Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

كيف أسس النبي ﷺ الرقابة المالية ومنع استغلال المال العام؟

الكاتب

هيئة التحرير

كيف أسس النبي ﷺ الرقابة المالية ومنع استغلال المال العام؟

في لحظة اكتمال بناء الدولة في المدينة المنورة، لم تقتصر عبقرية الإدارة النبوية على الجانب الروحي، بل امتد ليؤسس نظامًا ماليًا بالغ الدقة يقوم على الشفافية والنزاهة والعدالة الاجتماعية؛ ومن هنا جاءت بعثات المصدقين بوصفها نموذجًا فريدًا في الإدارة النبوية، حيث جمعت الزكاة، وضبطت العلاقة بين هيبة الدولة والرفق بالرعية، وحماية المال العام في توازن تشريعي، لكن كيف عمل هذا النظام؟ وما دلالاته في الإدارة الحديثة؟

ما معنى المصدقين ودورهم في جمع الصدقات؟

بعد الفراغ من شأن الجِعِرَّانة، رجع النبي العظيم صلى الله عليه وسلم عائدًا إلى المدينة المنورة، فدخلها يوم الجمعة لثلاث ليالٍ بقين من ذي القعدة، فلبث صلى الله عليه وسلم بالمدينة ما تبقى من الشهر، وأقام بها شهر ذي الحجة كاملًا [مغازي الواقدي: ٣ /٩٧٣، طبقات ابن سعد: ٢ /١٢١].

ومع مطلع السنة التاسعة للهجرة، وتحديدًا عند رؤية هلال شهر المحرم، شرع سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم في تفعيل النظام المالي للدولة الإسلامية؛ حيث انطلق عُمَّاله صلى الله عليه وسلم إلى القبائل والجهات المختلفة لاستيفاء الحقوق المالية وجمع الزكاة، وهؤلاء هم الذين عُرفوا في دواوين السيرة بـ (المُصَدِّقِين) وهو الاسم الذي يُطلق على عُمّال الزكاة الذين يبعثهم ولي الأمر لجمع الصدقات.

ما دور اختيار ذوى الخبرة والامانة في إدارة هذا النظام؟

لقد تم اختيار هؤلاء الصحابة بناءً على حكمة نبوية بالغة وهم:

  • سيدنا علي بن أبي طالب إلى نجران.
  • عيينة بن حصن إلى بني تميم.
  • يزيد بن الحصين (بريدة بن الحصيب) إلى أسلم وغفار.
  • عباد بن بشر الأشهلي إلى سليم ومزينة.
  • رافع بن مكيث إلى جهينة.
  • عمرو بن العاص إلى بني فزارة.
  • الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب.
  • بسر بن سفيان الكعبي إلى بني كعب.
  • ابن اللتبية الأزدي إلى بني ذبيان.
  • المهاجر بن أبي أمية إلى صنعاء.
  • زياد بن لبيد إلى حضرموت.
  • عدي بن حاتم الطائي إلى طيء وبني أسد.
  • مالك بن نويرة إلى بني حنظلة.
  • الزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم إلى بني سعد.
  • العلاء بن الحضرمي إلى البحرين.

لم يكن اختيار المصدقين عشوائيًا، بل قام على الفحص والحكمة؛ فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يختار لكل قبيلة من يناسب طبائعها ويحوز ثقتها، وهو ما يؤصل لمبدأ الأصلح والأروع في تولي المهام المالية والرقابية [راجع: فتح الباري لابن حجر: ٥ /١٢٩].

ما الغرض من بعثة المصدقين؟

كانت هناك بعض القواعد الحاكمة لبعثات هؤلاء المصدقين:

  • الرقابة والمحاسبة

لم تكن الثقة في الصحابة تمنع من إرساء نظام المحاسبة المالية؛ فقد كان سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم يستوفي على العمال ويحقق في المصروفات والمقبوضات، وتعد قصة (ابن الأتبية) تأصيلًا نبويًا لمبدأ (من أين لك هذا؟)، حيث أنكر سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم قبول العامل للهدايا أثناء وظيفته لئلا تكون ذريعة للرشوة أو المحاباة، ففي الحديث الشريف: "أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم استَعمَلَ ابنَ اللُّتْبيَّةِ على صَدَقاتِ بَني سُلَيمٍ، فلَمَّا جاءَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وحاسَبَه، قال: هذا الذي لَكُم، وهذه هَديَّةٌ أُهديَت لي، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «فهَلَّا جَلَستَ في بَيتِ أبيك وبَيتِ أُمِّك حتَّى تَأتيَك هَديَّتُك إن كُنتَ صادِقًا!» ثُمَّ قامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فخَطَبَ النَّاسَ وحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه، ثُمَّ قال: «أمَّا بَعدُ، فإنِّي أستَعمِلُ رِجالًا منكم على أُمورٍ ممَّا ولَّاني اللهُ، فيَأتي أحَدُكُم فيَقولُ: هذا لَكُم، وهذه هَديَّةٌ أُهديَت لي، فهَلَّا جَلَسَ في بَيتِ أبيه وبَيتِ أُمِّه حتَّى تَأتيَه هَديَّتُه إن كان صادِقًا! فواللهِ لا يَأخُذُ أحَدُكُم مِنها شيئًا» [البخاري: الصحيح، كتاب الأحكام، باب محاسبة الإمام عماله، (٧١٩٧)].

