Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

طواف الإفاضة وما يتعلق به

الكاتب

هيئة التحرير

طواف الإفاضة وما يتعلق به

هل يدرك الحاج أن طواف الإفاضة ليس مجرد طوافٍ عادي، بل هو الركن الأعظم الذي يُتم به الحج وتكتمل به الشعائر؟

وفي لحظاته تتجلى معاني العبودية والانقياد الكامل لأمر الله، حتى في أدق تفاصيل الأحكام عند الضرورة والاضطرار.

مفهوم طواف الإفاضة ودلالته

إنَّ الوقوف على البنية اللغوية للمصطلح الفقهي يُعَدُّ أولى درجات التحقيق، وبوابةً للفهم الدقيق لمقاصد الشارع الحكيم؛ فالمصطلحات الشرعية ليست قوالب جامدة، بل أوعية لمعانٍ إيمانية دافقة، وهو ما يتجلّى في وصف طواف الإفاضة من خلال:

  • مفهوم الطواف

الطواف لغةً: يدور أصل مادة (الطاء والواو والفاء) حول دوران الشيء على الشيء [ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، ٣/٤٣٢]، ويقال: طاف بالشيء؛ أي: استدار به [الفيومي، المصباح المنير، ٢ /٣٨٠].

الطواف اصطلاحًا: جاء الطواف في اصطلاح الفقهاء بمعنى: الإلمام بالشيء والدوران حوله [البعلي، المطلع على ألفاظ المقنع، ص٢٢٥]. أما في حقيقة الشرع وعند الفقهاء، فهو: الدوران حول البيت الحرام على وجهٍ مخصوص [السرخسي، المبسوط، ٤/٤٢؛ النووي، المجموع، ٨/٢٣].

  • مفهوم الإفاضة

الإفاضة في اللغة: الزحف والدفع في السير بكثرة، ولا يكون ذلك إلا عن تفرّقٍ وجمع. وقد وضع ابن منظور يده على الدلالة الجوهرية للفظ؛ إذ بيَّن أن أصل الإفاضة هو الصب، ثم استُعيرت للدفع في السير؛ تشبيهًا لاندفاع الحجيج بصبِّ الماء وانصبابه بقوةٍ وكثرة [ابن منظور: لسان العرب، ٧/٢١٣- الزبيدي، تاج العروس، ١٨ /٤١٥].

الإفاضة اصطلاحًا: يُشتقّ لفظ (أفاض) من المصدر (الإفاضة)، ويُراد به في مناسك الحج: إسراع الحجيج في دفعتهم من عرفة إلى المزدلفة، أو رجوعهم وانصبابهم من منى إلى مكة يوم النحر لأداء طواف الركن [البعلي، المطلع على ألفاظ المقنع، ص٢٣٧].

إنَّ المتأمل في هذا المزج بين الطواف والإفاضة يدرك أنَّ هذا المصطلح لم يُوضَع عبثًا، بل هو تعبيرٌ عن حركةٍ إيمانيةٍ دافقة؛ فالحاج حين يفرغ من مناسك منى، يفيض نحو البيت العتيق، أي: ينصبّ بقلبه وقالبِه نحو مركز التوحيد، فيكون طوافه زيارةً لمحبوبه، وإفاضةً لروحه في رحاب ربه، ثم يرجع إلى منى موصولًا بمدد الله تعالى.

أسماء طواف الإفاضة

إنَّ تعدد الأسماء في الاصطلاح الفقهي غالبًا ما يشير إلى تعدد الاعتبارات والحيثيات في العبادة الواحدة، وهو ما يتجلّى بوضوح في طواف الركن؛ إذ نجد له في مدونات الفقهاء أسماءً شتّى، يُنبئ كلُّ واحدٍ منها عن معنىً شرعيٍّ دقيق.

  • طواف الإفاضة: سُمّي بذلك؛ لكونه يأتي عقب إفاضة الحاج واندفاعه من منى إلى مكة، فأُضيف إلى الإفاضة لكونها الزمان والمناسبة المحرِّكة له.
  • طواف الزيارة: سُمّي بذلك؛ لأن الحاج يأتي من منى زائرًا للبيت العتيق، ولا يقيم بمكة إقامة استقرار، بل يطوف ثم يرجع من فوره إلى منى؛ فكان فعله كفعل الزائر الذي يحلّ بالمكان ثم يرتحل عنه.
  • طواف الصدر: يُطلق عليه هذا الاسم؛ لأنه يُفعل عند صدر الناس من منى (أي: رجوعهم عنها)، ويُستعمل هذا الاسم أيضًا عند بعض الفقهاء على طواف الوداع؛ لاتحاد علة الصدور من المكان في كليهما.
  • طواف الركن (أو الفرض أو الواجب): تتوارد هذه المسميات عليه باعتبار الحكم الشرعي والمنزلة في مناسك الحج؛ إذ هو الركن الذي لا يصح الحج إلا به، والفرض الذي لا ينوب عنه دمٌ ولا غيره [النووي، المجموع، ٨/١٢؛ ابن قدامة المقدسي، المغني، ٣/٣٩٠؛ البهوتي، كشاف القناع، ٢/٥٠٥].

