وهنا موضع الدقة في هذا الباب؛ فكثيرًا
ما يختلط الأمر على الناس، فيظنون أن كثرة الشراء هي عين الفرح بالعيد؛ فلنقف قليلًا
مع مفهومين متقابلين:
أولًا: الفرح المشروع: هو الفرح الذي ينطلق من القلب شكرًا لله
تعالى، فيظهر أثره على الجوارح طاعةً وانشراحًا، وينعكس على الأسرة توددًا وصلةً، ويكون
إنفاقه في حدود المعروف، دون تكلفٍ أو استدانة، وقصده إدخال السرور مع الحفاظ على التوازن
المالي والكرامة.
وهذا النوع من الفرح هو الذي أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡیَفۡرَحُوا۟ هُوَ
خَیۡرࣱ مِّمَّا یَجۡمَعُونَ﴾ [يونس:
٥٨].
ثانيًّا:
الإسراف المذموم: هو الإنفاق فوق الحاجة، أو فوق القدرة
المالية، أو في وجوه محرمة، قال تعالى: ﴿یَٰبَنِیۤ ءَادَمَ خُذُوا۟
زِینَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤاۚ
إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ [الأعراف: ٣١]
والإسراف يؤدي إلى
آثار سلبية متعددة؛ كالدخول في الديون، ووقوع الحسد بين الناس، وتعويد الأبناء على
التبذير، وتحويل العيد من عبادة وشكر إلى مظاهر استعراض ومباهاة.
وقد قال النبي صلى
الله عليه وآله وسلم: «كُلْ،
وَاشْرَبْ، وَالْبَسْ، وَتَصَدَّقْ فِي غَيْرِ سَرَفٍ، وَلَا مَخِيلَةٍ» [رواه
البيهقي في شعب الإيمان (٦١٥٢)]، ومعنى
ذلك أن التبذير مذموم، لما فيه من إفساد النعمة والخروج عن حد الاعتدال.
قال الإمام النووي
رحمه الله: " قَالَ الْعُلَمَاء: معناه أَنَّ مَا زَادَ
عَلَى الْحَاجَة فَاِتِّخَاذه إِنَّمَا هُوَ لِلْمُبَاهَاةِ وَالِاخْتِيَال
وَالِالْتِهَاء بِزِينَةِ الدُّنْيَا، وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَة فَهُوَ
مَذْمُوم، وَكُلّ مَذْمُوم يُضَاف إِلَى الشَّيْطَان؛ لِأَنَّهُ يَرْتَضِيه،
وَيُوَسْوِس بِهِ، وَيُحَسِّنهُ، وَيُسَاعِد عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ عَلَى
ظَاهِره، وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ لِغَيْرِ حَاجَة" [النووي،
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ١٤ /٥٩].