَقْدِ مُحَمَّدٍ وَعَهْدِهِ"، وتواثبت بنو بكر قائلين: "نَحْنُ فِي عَقْدِ قريش وَعَهْدِهِمْ".

٥. أن يرجع النبي ﷺ وأصحابه هذا العام، فإذا كان العام القابل دخلوا مكة بثياب السلاح (السيوف في القرب)، فأقاموا بها ثلاثة أيام. [سيرة ابن هشام (٢/ ٣١٧)، مسند أحمد (١٨٩١٠)]

  • المطلب الرابع: محنة أبي جندل والتحلل من العمرة

وبينما هما يكتبان الكتاب، جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يَرْسُفُ (أي: يمشي مقيدًا) في الحديد، وقد هرب من مكة مسلمًا، فلما رآه أبوه سهيل قام إليه، فضرب وجهه، وأخذ بِتَلْبِيبِهِ (أي: مجمع ثوبه عند عنقه)، وقال: "يَا مُحَمَّدُ، قَدْ لَجَّتْ الْقَضِيَّةُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ هَذَا" (لجت، أي: تمت وجبت)، فوافقه النبي ﷺ.

جعل سهيل يَنْتُرُ أبا جندل (يجذبه جذبًا شديدًا) ليرده، وأبو جندل يصرخ مستغيثًا: "يَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، أَتَرُدُّونَنِي إِلَى أَهْلِ الشِّرْكِ، فَيَفْتِنُونِي فِي دِينِي"، فزاد ذلك من حزن المسلمين، لكن النبي ﷺ التزم بالعهد وقال: «يَا أَبَا جَنْدَلٍ، اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إنَّا قَدْ عَقَدْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ صُلْحًا، وَأَعْطَيْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَعْطَوْنَا عَهْدَ اللَّهِ، وَإنَّا لَا نَغْدِرُ بِهِمْ»، ومشى عمر بن الخطاب بجانبه يقول له: "اصْبِرْ أَبَا جَنْدَلٍ"، ويُدْنِي منه قائم السيف راجيًا أن يأخذه فيقتل أباه، لكن أبا جندل ضَنَّ (بخل وأشفق) بأبيه، ونفذت القضية. [مسند أحمد (١٨٩١٠)]

أُشهد على الصلح رجال من المسلمين والمشركين، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي بن أبي طالب (الكاتب)، ومكرز بن حفص (من المشركين).

وَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْكِتَابِ، وَهُوَ (مُضْطَرِبٌ فِي الْحِلِّ) أَيْ: أَبْنِيَتُهُ مَضْرُوبَةٌ فِي الْحِلِّ وَصَلَاتُهُ فِي الْحَرَمِ لِقُرْبِ الْمَكَانِ، قَامَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، انْحَرُوا وَاحْلِقُوا»، قَالَ: فَمَا قَامَ أَحَدٌ، ثُمَّ عَادَ بِمِثْلِهَا فَمَا قَامَ رَجُلٌ، ثُمَّ عَادَ بِمِثْلِهَا فَمَا قَامَ رَجُلٌ (لِعِظَمِ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الصَّدَّةِ عَنِ الْبَيْتِ).

فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَدَخَلَ عَلَى زَوْجِهِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ، مَا شَأْنُ النَّاسِ؟», قَالَتْ بِمَشُورَةٍ صَائِبَةٍ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ دَخَلَهُمْ مَا قَدْ رَأَيْتَ (أَيْ: أَصَابَهُمْ مِنَ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ لِرُجُوعِهِمْ وَقَبُولِ الشُّرُوطِ مَا جَعَلَهُمْ يَتَبَاطَؤُونَ)، فَلَا تُكَلِّمَنَّ مِنْهُمْ إِنْسَانًا، وَاعْمِدْ إلَى هَدْيِكَ حَيْثُ كَانَ فَانْحَرْهُ وَاحْلِقْ، فَلَوْ قَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ".

فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُكَلِّمُ أَحَدًا؛ حَتَّى أَتَى هَدْيَهُ، فَنَحَرَهُ، وَكَانَ قَدْ جَعَلَ فِي هَدَايَاهُ جَمَلًا لِأَبِي جَهْلٍ، فِي رَأْسِهِ (بُرَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ), وَهِيَ حَلْقَةٌ تُجْعَلُ فِي أَنْفِ الْبَعِيرِ، لِيَغِيظَ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ. ثُمَّ جَلَسَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ عَلَى يَدِ خِرَاشِ بْنِ أُمَيَّةَ الْخُزَاعِيِّ.

