Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

العيد فرصة لتصفية القلوب وإصلاح ذات البين

الكاتب

هيئة التحرير

العيد فرصة لتصفية القلوب وإصلاح ذات البين

هل يمكن أن يكون العيد بداية حقيقية لطيّ صفحات الخصام وبناء جسور المحبة؟

إن العيد في الإسلام ليس مجرد فرحٍ ظاهر، بل هو فرصة ربانية لتصفية القلوب، وإحياء قيمة عظيمة هي "إصلاح ذات البين"، التي تُعيد للمجتمع تماسكه، وللإنسان سكينته.

العيد والقلوب زينة ظاهرة وزينة باطنة

العيد في الإسلام ليس مجرد بهجة تظهر في الأجساد والملابس، ولا هو مجرد إجازة من العمل أو موسمًا للولائم والأطعمة، إنه في جوهره طقس ربَّاني، ومدرسة روحانية وأخلاقية، وعبادة متكاملة، العيد فرصة عظيمة ليتأمل المؤمن حاله مع نفسه، ومع ربه، ومع إخوانه، إنه وقت لتصفية القلوب مما علق بها من شوائب الغل والحقد والحسد، ووقت لمد جسور المحبة وصلة الرحالعيد في الإسلام ليس مجرد بهجة تظهر في الأجساد والملابس، ولا هو مجرد إجازة من العمل أو موسمًا للولائم والأطعمة، إنه في جوهره طقس ربَّاني، ومدرسة روحانية وأخلاقية، وعبادة متكاملة، العيد فرصة عظيمة ليتأمل المؤمن حاله مع نفسه، ومع ربه، ومع إخوانه، إنه وقت لتصفية القلوب مما علق بها من شوائب الغل والحقد والحسد، ووقت لمد جسور المحبة وصلة الرحم.

فالله تعالى أمرنا بالزينة عند كل مسجد، فقال - تعالى -: ﴿یَٰبَنِیۤ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِینَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ [الأعراف: ٣١].

يقول الإمام القرطبي - رحمه الله - في تفسير هذه الآية: "أمرهم بالزينة عند كل مسجد، وأفضل زينة المؤمن هي زينة التقوى في القلب" [انظر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، (٤ /٢١٥)]، فكما نطهِّر أبداننا، ونلبس أجمل الثياب، يجب أن نطهِّر قلوبنا من الغل والحقد، ونتزين بخلق التسامح والعفو، العيد هو فرصة لتكون زينتك "تقوى الله" في قلبك، لا "ألوان الموضة" على جسدك.

مفهوم إصلاح ذات البين

الإصلاح في اللغة: نقيض الإفساد، وأصلح الشيء بعد فساده أي أقامه [انظر: "لسان العرب"، مادة "صلح"]، و"ذات" بمعنى صاحبة، فمعنى "ذات البين" أي: صاحبة البين.

و"البين" في كلام العرب جاء على وجهين: يكون بمعنى الفرقة، ويكون بمعنى الوصل، وهو من الأضداد، قال - تعالى -: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَیۡنَكُمۡ﴾ [الأنعام: ٩٤]، أي: لقد تقطع وصلكم، أو ما بينكم [انظر: "لسان العرب"، مادة "بين"].

فمعنى إصلاح ذات البين: إصلاح الأحوال والعلاقات بين الناس، أي: إصلاح ما فسد منها، والعمل على وصلها وعدم قطعها، فهو سعي نبيل لمد الجسور بين القلوب المتصدِّعة، وإطفاء نيران الفتنة بين النفوس المتخاصمة، وفي العيد، تتضاعف الحاجة إلى هذا الإصلاح، فالنفوس تتجه إلى الله، والقلوب تتجه إلى اللقاء، فأي فرصة أعظم من العيد لمد جسور المحبة؟

حكم إصلاح ذات البين

إصلاح ذات البين من أوجب الواجبات على المسلمين فيما بينهم، قال - تعالى -: ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُوا۟ ذَاتَ بَیۡنِكُمۡۖ وَأَطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۤ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ﴾ [الأنفال: ١]، فأمر الله - عز وجل - بتقواه، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله، والأمر في هذا واجب.

وقد اكتنف الأمرَ بإصلاح ذات البين الأمرُ بتقوى الله وطاعته ورسوله، للدلالة على أن الإصلاح من تقوى الله وطاعته ورسوله، وبيَّن أن ذلك كله من شرط الإيمان بقوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ﴾، يقول العلامة ابن عاشور - رحمه الله - في "التحرير والتنوير": "فَمَعْنَى الشَّرْطِ بَعْدَ تِلْكَ الْجُمَلِ الْإِنْشَائِيَّةِ: إِنَّا أَمَرْنَاكُمْ بِمَا ذُكِرَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، لِأَنَّا لَا نَأْمُرُ بِذَلِكَ غَيْرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا إِلْهَابٌ لِنُفُوسِهِمْ عَلَى الِامْتِثَالِ، لِظُهُورِ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فَلَا تَتَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ " [ابن عاشور، "التحرير والتنوير"، (٩/٢٥٤)]، والعيد هو أجلّ مواسم الألفة والجماعة، فاجعل منه فرصة لإصلاح ما فسد من العلاقات.

وهذا الحكم واجب على الكفاية، فإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وفي العيد، تتأكد هذه المسؤولية، فالنفوس في موسم الطاعات أشدُّ استعدادًا للقبول والإقبال.

فضل إصلاح ذات البين

إصلاح ذات البين من خير الأعمال وأفضلها، وأعظمها أجرًا، فقد تكفل الله - عز وجل - للساعين به بالأجر العظيم والرحمة، ووعدهم بالنجاة والسلامة من الهلاك.

