Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

نفي التشابه بين أعمال الحج والوثنية

الكاتب

هيئة التحرير

نفي التشابه بين أعمال الحج والوثنية

بين حقائق التوحيد الخالص، ودعاوى العبث الفكري، تبرز أطروحات متهالكة تزعم امتداد الوثنية في مناسك الحج؛ فما هي الحقائق اللغوية والشرعية الكفيلة بتفكيك هذه الشبهة ودحض تهافتها؟

ضبط مفاهيم ومصطلحات الوثنية والتوحيد

بين الحين والآخر، تُطِلُّ علينا من نافذة العبث الفكري شبهاتٌ تافهة يحاول واضعوها التشويش على العوام، ومنها تلك الأطروحة المتهالكة التي تزعم أن شريعة الحج في الإسلام ـ بما تحويه من طواف، واستقبال للقبلة، وتقبيل للحجر الأسود، ورمي للجمرات ـ هي امتدادٌ للمظاهر الوثنية الجاهلية، أو تقليدٌ لها، وهي شبهة داحضة نسجتها خيالات دعاة الباطل، وتفكيكها علميًّا وعقليًّا يكشف عن بَون شاسع وفارق جوهري بين حقائق التوحيد الخالص، وتهافت الوثنية الجاهلية.

إن المدخل المنهجي الحاسم لرد هذه الشبهة يفرض ابتداءً تحرير المصطلحات، وضبط الفروق الجوهرية بين الفلسفة الوثنية والتوحيد الإسلامي، إذ تتفاوت الأفهام باختلاف دقة التعريف اللغوي والاصطلاحي:

  • المفهوم اللغوي والاشتقاقي للوثن

حتى نفهم المعنى الدقيق لكلمة الوثن، لا بد من إعادتها إلى أصلها اللغوي في المعاجم العربية؛ حيث تُرد كلمة (وَثَنَ) في المعاجم إلى أصل يدل على الملازمة والثبات؛ فالوثَنُ هو المقيم على الشيء الدائم، الثابت على حاله، ومنه: "وثن الحجر بالمكان" إذا أقام وثبت، وتطلق الكلمة عامةً على كل تمثال أو صنم يُعبد من دون الله، والوثن هو التمثال أو الصنم يُعبد، سواء أكان خشبًا أم حجرًا أم نحاسًا أم فضة [راجع: مصطفى إبراهيم، وآخرون: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، دار الدعوة، ٢ / ١٠١٢، الجوهري، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٨٧م، ٦ / ٢٢١٢].

الوثنية اصطلاحًا: هي مذهب عبدة الأوثان، وهي الوعاء المعرفي الذي يحوي الشرك؛ وبناءً عليه تُعرّف الوثنية علميًا بأنها: كل معتقد ديني حادَ عن الإسلام ووقع في الشرك [راجع: المعجم الوسيط، مادة (وثن)، ج٢، ص ١٠١٢].

  • إذًا مفهوم الوثنية

هي اعتقادُ النفعِ والضرِّ الذاتي، أو إسناد شيء من خصائص الألوهية والربوبية لغير الله سبحانه وتعالى، أو التوجه بأنواع العبادات والشعائر الدينية تعظيمًا وتقربًا لذات المخلوق أو الجماد، أو اتخاذ تلك الأوساط والأنصاب وسائط وشفعاء يُلجأ إليها بالخوف والرجاء من دون الله عز وجل.

  • مفهوم التوحيد
  • التوحيد لغة

أصلٌ يدل على الانفراد، والواحد هو المنفرد، والفرد الذي لم يزل ولم يكن معه آخر [ابن فارس: مقاييس اللغة، ٦/ ٩٠؛ ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث، ٥/ ١٥٩]، والواحد من صفات الله أي لا ثاني له، والتوحيد هو الحكم بأن الشيء واحد، والعلم بأنه واحد [ابن منظور: لسان العرب، ٣/ ٤٥١، الجرجاني: التعريفات، ص ٢٣].

  • التوحيد اصطلاحًا

لم ترد لفظة التوحيد نصًا في القرآن، وإنما جاءت بمعناها في ألفاظ: (واحد، أحد، وحده) كقوله تعالى: ﴿وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهࣱ وَٰحِدࣱۖ لَّاۤ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِیمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١].

  • ومن أشهر تعريفات العلماء له:

الدارمي: هو قول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له" [رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي للإمام الدارمي، ص ٦].

الطبري: إخلاص العبادة لله، وتوحيد ربوبيته، وعدم الإشراك به أو اتخاذ ربٍّ دونه [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (٥٥٦/٢)].