فَلَمَّا رَأَى الصَّحَابَةُ ذَلِكَ تَوَاثَبُوا يَنْحَرُونَ وَيَحْلِقُونَ (مُقْتَدِينَ بِفِعْلِهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ أَيْقَنُوا بِتَمَامِ الْأَمْرِ). وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَمَّا سُئِلَ: لِمَ ظَاهَرْتَ التَّرْحِيمَ (أَيْ: كَرَّرْتَهُ وَأَكَّدْتَهُ) لِلْمُحَلِّقِينَ؟ قَالَ: «لَمْ يَشُكُّوا». [مسند أحمد (١٨٩١٠)، سيرة ابن هشام (٢/ ٣٢٠)].


مَا بَعْدَ الصُّلْحِ.. نُزُولُ سُورَةِ الْفَتْحِ وَقَضِيَّةُ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَالْمُهَاجِرَاتِ

  • المطلب الأول: قافلة العودة ونزول سورة الفتح

انصرف رسول الله ﷺ من الحديبية قَافِلًا (أي: عائدًا) إلى المدينة، وفي الطريق بين مكة والمدينة، تنزلت سورة الفتح؛ لتبشر المسلمين بأن ما حدث لم يكن تراجعًا، بل انتصارًا استراتيجيًّا عظيمًا، فقال جل ثناؤه: ﴿إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحࣰا مُّبِینࣰا * لِّیَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَیُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَیۡكَ وَیَهۡدِیَكَ صِرَٰطࣰا مُّسۡتَقِیمࣰا﴾ [سورة الفتح: ١-٢].

ثم ذكر الله بيعة الرضوان وأثنى على أهلها، وعاتب الأعراب الذين تخلفوا حين استنفرهم النبي ﷺ للخرج معه، متذرعين بأن أموالهم وأهليهم قد شغلتهم، وتطرق القرآن الكريم إلى صنيع قريش حين صدوا المسلمين، فقال تعالى: ﴿وَٱلۡهَدۡیَ مَعۡكُوفًا أَن یَبۡلُغَ مَحِلَّهُۥۚ﴾ [سورة الفتح: ٢٥]، والمَعْكُوفُ هنا هو المحبوس، كما بين ابن هشام مستشهدًا بقول الأعشى:

وَكَأَنَّ السُّمُوطَ عَكَّفَهُ السِّلْكُ ... بِعِطْفَيْ جَيْدَاءَ أُمِّ غَزَالِ

(السموط: ما يعلق في القلادة، والسلك: الخيط الذي تُنظم فيه، والجيداء: طويلة العنق).

وبيّن الله علة كف أيدي المسلمين عن قتال أهل مكة ؛ خشية أن يصيبوا مؤمنين مستضعفين لا يعرفونهم، فقال: ﴿فَتُصِیبَكُم مِّنۡهُم مَّعَرَّةُۢ بِغَیۡرِ عِلۡمࣲۖ﴾ [سورة الفتح: ٢٥]، و(المَعَرَّةُ) هي الغُرم وإخراج الدية.

وقد لخص الإمام الزهري أثر هذا الصلح قائلًا: "فَمَا فُتِحَ فِي الْإِسْلَامِ فَتْحٌ قَبْلَهُ كَانَ أَعْظَمَ مِنْهُ، إنَّمَا كَانَ الْقِتَالُ حَيْثُ الْتَقَى النَّاسُ، فَلَمَّا كَانَتْ الْهُدْنَةُ، وَوُضِعَتْ الْحَرْبُ، وَآمَنَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا... فلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدٌ بِالْإِسْلَامِ يَعْقِلُ شَيْئًا إلَّا دَخَلَ فِيهِ، وَلَقَدْ دَخَلَ فِي تِينِكَ السَّنَتَيْنِ مِثْلُ مَنْ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ"، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ خرج للحديبية في نحو ألف وأربعمائة، وخرج لفتح مكة بعد سنتين في عشرة آلاف. [سيرة ابن هشام (٢/ ٣٢٢)]