قال - تعالى -: ﴿لَّا خَیۡرَ فِی كَثِیرࣲ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَیۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن یَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِیهِ أَجۡرًا عَظِیمࣰا﴾ [النساء: ١١٤].

وقال -تعالى -: ﴿فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال -تعالى -: ﴿إِنَّا لَا نُضِیعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِینَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]، وقال - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِیُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمࣲ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]، وهو أفضل من نوافل العبادات؛ من الصلاة والصيام والصدقة ونحو ذلك، فعن سيدنا أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال الحبيب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -«أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» [أخرجه الترمذي (٢٥٠٩)، وقال: حديث حسن صحيح].

وعن سيدنا أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم-«كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ النَّاسِ صَدَقَةٌ» [صحيح البخاري :(٢٧٠٧)].

الحبيب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم نموذج في السعي للإصلاح

كان الحبيب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بنفسه يسعى للإصلاح بين الناس، ويجعل من نفسه قدوة عملية في هذا المجال.

فعن سيدنا سهل بن سعد - رضي الله عنه - أن أهل قُباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأُخبِر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم – بذلك، فقال: «اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ» [رواه البخاري في الصلح :(٢٦٩٣)]، فهو - صلى الله عليه وآله وسلم - لم ينتظر أن يُطلب منه، بل بادر بنفسه للسعي في الإصلاح.

وقد أثنى - صلى الله عليه وآله وسلم - على سيدنا الحسن بن علي - رضي الله عنهما - بقوله: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» [رواه البخاري: (٢٧٠٤)].

ولهذا جعل الإسلام نصيبًا من الزكاة للغارمين، وهم كلُّ من يتحمل غرامة لإصلاح ذات البين بين المسلمين، أو إصلاح نفسه، كما أحلَّ المسألة لمن تحمَّل حَمالةً لأجل الإصلاح بين الناس، قال - صلى الله عليه وآله وسلم -«إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ» [رواه مسلم: (١٠٤٤)].

كما أباح الإسلام الكذب لأجل الصلح، قال - صلى الله عليه وآله وسلم-: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا» [رواه البخاري: (٢٦٩٢)].

أقوال العلماء والحكماء في فضل الإصلاح

قال الإمام ابن حجر الهيتمي - رحمه الله -: "إصلاح ذات البين من أجلِّ القربات، وأفضل الطاعات، لما فيه من جمع الكلمة، وائتلاف القلوب، ودفع أسباب التنازع والاختلاف" [ابن حجر الهيتمي، الفتاوى الحديثية، ص ١٨٧].

وقال الشاعر:

إن الفضائلَ كلَّها لو جُمِّعت * * * رَجَعَتْ بجُملتِها إلى شيئينِ

تعظيمِ ذاتِ اللهِ جل جلاله * * * والسعيِ في إصلاحِ ذاتِ البَينِ

[انظر: روض الأخيار، المنتخب من ربيع الأبرار، لمحيي الدين ابن الخطيب، ص ٢٥٦].

الدروس المستفادة

  • العيد ليس بهجة الجسد بالثوب الجديد، بل فرحةُ القلب بثوب التسامح والعفو عن الآخرين.
  • إصلاح ذات البين مأمور به في الشرع، وليس أمرًا ثانويًّا، بل هو من أجلِّ القربات للمسلمين جميعًا.
  • فضل إصلاح ذات البين عظيم، فهو أفضل من نوافل الصيام، والصلاة، والصدقة.
  • الحبيب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان نموذجًا عمليًا في السعي للإصلاح، وكان يبادر بنفسه لإنهاء الخلافات.
  • الإسلام أباح الكذب في مواضع الإصلاح بين الناس، وأجاز المسألة لمن تحمل حمالة لإصلاح ذات البين.
  • في العيد، تتضاعف الحاجة إلى الإصلاح، فالنفوس مُقبلة على الطاعة، والقلوب متوجِّهة إلى الله.

سؤال وجواب

س: ما الفرق بين "إصلاح ذات البين" و"صلة الرحم"؟

ج: صلة الرحم خاصة بالأقارب والأرحام، أما إصلاح ذات البين فهو أعم، ويشمل الإصلاح بين جميع الناس، سواء كانوا أقارب أو لا.

س: هل يجوز الكذب في الإصلاح بين الناس؟

ج: نعم، أباح الإسلام الكذب من أجل الإصلاح بين الناس، وكذا بين الزوجين، وفي الحرب، كما في حديث أم كلثوم بنت عقبة - رضي الله عنها - [رواه البخاري ومسلم].

س: كيف أبدأ في إصلاح ذات البين في العيد؟

ج: ابدأ بنفسك: سامِحْ من أساء إليك، وتواصَلْ مع من هجرك، وأرسل رسائل التهنئة والصلح للمتخاصمِين، واجعل العيد فرصة لمد جسور المحبة.

الخلاصة

يبقى العيد فرصة ذهبية لإحياء قيمة إصلاح ذات البين، حيث تتجدد القلوب، وتُمحى آثار الخصام، ليعود المجتمع أكثر تماسكًا ورحمة، ويظفر المصلحون بأجر عظيم في الدنيا والآخرة.

موضوعات ذات صلة

 إن إصلاح ذات البين ليس خيارًا ثانويًا، بل هو صمام أمان للأمة

كيف نعيش فرحة العيد كما أرادها الإسلام… فرحًا راشدًا لا يُفسد القلوب ولا يُرهق الجيوب؟

العيد ثوبًا جديدًا مظهرًا عابرًا، ولحظة صفاء تُعيد ترتيب القلوب

 العيدان في الإسلام – الفطر والأضحى – شعيرتان عظيمتان

خطبة عيد الفطر يومُ الجائزةِ

موضوعات مختارة