  • حقيقة التوحيد في مناسك الحج

في المقابل، فإن المسلم الموحد لا يتوجه بمعاني العبادة القلبية أو العملية إلا لله تعالى وحده، ولا يعتقد في الكعبة أو الأحجار أو سائر المشاعر أنها تملك في ذاتها نفعًا ولا ضَرًّا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فالأماكن والأزمنة في الإسلام إنما هي ظروف وأوعية مادية لإقامة الطاعة بموجب الأمر الإلهي الصِرف، والناس يتوجهون بالعبادة فيها وعندها وليس لها، وبضبط هذا المفهوم ينحلُّ الإشكال بالكلية.

أصالة الحنيفية وتهافت فرية الانتداب والنقل لأعمال الحج من الوثنية

يعمد مروجو الشبهة إلى تزييف التاريخ بادعائهم أن الإسلام اقتبس مناسكه من وثنيي الجاهلية؛ لأن العرب كانوا يطوفون ويسعَون قبل البعثة النبوية، وهذا الطرح يمثل جَهلًا فاضحًا بحقائق التاريخ المقررة:

التاريخ والشرع يثبتان أن شعائر الحج كالطواف والسعي كانت مستقرة عند العرب منذ زمن نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام على صورتها التوحيدية الخالصة؛ إذ أُسس البيت أصلًا لله وحده، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِیمَ مَكَانَ ٱلۡبَیۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِی شَیۡءࣰا وَطَهِّرۡ بَیۡتِیَ لِلطَّاۤئِفِینَ وَٱلۡقَاۤئِمِینَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]: أي ابنهِ على اسمي وحدي، واجعله خالصًا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له [راجع: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر، الرياض، ١٩٩٩م، ٥ / ٤١٢].

  • الطارئ الجاهلي المنحرف

إن الوثنية وعبادة الأصنام كانت انحرافًا طارئًا أدخله عمرو بنُ لُحَيِّ الخُزاعي ُّعلى الحنيفية دين خليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه السلام، فجاء بالأصنام ونصبها حول الكعبة، وحرّف المشركون التلبية الإبراهيمية النظيفة إلى تلبية شركية (إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك)، فالإسلام لم يقلد الجاهلية، بل أزال العارض الباطل واستردَّ الشَّعيرة الأصيلة ونقاها من أدران الشرك [راجع: الأزرقي، أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، دار الثقافة، مكة المكرمة، ١٩٨٣م، ١ / ١٢٠-١٢٤].

  • إبطال مظاهر الشرك والوثنية

عندما دخل حضرة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا، كان أول ما فعله هو تطهير البيت الحرام من ٣٦٠ صنمًا، وتحطيمها بالكامل وهو يتلو: ﴿وَقُلۡ جَاۤءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقࣰا﴾ [الإسراء: ٨١]، ثم أرسل في العام التاسع للهجرة سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه ليؤذِّن في الناس: «أَلَا، لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» [البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان، رقم الحديث ١٦٢٢].

  • شبهة الصفا والمروة

ولما تحرّج المسلمون صدرَ الإسلام من السعي بين الصفا والمروة؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يسعَون بين صنمين هما (إساف ونائلة)، قال أنسُ بنُ مالك : كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة؛ لأنهما كانا من مشاعر قريش في الجاهلية فتركناه في الإسلام، فأنزل الله تعالى هذه الآية لرفع الحرج: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَاۤئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَیۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡهِ أَن یَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ﴾ [البقرة: ١٥٨]، [راجع: الواحدي: أسباب نزول القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩١م، ص ٤٥]، مبيّنًا أن الحق لا يُترك لكون أهل الباطل قد وظَّفوا ظاهره في باطلهم، بل يُباد الباطل (الصنم) وتبقى الشعيرة لله.

الفلسفة التعبدية والمقاصدية للمناسك تنفي دلالة الوثنية

يقسِّم العلماء عبادات الحج إلى أحكامٍ تعبدية مَحضة، شُرعت لاختبار كمال الانقياد والاستسلام للشارع سبحانه، ولهذه المناسك حِكمٌ ومقاصد جليلة:

  • الكعبة والطواف وتوجيه القبلة

إن توجه المسلمين إلى الكعبة في صلاتهم وطوافهم هو امتثال لأمر المشرِّع الذي جعل هذا البيت قِبلة ومحورًا لوحدة الأمة، وليس توجهًا لذات الحجارة، والدليل القطعي على ذلك أن المسلمين صلوا باتجاه المسجد الأقصى فترة طويلة في بداية الإسلام امتثالًا للأمر الإلهي، ثم تحولوا للكعبة امتثالًا له أيضًا، فالمعبد المقصود بالخوف والرجاء هو الله الآمر وحده، وهو مالك الجهات والأماكن كلها: ﴿سَیَقُولُ ٱلسُّفَهَاۤءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِی كَانُوا۟ عَلَیۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ یَهۡدِی مَن یَشَاۤءُ إِلَىٰ صِرَٰطࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ﴾ [البقرة: ١٤٢] [راجع: السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، مؤسسة الرسالة، بيروت، ٢٠٠٠م، ص ٧٠].