  • المطلب الثاني: مجيء أبي بصير وحل أزمة المستضعفين

لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، أتاه أبو بصير (عتبة بن أسيد) فارًّا بدينه من مكة، فكتب أزهر بن عبد عوف والأخنس بن شريق إلى النبي ﷺ يطالبان برده التزامًا بالعهد، وبعثا رَجُلًا من بني عامر ومعه مَوْلًى، فوفى النبي ﷺ بعهده وقال: «يَا أَبَا بَصِيرٍ إنَّا قَدْ أَعْطَيْنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ مَا قَدْ عَلِمْتَ، وَلَا يَصْلُحُ لَنَا فِي دِينِنَا الْغَدْرُ، وَإنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، فَانْطَلِقْ إلَى قَوْمِكَ»، فناشده أبو بصير: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَرُدُّنِي إلَى الْمُشْرِكِينَ يَفْتِنُونَنِي فِي دِينِي؟"، فأعاد النبي ﷺ عليه مقالته بيقين. [مغازي الواقدي (٢/ ٦٢٥)، سيرة ابن هشام (٢/ ٣٢٣)]

خرج أبو بصير معهما، ولما بلغوا (ذَا الْحُلَيْفَةِ) استدرج العامري حتى استل سيفه فقتله به، ففر المولى فزعًا للمدينة. عاد أبو بصير ووقف على رسول الله ﷺ متوشحًا سيفه، وقال: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَفَتْ ذِمَّتُكَ، وَأَدَّى اللَّهُ عَنْكَ، أَسْلَمْتَنِي بِيَدِ الْقَوْمِ، وَقَدْ امْتَنَعْتُ بِدِينِي أَنْ أُفْتَنَ فِيهِ"، فقال رسول الله ﷺ متعجبًا من بأسه: «وَيْلُ أُمِّهِ، مِحَشَّ حَرْبٍ لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ!»، و(المِحَشُّ) هو موقد الحرب ومهيجها ومسعرها. [مغازي الواقدي (٢/ ٦٢٦)، سيرة ابن هشام (٢/ ٣٢٤)]

فهم أبو بصير أن النبي صلى الله عليه وسلم سيرده إن طُلب، فخرج حتى نزل (الْعِيصَ) على طريق تجارة قريش للشام، ولما بلغ المستضعفين بمكة قول النبي ﷺ عنه، التحقوا به حتى صاروا قرابة سبعين رَجُلًا، فضيقوا على قريش، لا يمرون بعيرٍ إلا اقتطعوها، حتى عيل صبر قريش، فكتبوا للنبي ﷺ يسألونه بالرحم أن يؤويهم إليه ليتخلصوا من هجماتهم، فآواهم النَّبي ﷺ وأُسقط هذا البند.

ولما بلغ سهيل بن عمرو مقتل العامري، أسند ظهره للكعبة مقسمًا: "وَاللَّهِ لَا أُؤَخِّرُ ظَهْرِي عَنْ الْكَعْبَةِ حَتَّى يُودِيَ هَذَا الرَّجُلُ" (أي: تُدفع ديته)، فسفّه أبو سفيان رأيه، وفي ذلك تفاخر موهب بن رياح الأشعري بقومه متحديًا سهيلًا:

أَتَانِي عَنْ سُهَيْلٍ ذَرْءُ قَوْلٍ ... فأَيْقَظَنِي وَمَا بِي مِنْ رُقَادِ

فَإنْ تَكُنِ الْعِتَابَ تُرِيدُ مِنِّي ... فعَاتِبْنِي فَمَا بِكَ مِنْ بِعَادِ

فرد عليه عبد الله بن الزبعرى هاجيًا، ومدافعًا عن سهيل:

وَأَمْسَى مَوْهِبٌ كَحِمَارِ سَوْءٍ ... أَجَازَ بِبَلْدَةٍ فِيهَا يُنَادِي

                                         فَإنَّ الْعَبْدَ مِثْلَكَ لَا يُنَاوِي ... سُهَيْلًا ضَلَّ سَعْيُكَ مَنْ تُعَادِي [سيرة ابن هشام (٢/ ٣٢٦)]

  • المطلب الثالث: حكم المهاجرات المؤمنات

هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط إلى رسول الله ﷺ في تلك المدة، فخرج أخواها عمارة والوليد يطلبان ردها بناءً على شرط المعاهدة.