إنَّ هذا التنوع في الأسماء يعكس شمولية الرؤية الفقهية؛ فالحاج حين يطوف إنما هو مفيضٌ ببدنه، وزائرٌ بقلبه، ومؤدٍّ لفريضة ربه، مما يجعل هذا الطواف نقطة الارتكاز المركزية في رحلة الحج المباركة.

حكم طواف الإفاضة ونية المكلف

لقد استقرَّ الإجماع على أنَّ طواف الإفاضة ركنٌ من أركان الحج لا يصح إلا به [النووي، المجموع، ٨ / ٢٢٠]، لقوله تعالى: ﴿وَلۡیَطَّوَّفُوا۟ بِٱلۡبَیۡتِ ٱلۡعَتِیقِ [الحج: ٢٩].

واختلف الفقهاء في صفة النية؛ فذهب الحنابلة إلى وجوب تعيين نية الفريضة [ابن قدامة، المغني، ٣/ ٤٠٩]، بينما ذهب الحنفية والشافعية إلى أنَّ نية الحج العامة تندرج تحتها جميع الأفعال، كاندراج أركان الصلاة تحت نيتها العامة.

تأخير طواف الإفاضة وأثره في الإجزاء عن الوداع وحكم جبره بالدم

يجوز للحاج شرعًا تأخير طواف الإفاضة عن يوم النحر وأيام التشريق، ليؤديه قبيل مغادرته مكة وسفره مباشرة، وقد استقر العمل الفقهي على أن هذا التأخير- وإن فاته وقت الفضيلة- يبقى مجزئًا وموافقًا لأصل العبادة؛ إذ اتفق جمهور الفقهاء على أن طواف الإفاضة يظل ركنًا في ذمة الحاج ما دام حيًّا، ولا حدَّ لآخر وقته عند أكثر أهل العلم، فلا يتم تحلله الأكبر إلا به، والأمر فيه على السعة ما دام العمر باقيًا، وإن كان المبادرة إليه أولى وأفضل.

وإذا أخر الحاج طواف الإفاضة ليجعله آخر عهده بالبيت قبل خروجه من مكة، فإنه يجزئه عن طواف الوداع ويُكتفى به عنه؛ تحقيقًا للمقصد الشرعي في أن يكون آخر عهد الحاج بالبيت الطواف. ويكون ذلك متحققًا بأداء الطواف في هذا التوقيت، إذ إن العبرة بوجود الطواف لا باستقلال نية الوداع عن نية الركن، وهو ما نص عليه عدد من المحققين من الفقهاء [ابن قدامة المقدسي، المغني، ٥ /٣٤٠؛ المرداوي، الإنصاف، ٩ /١٧٢؛ المدونة الكبرى، ١ /٤١٨]، كما لا يقدح أداء سعي الحج بعد الطواف المتأخر في كونه آخر العهد بالبيت؛ لأن السعي تابع للطواف ومكمِّل للمناسك، ولا يقطع حكم التوديع.

أما من حيث جبر هذا التأخير بالدم، فقد انقسمت أنظار الفقهاء؛ فذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم لزوم الدم بتأخير طواف الإفاضة عن أيام النحر، مهما طال الزمن، وإن كان ذلك خلاف الأولى [النووي، المجموع، ٨ /١٧٢؛ ابن قدامة المقدسي، المغني، ٣ /٢٢٥].

بينما أوجب الحنفية والمالكية دمًا (ذبح شاة) إذا أُخِّر الطواف عن أيام النحر، ومن رجع إلى بلده قبل أدائه لزمه العود إلى مكة والطواف مع لزوم الدم عند التأخير [الكاساني، بدائع الصنائع، ٢ /١٣٣؛ ابن عابدين، حاشية ابن عابدين، ٢ /٥١٨].

فقه التوقيت والضرورة (الحائض والمعذور)

إنَّ الشريعة الإسلامية لم تُقيِّد العبادات بما يُعنِت المكلف، بل جعلت للأوقات سعة، وللضرورات أحكامًا:

  • بداية الوقت: يبتدئ وقت طواف الإفاضة من منتصف ليلة النحر عند الشافعية والحنابلة، وهو الأرفق بحال الضعفة والنساء [المرداوي، الإنصاف، ٩/٢٢٨].
  • طواف الحائض عند العذر والاضطرار: الأصل المقرّر شرعًا، والذي انقطع دونه النزاع، هو حرمة طواف المرأة الحائض إذا كانت قادرة على الانتظار حتى تطهر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة رضي الله عنها: «لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» [البخاري: الصحيح، (٣٠٥)]، وذلك في حال السعة والاختيار.