أرسى النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ المحاسبة العلنية في قصة ابن اللتبية لتأصيل الشفافية والزجر العام ضد استغلال المناصب لتحقيق مكاسب شخصية تحت مسمى الهدايا، وبناءً على ذلك، قرر الفقهاء عدم اشتراط نصيب ثابت للعامل، بل يُقدر أجره باجتهاد الإمام وفق جهده وكفايته؛ ضمانًا للعدل وصيانةً لأموال الزكاة [راجع شرح ابن بطال: ٦ /١٠٥]

  • التوازن التشريعي وحماية الرعية

رسم سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم علاقة متوازنة بين الجابي والمكلف؛ فأمر المصدقين بالرفق، وفي المقابل أمر الرعية بإرضاء المصدقين، وبذل الواجب لهم دون تذمر، وذلك لقطع الطريق على النزاعات وتأليف القلوب، وضمان وصول حق الفقراء في سلاسة، ففي الهدي النبوي الشريف: " جاءَ ناسٌ يَعني منَ الأعرابِ إلى رسولِ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ - فقالوا إنَّ ناسًا منَ المُصدِّقينَ يأتونا فيَظلِمونا قالَ فقال: «أرضوا مُصدِّقيكُم قالوا يا رَسولَ اللَّهِ وإن ظَلَمونا قالَ أَرضوا مُصدِّقيكم» [مسلم: الصحيح، كتاب الزكاة، باب إرضاء السعاة، (٩٨٩)].  

  • التيسير والعفو

وهو المقصد الأخلاقي الذي يراعي فقه الواقع؛ فالمطلوب هو ما طابت به نفوس الناس، وما فضل عن حاجتهم الأصلية دون إعنات أو إرهاق مالي، خاصة في تلك المرحلة التي تلت الفتوحات الكبرى (حنين والطائف) عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» [مسلم: الصحيح، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، (١٩)].  

وهو نهج إداري يمنع المصدق من أخذ نفائس الأموال (خيارها وأجودها)، وذلك لأن النفس البشرية مجبولة على حب المال، وأخذ النفائس قد يورث وحشة في القلوب، فكان التوجيه النبوي بحماية مال الغني من الجور كما يُحمى حق الفقير من الضياع [راجع: ابن حجر، فتح الباري: ٥ /١٢٩].

  •  إرساء هيبة الدولة وسلطة الحق

خرج بُسر بن سفيان الكعبي (ويُقال نعيم بن عبد الله النحام) مبعوثًا من سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم لجباية صدقات بني كعب من خزاعة، وبينما هو يؤدي مهمته في منطقة تُدعى (ذات الأشطاط) ــ وهي قريبة من عسفان - وُجدت هناك فئات من بني تميم (بنو جهيم وبنو عمرو بن جندب) يشربون على غدير الماء مع خزاعة، حين أمر المصدق بجمع مواشي خزاعة لأخذ الصدقة، ثارت ثائرة بني تميم، واستنكروا هذا الإجراء قائلين: "ما هذا؟ تُؤخذ أموالكم منكم بالباطل!"، ورغم محاولة الخزاعيين إقناعهم بأن هذا من صلب دينهم الذي دانوا به، إلا أن تميمًا أصرت على موقفها، وتجيشوا بالسلاح، وشهروا السيوف، بل ووصل الأمر بهم إلى منع المصدق بالقوة، مما اضطر بُسر بن سفيان للانسحاب والعودة للمدينة لإبلاغ القيادة النبوية بهذا التمرد المسلح.

لم يكن الموقف مجرد امتناع عن دفع مال، بل كان تمردًا عسكريًا واعتداءً على هيبة الدولة ورسولها، ومن هنا لم يتوانَ حضرة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم في اتخاذ إجراء حازم؛ فاستنفر أصحابه قائلًا: «مَنْ لِهَؤُلَاءِ القَوْمِ الَّذِينَ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا؟».

فانتدب للمهمة عيينة بن حصن الفزاري، فبعثه سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم في خمسين فارسًا من العرب (ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري، في إشارة سياسية ذكية لتحجيم النزاع)، فساروا ليلًا وكمنوا نهارًا حتى باغتوا بني تميم في محالهم، فأسَرَ عيينة منهم أحدًا عشر رجلًا، وإحدى وعشرين امرأة، وثلاثين صبيًا، وساقهم إلى المدينة المنورة [راجع مغازي الواقدي: ١/٩٧٤، والطبقات الكبرى لابن سعد: ٢ /١٢١].

أثبتت الواقعة أن الإسلام لم يكن مجرد شعائر تعبدية معزولة، بل هو نظام اجتماعي ومالي متكامل يقوم على الطاعة والالتزام تجاه الجماعة والقيادة المركزية في المدينة.

كما وضحت السيرة أن السُّعاة النبويين كانوا على غاية من النزاهة والعدل، وأن الشكاوى التي قد تصدر من بعض المكلَّفين غالبًا ما تكون نابعة من جبلة النفس البشرية التي جُبلت على الشُّح وحب المال، وليس بالضرورة لوقوع ظلم حقيقي من الجابي [راجع: المناوي: فيض القدير ١ /٦٠٨].

الخلاصة

إن هذه البعثات لم تكن مجرد جباية للمال، بل كانت مدرسةً في الإدارة والتربية والنزاهة، أثرت في استقرار المجتمع الإسلامي الأول، وحفظت حقوق الفقراء، وأرست قواعد السياسة المالية الراشدة.

موضوعات ذات صلة

قدم وفد هوازن إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قدموا مسلمين يطلبون ردَّ سباياهم وأموالهم

عمرة القضاء وما بها من أحداث كانت في ذي القعدة من العام السابع للهجرة

بيت المال هو مؤسسة مالية مركزية في الدولة الإسلامية

تُعد زكاة الفطر شعيرةً تجمع بين عبادة البدن وشكر النعمة

الزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة، شرعت تحقيقًا لمبدأ التكافل الاجتماعيّ بين المسلمين