إن هذه الحقائق تجعلنا نذهب إلى أن هناك لغة مقدسة، ولكن هذه اللغة
المقدسة يجب الحفاظ عليها في حدود النص المقدس، حيث نحتاج إليه، وفي حدود أدوات
فهمه على مستوى ألفاظه ومعانيه، وعلى مستوى تركيباته ودلالاتها المختلفة، وعلى
مستوى سياقه أيضا، وأن تطوير اللغة وارد، ولكن بصورة لا تفقدنا الاتصال بالتراكم
المعرفي التراثي من ناحية، وأن تكون وعاءً قادرًا على انطلاق الفكر بكل جوانبه
العلمي، والحسي، والتجريبي، وحتى الفكر الفلسفي، وإعمال العقل ليبقى الإنسان إنسانًا يقوم
بواجبه من عبادة الله، وعمارة الأرض، وتزكية النفس، وأن هذا التغير يجب ألا يمس
أيضًا ثوابت البشر، وأن يكون في سعته متسقًا مع الاتساع الطبعي الذي هو من سنن
الله في كونه، ﴿سَنُرِیهِمۡ ءَایَٰتِنَا
فِی ٱلۡءَافَاقِ وَفِیۤ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ یَتَبَیَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ
ٱلۡحَقُّۗ﴾
[فصلت: ٥٣].
ولا بد أن نعي أيضا أثناء عملية
الاتساع مآلات المدارس المتطرفة لما بعد الحداثة، التي انتشرت في عصرنا، وغايتها
لا تتفق مع رؤيتنا للعالم، ولا مع مقررات ديننا وأسس حضارتنا وتاريخنا، وأن يكون
تعاملنا مع اللغة بناء لا هدم في.
وهذه
الحقائق أيضا تجعلنا نذهب إلى عدم قدسية اللغة، وأن هناك فارقًا كبيرًا بين اللغة
المقدسة التي يجب الحفاظ عليها من أجل فهم النص، وبين قدسية اللغة التي تمنع من
اتساعها وقيامها بواجب عصرها وزمانها، ويذكرنا هذا الفرق بقصيدة حافظ إبراهيم في
شأن اللغة، حيث يقول وهو يعرف قدرتها على البقاء ومسايرة التطور:
رَجَعتُ لِنَفسي فَاِتَّهَمتُ حَصاتي ** وَنادَيتُ قَومي فَاحتَسَبتُ
حَياتي
رَمَوني بِعُقمٍ في الشَبابِ وَلَيتَني ** عَقِمتُ فَلَم أَجزَع
لِقَولِ عُداتي
وَلَدتُ وَلَمّا لَم أَجِد لِعَرائِسي ** رِجالًا وَأَكفاءً وَأَدتُ بَناتي
وَسِعتُ كِتابَ اللَهِ لَفظًا وَغايَةً ** وَما ضِقتُ عَن آيٍ بِهِ وَعِظاتِ
فَكَيفَ أَضيقُ اليَومَ عَن وَصفِ آلَةٍ ** وَتَنسيقِ أَسماءٍ لِمُختَرَعاتِ