غير أن الواقع المعاصر وما يكتنفه من ضيق الرحلات وفوات الرفقة قد ينقل المسألة من دائرة الاختيار إلى فضاء الاضطرار، وهو ما تُفصَّل أحكامه وفق الرؤية المذهبية المقارنة:

تكييف النازلة وقواعد التيسير: إذا داهم الحيض المرأة وتعيّن سفرها دون قدرة على الانتظار أو العودة، فإن العمل والفتوى ينعطفان نحو التيسير؛ إعمالًا للقواعد الكلية: (المشقة تجلب التيسير)، و(إذا ضاق الأمر اتسع) [السبكي، الأشباه والنظائر، ١/٤٩]، واستنادًا إلى قوله تعالى: ﴿لَا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].

وقد تجاذب الفقهاء هذه النازلة عند تعذّر الانتظار أو العودة:

  • المالكية: قالوا: يصح طوافها إن استغلت وقت النقاء، أي: انقطاع الدم المؤقت؛ لأن النقاء يُعد طهرًا يصح فيه أداء الركن [الخرشي، شرح الخرشي، ٢/٣٤٣].
  • الشافعية: قالوا: ترحل مع رَفقتها وتبقى على إحرامها، فإذا تعذّرت العودة تتحلّل تحلّل المُحصر بذبح هدي، ويبقى الطواف ركنًا في ذمتها لا يبرأ إلا بأدائه مستقبلًا [ابن حجر الهيتمي، تحفة المحتاج، ٤/٧٤].
  • الحنفية، ورواية عن أحمد: قالوا: يصح طوافها، وتتحلّل به من إحرامها، لكنه طواف ضرورة، ويجب فيه عندهم كفارة بدنة لجبر النقص [ابن نجيم، البحر الرائق، ١/٢٠٧].

ويجوز للمرأة تقليد مذهب من يصحح طوافها كالحنفية، دفعًا للحرج ورفعًا للإثم وصيانةً لعبادتها من البطلان، إعمالًا لقاعدة: (إذا ضاق الأمر اتسع) [الرملي: نهاية المحتاج، ٣/ ٣١٧].

إذًا الأصل هو الطهارة، وعند العجز التام والاضطرار يُعمل بالرخصة تيسيرًا ورحمة، مع مراعاة الجبر بالدم لمن استطاع.

طواف الإفاضة وحكم الاستنابة فيها

الأصل الأصيل في الطواف بالبيت الحرام أنه من العبادات البدنية المحضة التي تتعين على المكلف بنفسه، فلا تدخلها النيابة مع القدرة على الأداء الذاتي، ولو بوسيلة مساعدة كالركوب أو الحمل، ويستند هذا التقرير الفقهي إلى منهج الشريعة في تعظيم شعيرة الطواف، وربطها ببدن الحاج مباشرة؛ لقول سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم للسيدة أم سلمة رضي الله عنها، حين شكت: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» [البخاري: الصحيح: (١٦٣٣)].

ويُفهم من ذلك أن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص لها في توكيل غيرها بالطواف عنها، رغم عذرها، بل أمرها بالطواف وهي راكبة؛ مما يدل على أن الاستنابة في الطواف لا تُتصوَّر إلا عند العجز التام، الذي لا يمكن معه الحضور إلى البيت ولو محمولة.

الخلاصة

يعتبر طواف الإفاضة قلب مناسك الحج وروحه؛ فبه يكتمل النسك وتُمحى التبعات، وقد جاءت الشريعة بأحكامٍ دقيقة تراعي أحوال الحجاج وظروفهم، لتجعل العبادة قائمة على اليسر والرحمة دون إخلالٍ بالأركان.

موضوعات ذات صلة

أهم أحكام طواف الوداع بكل وضوح، لتختم حجك على بصيرة واطمئنان دون حيرة أو خطأ

أهم فتاوى الحج والعمرة وأحكام الإحرام والطواف بطريقة مبسطة تساعدك على أداء المناسك بثقة وطمأنينة

 تتجرد القلوب من كل شاغل، وترتفع الأكفُّ إلى السماء طلبًا للقبول

 إجابات واضحة ومبسطة تقودك خطوة بخطوة نحو أداء النسك على الوجه الصحيح، بثقة وطمأنينة

يمثل الإحسان جوهر الإسلام، فهو يتجاوز الإتقان ليصل إلى أداء العمل بحب