وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
تبدأ الرحلة بـ الإحرام، وهو نيةٌ صادقةٌ وعقدٌ قلبيٌّ بالدخول في النسك، سواء أردت العمرة مفردةً، أو الحج مفردًا، أو جمعت بينهما معًا، فالقاعدة الصارمة ألا تتجاوز الميقات إلا وأنت مُحْرِمٌ مستوفٍ للشروط. هذا الالتزام يعكس تعظيمًا لشعائر الله، وتأدبًا مع حدوده.
ومن سماحة الشريعة إباحة أدواتٍ تيسر الرحلة وتعين المسلم، يجوز للمُحْرِم ارتداء النظارة، وساعة اليد، والخاتم المباح، وشد الحزام على وسطه لحفظ ماله وأوراقه من الضياع، ولا بأس أبدًا باستخدام الصابون العادي للتنظيف؛ لأنه لا يُعَدُّ طيبًا محظورًا.
أما المرأة المُحْرِمَة، فلها أن تلبس الحلي المعتادة، والحرير، والجوارب، وما تشاء من ألوانٍ بشرط عدم التبرج، وإن كان الأَوْلَى في هذه الرحلة الروحية البعد تمامًا عن الزينة والألوان اللافتة؛ تحقيقًا لكمال التجرد لله وانصرافًا عن ملهيات الدنيا.
الممنوع على الرجال شرعًا هو لبس المَخِيط؛ والمقصود به اللباس المُفَصَّل على مقاس البدن والذي يحيط بالأعضاء ويستمسك بنفسه، كالجوارب والقمصان والفانلات الداخلية والسراويل. فهذه كلها من محظورات الإحرام التي تفسد تجرد الرجل وتخالف هيئة الإحرام المطلوبة.
ولكن التيسير الإسلامي حاضرٌ؛ فللحاجِّ بعد الإحرام إصلاح إزاره وردائه لستر العورة بشكل آمن ومريح، فيجوز له جَمْع قِطَع اللباس على بعضها، أو تشبيكها بمشبكٍ أو دبوسٍ لتثبيتها، ولا يُعْتَبَر ذلك مَخِيطًا ولا مُحِيطًا ممنوعًا شرعًا.
تراعي الشريعة طبيعة المرأة، فـ الحيض أو النفاس لا يمنع إطلاقًا من عقد نية الإحرام، وللحائض والنُّفَساء الإتيان بكل أعمال الحج العظيمة: كالوقوف الخاشع بـعرفة، والمبيت، ورمي الجمرات، والدعاء. لكنها تُمنع فقط من الطواف بالبيت العتيق؛ لأنها ممنوعة من الدخول في المسجد، لقول النبي ﷺ للسيدة عائشة رضي الله عنها: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» [صحيح مسلم: (١٢١١)]
ويُسْتَثْنَى من ذلك للضرورة طواف الإفاضة (وهو ركنٌ أساسيٌّ)؛ فإذا ضاق وقتُها واقترب موعد سفر الفوج ولا يمكنها البقاء، فلها أن تغسل الموضع، وتعصبه بالوسائل الحديثة المانعة لتساقط الدم، وتطوف طوافًا صحيحًا.
بينما ليس لها هذه الرُّخْصَة في طواف الوداع (وهو واجب)؛ إذ لو فاجأها الحيض فيه أو قبله، تركته وسافرت وسقط عنها ولا شيء عليها.
وإذا دخلَتِ المرأة مكة متمتعةً بـالعمرة، ثم حاضت وخشيت فوات وقت الحج (يوم الثامن من ذي الحجة)، أحرمت بـالحج وأدخلته على العمرة، وصارت بذلك قَارِنَةً، وتكمل مناسكها، وعليها دم القِرَان.
يُسَنُّ كشف الكتف الأيمن للرجال في الإحرام، وهو ما يُعْرَف بـ الاضطباع، وهو مندوبٌ فقط عند بدء طوافٍ يتبعه سعيٌ، ولو تركه المحرم زحامًا أو نسيانًا فلا حرج وطوافه صحيح.
وتحية البيت الحرام هي الطواف لمن أراد النسك، ومَن لم يُرِدْه فليُصَلِّ ركعتين تحيةً للمسجد قبل الجلوس، والأَوْلَى دائمًا هو الطواف للمستطيع.
ويُكْرَه للرجال المزاحمة الشديدة على استلام الحجر الأسود لما فيه من إيذاء، ويَحْرُم هذا تمامًا على النساء منعًا من الاختلاط؛ فدرء المفسدة مُقَدَّمٌ على جلب المصلحة.
وإذا أُقِيمَت الصلاة المكتوبة أثناء الطواف أو السعي، فصَلِّ جماعةً مع الإمام؛ لتحصيل ثوابها، ثم أكمِل من حيث توقفتَ، ويجوز لمن يعجز أن يستريح قليلًا بين الأشواط.
والوضوء شرطٌ أساسيٌّ في صحة طواف الركن، لكنه ليس شرطًا في السعي، والأفضل والأكمل أن يكون الساعي متوضئًا.
كل مَن لزمه هَدْيُ قِرَان أو تَمَتُّع ولم يجد ثمنه، أو كان محتاجًا احتياجًا شرعيًّا له لضرورات سفره، وجب عليه بديلُه وهو: صوم ثلاثة أيامٍ متتابعةٍ في الحج، ولا يتجاوز بها يوم عرفة للتقوي على الدعاء، ثم صوم سبعة أيامٍ بعد رجوعه لوطنه؛ لتكون عشرةً كاملة، وإذا فاته صوم الثلاثة في الحج أو عجز عنها، صام العشرة جميعًا بعد العودة لأهله.
ومن ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام (غير الجماع والصيد) كتقليم الأظافر أو التطيب، فالواجب فيه التخيير بين: صوم ثلاثة أيامٍ في أي مكانٍ، أو التصدق بثلاثة آصُعٍ (٧.٥ كجم تقريبًا) على ستة مساكين في أي مكانٍ، أو ذبح شاة، تيسيرًا، نختار مذهب المالكية بجواز الذبح في أي مكانٍ وليس مقصورًا على الحرم.
للمسجد الحرام خصوصيةٌ ومكانةٌ عظيمةٌ وطبيعةٌ تتسم بالزحام الشديد على مدار الساعة؛ لذا فلا حرج في المرور بين يدي المصلين فيه؛ لمشقة الاحتراز، وصلاة النفل جائزةٌ ومستحبةٌ فيه في كل وقت، وليست ممنوعة في الأوقات المكروهة كباقي المساجد؛ لخصوصية وبركة هذه البقعة.
إن الفقه الإسلامي يوازن ببراعة تامة بين تعظيم الشعائر ورفع الحرج عن العباد، وهذا المقال المنظم والشامل يُعِين المسلم على أداء نسكه بثقة واطمئنان، راجيًا من الله العلي القدير حسن القبول، وأن يرزقه حجًّا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا، وتجارةً لن تبور، وعودةً محمودةً غانمةً إلى دياره.
قصد بيت الله الحرام لأداء المناسك في وقت مخصوص بشرائط مخصوصة.
كيف بدأت رحلة الحج منذ نداء إبراهيم عليه السلام؟
هل تساءلت يومًا كيف تبدأ رحلتك إلى الحج أو العمرة بخطوات صحيحة تضمن القبول؟
تتساقط أثقال الدنيا في رحاب مكة، فتتخفف الروح من قيود المادة.
الحجُّ معراجٌ لا يُقطع بحدوِ الركائب، بل بصدقِ الرغائب.