Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

بقايا الحنيفية في شبه الجزيرة العربية

الكاتب

هيئة التحرير

بقايا الحنيفية في شبه الجزيرة العربية

كيف كان المشهد العقدي في شبه الجزيرة العربية قبل البعثة النبوية، وما دور "الحنيفية" ورجالها في ذلك؟

لم تكن شبه الجزيرة العربية تعيش ظلامًا عقديًّا تامًا؛ بل بقيت فيها جذور توحيدية ممتدة لدعوة إبراهيم - عليه السلام - عُرفت بـ "الحنيفية"، وقد مثلت هذه الملة ملاذًا لثلة من الرجال ذوي الفطرة النقية الذين رفضوا الشرك واعتزلوا مجتمعاتهم بحثًا عن الدين الحق، ليُشكلوا بذلك تمهيدًا ربانيًا لاستقبال الوحي الخاتم. 

مفهوم الحنيفية (لغةً واصطلاحًا)

لغةً: مأخوذة من "الحَنَف"، وهو الميل، يُقال: تحنّف فلان؛ أي مال عن الضلال إلى الاستقامة، والحَنِيفُ: المُسْلِمُ الَّذِي يَتَحَنَّفُ عَنِ الأَدْيانِ أَي يَمِيلُ إِلَى الْحَقِّ [لسان العرب، ابن منظور].

اصطلاحًا: هي ملة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - القائمة على إفراد الله - عز وجل - بالعبادة، والبراءة من الشرك والأوثان، والالتزام بالفطرة السوية، وقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى جليًا في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبۡرَٰهِیمُ یَهُودِیࣰّا وَلَا نَصۡرَانِیࣰّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِیفࣰا مُّسۡلِمࣰا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ﴾ [سورة آل عمران: ٦٧].

سمات الحنفاء ومنهجهم العقدي

لم يكن الحنفاء مجرد أفراد رافضين للواقع، بل أصحاب منهج عقدي وأخلاقي تميز بعدة سمات:

١.    رفض الشرك والوثنية: تحريم السجود للأصنام، والامتناع التام عن أكل ما ذُبح على النُصب تقربًا للآلهة المزعومة.

٢.    تعظيم شعائر الله: الحفاظ على تعظيم الكعبة، والطواف بها، وأداء مناسك الحج على ما بقي من شعائر سيدنا إبراهيم - عليه السلام.

٣.    السمو الأخلاقي: محاربة العادات الجاهلية الذميمة، وعلى رأسها وأد البنات، وتحريم شرب الخمر، والالتزام بالصدق والعفاف.

٤.    التأمل والاعتزال (التحنث): الخلوة للتفكر في ملكوت السماوات والأرض بحثًا عن الخالق، وهو ما عُرف بالتحنث، والذي مارسه النبي -  - في غار حراء قبل البعثة.

نماذج تاريخية بارزة للحنفاء

- زيد بن عمرو بن نفيل: يُعد زيدُ بن عمرو النموذج الأوفى للحنيفية في مكة؛ فقد رفض عبادة الأصنام رفضًا قاطعًا، وخرج إلى الشام سعيًا وراء الدين الحق، فلما عرضت عليه اليهودية والنصرانية لم يجد فيهما بغيته لما طالهما من تحريف، فأهتدى إلى دين سيدنا إبراهيم - عليه السلام.

فقد ورد عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ، يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ وَيَتْبَعُهُ، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ الْيَهُودِ فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ، فَقَالَ: "إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ فَأَخْبِرْنِي"، فَقَالَ: "لَا تَكُونُ عَلَى دِينِنَا، حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللهِ"، قَالَ زَيْدٌ: "مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللهِ، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ؟ فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟" قَالَ: "مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا"، قَالَ زَيْدٌ: "وَمَا الْحَنِيفُ؟" قَالَ: "دِينُ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللهَ". فَخَرَجَ زَيْدٌ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ النَّصَارَى فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَقَالَ: "لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللهِ"، قَالَ: "مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ لَعْنَةِ اللهِ، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللهِ، وَلَا مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُ، فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ" قَالَ: "مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا"، قَالَ: "وَمَا الْحَنِيفُ؟" قَالَ: "دِينُ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللهَ". فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ - عليه السلام - خَرَجَ، فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ". [صحيح البخاري: (٣٨٢٧)]

موقفه العقدي:

