كان لجبل عرفة مكانة خاصة لدى القبائل العربية، كان الموقف بعرفة معروفًا لهم قبل البعثة المحمدية، وإن كان البعض من أهل مكة ممن يسمونهم الحمس لا يقفون مع باقي العرب والحجيج، عن جبير بن مطعم، رضي الله عنه، قال: "أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَاقِفًا مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَمِنَ الحُمْس، فما شأنه ههنا؟ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَدُّ مِنَ الْحُمْسِ" [صحيح مسلم، ١٢٢٠]، وكان هذا دليلًا على نبوته وصدقه - صلى الله عليه وآله وسلم - ، حيث كان يتبع شريعة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - قبل أن يبعث نبيًا.
وفي الإسلام ظل جبل عرفة هو قلب الحج وروحه، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ ؛ "أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِعَرَفَةَ، فَسَأَلُوهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى «الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ...» [سنن الترمذي، ٨٨٩].
وتأتي المكانة العظمى لجبل عرفة لارتباطه ارتباطًا وثيقًا بوقوف الجناب النبوي المعظم - صلى الله عليه وآله وسلم - في حجة الوداع يوم الجمعة التاسع من ذي الحجة سنة ١٠ هـ، قال جابر بن عبد الله، رضي الله عنه، في وصف حجة حضرة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : "وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ، أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ، وَقَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا..» [صحيح مسلم، ١٢١٨].
كذلك لجبل عرفة منزلة عظيمة لنزول الآية الكريمة التي أعلن الجناب النبوي المكرم - صلى الله عليه وآله وسلم - إكمال الدين بنزول قوله تعالى:
﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ [المائدة: ٣]
وتتجلى مكانته في قلوب المسلمين بما روي عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ -رضي الله عنه - ، عَنْ سيدنا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه - : "أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ [المائدة: ٣]، قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم -، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ" [صحيح البخاري، ٤٥].
وظل جبل عرفة على مر العصور محط أنظار المسلمين، يقفون فيه من الزوال إلى الغروب داعين متضرعين، مقتدين بسنة نبيهم- صلى الله عليه وسلم-، وقال الحبيب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [سنن الترمذي، ٣٥٨٥].