كانت هناك بعض القواعد الحاكمة لبعثات هؤلاء المصدقين:
لم تكن الثقة في الصحابة تمنع من إرساء نظام المحاسبة المالية؛ فقد
كان سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم يستوفي على العمال ويحقق في المصروفات
والمقبوضات، وتعد قصة (ابن الأتبية) تأصيلًا نبويًا لمبدأ (من أين لك هذا؟)،
حيث أنكر سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم قبول العامل للهدايا أثناء وظيفته
لئلا تكون ذريعة للرشوة أو المحاباة، ففي الحديث الشريف: "أنَّ النَّبيَّ صلَّى
اللهُ عليه وسلَّم استَعمَلَ ابنَ اللُّتْبيَّةِ على صَدَقاتِ بَني سُلَيمٍ،
فلَمَّا جاءَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وحاسَبَه، قال: هذا
الذي لَكُم، وهذه هَديَّةٌ أُهديَت لي، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه
وسلَّم: «فهَلَّا جَلَستَ في بَيتِ أبيك وبَيتِ أُمِّك حتَّى تَأتيَك هَديَّتُك إن
كُنتَ صادِقًا!» ثُمَّ قامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
فخَطَبَ النَّاسَ وحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه، ثُمَّ قال: «أمَّا بَعدُ، فإنِّي
أستَعمِلُ رِجالًا منكم على أُمورٍ ممَّا ولَّاني اللهُ، فيَأتي أحَدُكُم فيَقولُ:
هذا لَكُم، وهذه هَديَّةٌ أُهديَت لي، فهَلَّا جَلَسَ في بَيتِ أبيه وبَيتِ أُمِّه
حتَّى تَأتيَه هَديَّتُه إن كان صادِقًا! فواللهِ لا يَأخُذُ أحَدُكُم مِنها شيئًا»
[البخاري:
الصحيح، كتاب الأحكام، باب محاسبة الإمام عماله، (٧١٩٧)].
أرسى النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ المحاسبة العلنية في قصة ابن
اللتبية لتأصيل الشفافية والزجر العام ضد استغلال المناصب لتحقيق مكاسب شخصية
تحت مسمى الهدايا، وبناءً على ذلك، قرر الفقهاء عدم اشتراط نصيب ثابت للعامل، بل
يُقدر أجره باجتهاد الإمام وفق جهده وكفايته؛ ضمانًا للعدل وصيانةً لأموال الزكاة [راجع شرح ابن بطال: ٦ /١٠٥]
- التوازن التشريعي وحماية الرعية
رسم سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم علاقة متوازنة بين الجابي
والمكلف؛ فأمر المصدقين بالرفق، وفي المقابل أمر الرعية بإرضاء المصدقين، وبذل
الواجب لهم دون تذمر، وذلك لقطع الطريق على النزاعات وتأليف القلوب، وضمان وصول حق
الفقراء في سلاسة، ففي الهدي النبوي الشريف: " جاءَ ناسٌ يَعني منَ الأعرابِ إلى رسولِ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ
علَيهِ وسلَّمَ - فقالوا إنَّ ناسًا منَ المُصدِّقينَ يأتونا فيَظلِمونا قالَ فقال:
«أرضوا مُصدِّقيكُم قالوا يا رَسولَ اللَّهِ وإن ظَلَمونا قالَ أَرضوا مُصدِّقيكم»
[مسلم: الصحيح، كتاب الزكاة، باب إرضاء السعاة، (٩٨٩)].
وهو المقصد الأخلاقي الذي يراعي فقه الواقع؛ فالمطلوب هو ما طابت به
نفوس الناس، وما فضل عن حاجتهم الأصلية دون إعنات أو إرهاق مالي، خاصة في تلك
المرحلة التي تلت الفتوحات الكبرى (حنين والطائف) عملًا بقوله صلى الله عليه
وسلم: «فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ
أَمْوَالِهِمْ» [مسلم: الصحيح، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام،
(١٩)].
وهو نهج إداري يمنع المصدق من أخذ نفائس الأموال (خيارها وأجودها)،
وذلك لأن النفس البشرية مجبولة على حب المال، وأخذ النفائس قد يورث وحشة في
القلوب، فكان التوجيه النبوي بحماية مال الغني من الجور كما يُحمى حق الفقير من
الضياع [راجع: ابن حجر، فتح الباري: ٥ /١٢٩].
- إرساء هيبة الدولة وسلطة الحق
خرج بُسر بن سفيان الكعبي
(ويُقال نعيم بن عبد الله النحام) مبعوثًا من سيدنا النبي صلى الله عليه
وسلم لجباية صدقات بني كعب من خزاعة، وبينما هو يؤدي مهمته في منطقة تُدعى (ذات
الأشطاط) ــ وهي قريبة من عسفان - وُجدت هناك فئات من بني تميم (بنو
جهيم وبنو عمرو بن جندب) يشربون على غدير الماء مع خزاعة، حين
أمر المصدق بجمع مواشي خزاعة لأخذ الصدقة، ثارت ثائرة بني تميم، واستنكروا هذا
الإجراء قائلين: "ما هذا؟ تُؤخذ أموالكم منكم بالباطل!"، ورغم محاولة
الخزاعيين إقناعهم بأن هذا من صلب دينهم الذي دانوا به، إلا أن تميمًا أصرت على
موقفها، وتجيشوا بالسلاح، وشهروا السيوف، بل ووصل الأمر بهم إلى منع المصدق
بالقوة، مما اضطر بُسر بن سفيان للانسحاب والعودة للمدينة لإبلاغ القيادة
النبوية بهذا التمرد المسلح.
لم يكن الموقف مجرد امتناع عن دفع مال،
بل كان تمردًا عسكريًا واعتداءً على هيبة الدولة ورسولها، ومن
هنا لم يتوانَ حضرة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم في اتخاذ إجراء حازم؛
فاستنفر أصحابه قائلًا: «مَنْ لِهَؤُلَاءِ القَوْمِ الَّذِينَ فَعَلُوا مَا
فَعَلُوا؟».
فانتدب للمهمة عيينة بن حصن الفزاري،
فبعثه سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم في خمسين فارسًا من العرب (ليس فيهم
مهاجري ولا أنصاري، في إشارة سياسية ذكية لتحجيم النزاع)، فساروا ليلًا وكمنوا
نهارًا حتى باغتوا بني تميم في محالهم، فأسَرَ عيينة منهم أحدًا عشر رجلًا، وإحدى
وعشرين امرأة، وثلاثين صبيًا، وساقهم إلى المدينة المنورة [راجع مغازي الواقدي: ١/٩٧٤،
والطبقات الكبرى لابن سعد: ٢ /١٢١].
أثبتت الواقعة أن الإسلام لم يكن مجرد شعائر تعبدية معزولة، بل هو
نظام اجتماعي ومالي متكامل يقوم على الطاعة والالتزام تجاه الجماعة والقيادة
المركزية في المدينة.
كما وضحت السيرة أن السُّعاة النبويين كانوا على غاية من النزاهة
والعدل، وأن الشكاوى التي قد تصدر من بعض المكلَّفين غالبًا ما تكون نابعة من جبلة
النفس البشرية التي جُبلت على الشُّح وحب المال، وليس بالضرورة لوقوع ظلم حقيقي من
الجابي [راجع: المناوي: فيض القدير ١ /٦٠٨].