  • أما الطواف والسعي ورمي الجمار

فقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم علتها العظمى بقوله: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» [أبو داود: السنن، كتاب المناسك، باب في الرمل، رقم الحديث ١٨٨٨]، فالطائف حركاته بدنية، لكن قلبه ولسانه يفيضان بالذكر والتكبير والدعاء الخالص لله وحده.

  • الحجر الأسود وقاعدة عمر بن الخطاب الذهبية

الحجر الأسود أثر تاريخي إبراهيمي، جُعل ليكون مَبدأ الطواف ومنتهاه؛ لضبط نظام الحركة الجماهيرية الهائلة، وتقبيله عبادةٌ أساسها محض الاتباع لحضرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قطع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الطريق تمامًا على أي فكر وثني عارض حين قال كلمته الشهيرة أمام الحجر: "إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ" [البخاري: الصحيح، رقم ١٥٩٧].

يقول الحافظ ابن حجرٍ العسقلاني تعقيبًا على كلام سيدنا عمر: قال الطبري: "إنما قال ذلك عمر؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام؛ فخشي عمر أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية؛ فأراد أن يُعلِّم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا لأن الحجر ينفع ويضر بذاته كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان"، وقال المحب الطبري: "معناه أن كل ملِك إذا قدم عليه الوافد قبل يمينه، فلما كان الحاج أول ما يقدم يسن له تقبيله نزل منزلة يمين الملِك، ولله المثل الأعلى" [راجع: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، دار المعرفة، بيروت، ١٣٧٩هـ، ٣ / ٤٦٣].

ويؤكد القاضي عياض المعنى ذاته بقوله: فيه أن تقبيله الحجر ليس عبادة له، بل لله تعالى؛ بامتثال أمره فيه، كأمره بسجود الملائكة لآدم، وشُرع مع ذلك التكبير للناس إظهارًا أْن ذلك الفعل تذللًا له لا لغيره [راجع: القاضي عياض، إكمال المعلم بفوائد مسلم، ط١، دار الوفاء، المنصورة، ١٩٩٨م، ٤ / ٣٤٥].

  • رمي الجمرات والمشاكلة الرمزية لعداوة الشيطان

إن رمي الجمار في مناسك الحج يُعد استحضارًا تذكاريًا ورمزيًا لموقف خليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه السلام حين عرض له إبليس عند جمرات العقبة ليصدَّه عن طاعة ربه والامتثال لرؤياه، فرماه بالحجارة إهانةً له ودحرًا لغوايته، وبناءً عليه، فالرامي الموحِّد لا يرمي شخَصًا أو نُصبًا يعتقده، بل يرمي موضعًا تاريخيًا رَجَم فيه الخليلُ إبليسَ؛ حيث يأتي الرمي مصحوبًا بالتكبير (الله أكبر) إعلانًا للتبرؤ من الشيطان، وإحياءً لعداوته المقررة قرآنيًا، وتحقيقًا للعبودية الخالصة لله عز وجل قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلشَّیۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوࣱّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ﴾ [فاطر: ٦].

ويوضح الإمام: أبو حامد الغزالي الأثر النفسي والتعَبّدي لرمي الجمار فيقول: "وأما رمي الجمار فليقصد به الانقياد للأمر إظهارًا للرق والعبودية، وانتهاضًا لمجرد الامتثال من غير حظ للعقل والنفس في ذلك... واعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى إلى العقبة، وفي الحقيقة ترمي به وجه الشيطان، وتقصم به ظهره؛ إذ لا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله سبحانه وتعالى تعظيمًا له بمجرد الأمر" [راجع: الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، د.ت، ١ / ٢٧٠].