لكن الله تعالى استثنى النساء المؤمنات، فأنزل: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا جَاۤءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتࣲ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِیمَٰنِهِنَّۖ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتࣲ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ لَا هُنَّ حِلࣱّ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ یَحِلُّونَ لَهُنَّۖ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمۡسِكُوا۟ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ﴾ [سورة الممتحنة: ١٠]، و(العِصَم): جمع عِصْمَة، وهي الحبل والسبب المستمسك به.

وقد أوضح عروة بن الزبير هذا الحكم في رسالته لابن هنيدة قائلًا: "فَلَمَّا هَاجَرَ النِّسَاءُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإلَى الْإِسْلَامِ، أَبَى اللَّهُ أَنْ يُرْدَدْنَ إلَى الْمُشْرِكِينَ إذَا هُنَّ امْتُحِنَّ بِمِحْنَةِ الْإِسْلَامِ، فَعَرَفُوا أَنَّهُنَّ إنَّمَا جِئْنَ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، وَأَمَرَ بِرَدِّ صَدُقَاتِهِنَّ إلَيْهِمْ"، وهكذا امتنع النبي ﷺ عن رد النساء، وردّ الرِّجَالَ كما يقتضي العهد، وتطبيقًا للآية الكريمة، طلق المسلمون زوجاتهم المشركات اللواتي بقين بمكة، فطلق عمر بن الخطاب امرأته قريبة بنت أبي أمية، فخلف عليها معاوية بن أبي سفيان. [سيرة ابن هشام (٢/ ٣٢٦)]

  • المطلب الرابع: بشرى فتح مكة وتأكيد الرؤيا النبوية

تصديقًا للرؤيا التي خرج النبي ﷺ بناءً عليها مبكرًا، وتثبيتًا لقلوب الصحابة التي أحزنها الرجوع قبل دخول البيت، أنزل الله تعالى: ﴿لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡیَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ ءَامِنِینَ مُحَلِّقِینَ رُءُوسَكُمۡ وَمُقَصِّرِینَ لَا تَخَافُونَۖ فَعَلِمَ مَا لَمۡ تَعۡلَمُوا۟ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتۡحࣰا قَرِیبًا﴾ [سورة الفتح: ٢٧]، والفتح القريب هنا هو صلح الحديبية الذي مهد للفتح الأكبر.

ولما وصل النبي ﷺ المدينة، سأله بعض أصحابه ليزدادوا يقينًا: "أَلَمْ تَقُلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ تَدْخُلُ مَكَّةَ آمِنًا؟"، فأجابه ﷺ: «بَلَى، أَفَقُلْتُ لَكُمْ مِنْ عَامِي هَذَا؟»، قالوا: "لَا"، فقال: «فَهُوَ كَمَا قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ» [سيرة ابن هشام (٢/ ٣٢٧)].

ليؤكد لهم أن وعد الله آتٍ لا محالة، وقد تحقق ذلك جَلِيًّا في عمرة القضاء، ثم في فتح مكة.

الخلاصة

لقد أثبتت أحداث الحديبية أن التسليم المطلق لأمر الله ورسوله هو درب النصر والتمكين، فقد تجلت في هذه المعاهدة حكمة النبي ﷺ التي حولت التنازلات الظاهرية إلى مكاسب استراتيجية كبرى؛ إذ أوقفت الحرب، واعترفت قريش بدولة الإسلام، وأتاحت فرصة ذهبية لانتشار الإسلام سلميًّا؛ لتتوج هذه المرحلة بصدق الرؤيا النبوية وتكون التمهيد الحقيقي لفتح مكة.

موضوعات ذات صلة

صلح الحُدَيْبِيَة من أهم المعاهدات التي تمت في الإسلام، وقد سماه الله تعال فتحًا مبينًا.

اتفاقٌ جرى بين النبيّ محمد -صلى الله عليه وسلم- وقريش في السنة السادسة للهجرة.

صلح الحديبية الذي وقع في شهر ذي القعدة من العام السادس للهجرة مهَّد الطريق لنشر الإسلام.

فتح مكة انتقلَ بالدعوةِ من مرحلةِ (المُدافعة) إلى مرحلةِ (الدولةِ والتمكين).

دخل سيدنا رسول الله ﷺ مكة فاتحًا مطأطئ الرأس تواضعًا لله الذي أكرمه بالفتح المبين.