لم يتوقف الموقف العقدي لزيد بن عمرو بن نفيل عند مجرد الاعتزال القلبي للشرك، بل تحول إلى مواجهة صريحة وصدع بالحق في أقدس بقاع مكة، فقد أثمر يقينه بدين إبراهيم الخليل واقعًا عمليًّا تجلى في إنكار ضلالات قريش العقائدية، والتصدي لأبشع جرائمهم الجاهلية، ليكون التوحيد عنده مقرونًا برحمة عظيمة، فعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنها - قَالَتْ: رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَائِمًا، مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، يَقُولُ: "يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ، وَاللهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي"، وَكَانَ يُحْيِي المَوْؤُودَةَ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ: لَا تَقْتُلْهَا، أَنَا أَكْفِيكَهَا مَئُونَتَهَا، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ، قَالَ لِأَبِيهَا: "إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ، وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَئُونَتَهَا". [صحيح البخاري: (٣٨٢٨)]

مكانته: ورد عن سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ رضي الله عنه أنه قال: "يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبِي كَانَ كَمَا قَدْ رَأَيْتَ وَبَلَغَكَ، وَلَوْ أَدْرَكَكَ لآمَنَ بِكَ وَاتَّبَعَكَ، فَاسْتَغْفِرْ لَهُ" قَالَ: «نَعَمْ، فَأَسْتَغْفِرُ لَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ». [مسند أحمد: (١٦٤٨)]

٢- ورقة بن نوفل: رجل من أشراف قريش، اعتزل عبادة الأوثان مبكرًا، واعتنق النصرانية، وتعلم اللغة العبرانية، فكان يقرأ الكتب السماوية قراءةً متعمقة.

دوره في فجر الإسلام: شكّل ورقة مرجعية عقدية مهمة عند نزول الوحي؛ حيث طمأن النبي - ﷺ - وصدّقه، مدركًا أن ما جاءه هو امتداد لسلسلة النبوات، قائلًا مقولته الخالدة: "هذا النَّامُوسُ الذي نَزَّلَ اللَّهُ علَى مُوسَى، يا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أكُونُ حَيًّا إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ" [متفق عليه].

٣- قس بن ساعدة الإيادي: كان من أساقفة نجران وحكماء العرب، واشتهر بخطبه التي تدعو إلى التوحيد ونبذ الأصنام، والتفكر في الموت والبعث والحساب.

أثره: استمع له النبي - ﷺ - قبل البعثة في سوق عكاظ وهو يخطب خطبته الشهيرة التي مطلعها: "أَيُّهَا النَّاسُ، اجْتَمِعُوا وَاسْمَعُوا وَعُوا، مَنْ عَاشَ مَاتَ، وَمَنْ مَاتَ فَاتَ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ، إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَرَا، وَإِنَّ فِي الْأَرْضِ لَعِبَرًا..."[الأحاديث الطوال للطبراني: (٢٢)].

الأهمية العقدية لظاهرة الحنيفية

١.    إقامة الحجة: وجود الحنفاء كان دليلًا قاطعًا على أن الفطرة الإنسانية قادرة على تمييز الحق من الباطل، وأن البيئة الفاسدة ليست عذرًا مانعًا من إدراك التوحيد.

٢.    التمهيد للبعثة المحمدية: هيأ الحنفاء العقل المكي جزئيًا لتقبل فكرة التوحيد ورفض الأصنام، مما جعل دعوة النبي - ﷺ - غير غريبة تمامًا على أسماع قريش.

٣.    تأكيد وحدة المصدر: إثبات أن الإسلام ليس بدعًا من الأديان، بل هو الامتداد الطبيعي والكامل لدين سيدنا إبراهيم الخليل - عليه السلام - وتصديقًا لما جاءت به الرسل.

مراجع للاستزادة:

  1. صحيح البخاري.
  2. صحيح مسلم.
  3.  مسند أحمد.
  4.  الأحاديث الطوال للطبراني.
  5.  لسان العرب، ابن منظور.
  6.  السيرة النبوية، عبد الملك بن هشام.

البداية والنهاية، ابن كثير، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، ١٩٨٨م.

الخلاصة

إن دراسة سيرة الحنفاء لا تعتبر سردًا تاريخيًا فحسب، بل هي دراسة في "فقه الفطرة"، تثبت أن نور التوحيد لم ينطفئ قط من الأرض.

لقد شكل هؤلاء الرجال صفوة الإنسانية في عصرهم، وحافظوا على الجذوة الإبراهيمية متقدةً، حتى جاء الإسلام فزادها نورًا على نور، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿قُلۡ إِنَّنِی هَدَىٰنِی رَبِّیۤ إِلَىٰ صِرَٰطࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ دِینࣰا قِیَمࣰا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِیمَ حَنِیفࣰاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ﴾ [سورة الأنعام: ١٦١].

موضوعات ذات صلة

الإسلام: شريعة عالمية وخضوع مطلق لخالق الكون.

الفطرة: خلقة التوحيد وجوهر دين الإسلام الخالص.

الدين: فطرة الخضوع لله طاعة وعبادة وتقديسًا.

موضوعات مختارة