تفكيك الاستدلال بالمشابهة المادية

يرتكز طرح هذه الشبه على مغالطة منطقية قائمة على قياس مادي فاسد يجمع بين مناسك الحج وأفعال الوثنية؛ لكون الطرفين يتعاملان مع الحجارة والأماكن، ويردُّ على هذا التهافت العقلي من عدة أوجه:

  • المقارنة بالرموز الإنسانية الحديثة

إن تعظيم الآثار والشعائر والرموز بغير قصد العبادة أمر مستقر ومتعارف عليه لدى جميع الأمم المعاصرة؛ فأشد الناس مادية وعلمنة يقفون بجلال واحترامٍ أمام النُّصُب التذكاري للجندي المجهول، ويؤدون التحية العسكرية لقطعة قماش ملونة تُسمى العلم الوطني، وتوضع رموزها في الأوراق الرسمية والمحافل الدولية، ولا يخطر ببال عاقل على وجه الأرض أن هذه الشعوب تعبد الرخام، أو تؤلِّه القماش؛ لأن الجميع يدرك الفارق بين الاحترام الرمزي للقيمة، وبين العبادة الوثنية لذات المادة، فلماذا يُقبَل هذا عقليًا في السياسة والوطنيات، ويُرمى بالوثنية في شريعة رب السماوات والأرض؟!

  • التحفظ الفقهي الصارم وسد ذرائع الشرك

إن من أعظم الأدلة على حسم الإسلام لمادة الوثنية، حصرُ الفقهاء مشروعيةَ القصد التعبدي لعوام الناس في استلام وتقبيل الحجر الأسود والركن اليماني دون سواهما؛ وفي هذا الإطار التعبدي يقرر الفقيه ابنُ حجرٍ الهيتمي: "ولا يُقبِّل الركنين الشاميين ولا يستلمهما"؛ للاتباع، ومن ثم قال الشافعي رضي الله عنه وأي البيت قبَّل فحسَن، غير أنا نؤمر بالاتباع، واستفيد من قوله: "غير... إلى آخره" أن مراده بالحسن هنا المباح [راجع: الهيتمي، تحفة المحتاج في شرح المنهاج، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ١٩٨٣م، ٤ / ٨٦]، فهذا التضييق والمنع الصارم يقطع بأن المسألة انقياد للشرع لا هوس مادي بالأحجار والبقاع.

مقاصد التوحيد العظمى ومحاربة الطبقية الوثنية في الحج

تتجلَّى حقيقة الحج كأكبر تظاهرة توحيدية عملية في تاريخ البشرية تهدِم كلَّ أشكال الوثنيات القديمة والحديثة:

  • هدم وثنية الطبقية والعرقية

في الحج، يتجرد الإنسان من زينة الدنيا وملابسه المخيطة التي ترمُز لطبقيته، وثروته، وجنسيته، ليرتدي الجميع ملابس الإحرام البيضاء البسيطة المماثلة للأكفان، فيقف الملِك بجانب الصعلوك، والوزيرُ بجوار الأجير، والأبيضُ بجانب الأسود، في صعيد واحد (عرفاتٍ) يرجون ربًّا واحدًا، مما يحقق المساواة والعبودية التامة لله، ويقضي على أصنام القومية والعنصرية.

  • التلبية التوحيدية الخالصة

في الوقت الذي يلهج فيه الوثنيون بأسماء أصنامهم، يصدَح ملايين الحجيج في وقت واحد بهتاف التوحيد: «لَبَّيكَ اللَّهمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لا شَريكَ لكَ لَبَّيكَ، إنَّ الحَمدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلكَ، لا شَريكَ لكَ» [مسلم: الصحيح،١١٨٤]، وهذا بحدِّ ذاته إعلان براءة يومي متكرر من كل نِدٍّ أو شريك أو وثن.

الخلاصة

شريعة الحج تمثل الذِّروة العليا للانقياد والتوحيد الإسلامي الصافي؛ حيث ينحلُّ وهْمُ المشابهة الظاهرية بالأحجار أمام يقين المقاصد والنيات، لتظلَّ المناسك عبادةً خالصةً لربِّ البيت، لا لذات البيت.

موضوعات ذات صلة

لقد أظلنا وإياكم زمان شريف، ووقت لطيف، وميقات مقدر، جعل الله تعالى فيه خير أيام الدنيا على الإطلاق

الحجُّ معراجٌ لا يُقطع بحدوِ الركائب، بل بصدقِ الرغائب

تبدأ رحلتك إلى الحج أو العمرة بخطوات صحيحة تضمن القبول

كان الحجاج يتنقلون عبر الصحاري الشاسعة دون طائرات أو سيارات

بقيت في شبه الجزيرة العربية جذور توحيدية ممتدة لدعوة إبراهيم - عليه السلام