يستحب قبل التضحية القيام ببعض الأمور:
منها:
أن يربط المضحي الأضحية قبل يوم النحر بأيام؛ لما في ذلك من الاستعداد للقربة وإظهار
الرغبة فيها، فيكون له فيه أجر وثواب، ومنها أن يُقلّدها ويُجلّلها قياسًا على
الهدي؛ لما في ذلك من تعظيمها، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن یُعَظِّمۡ شَعَٰۤئِرَ ٱللَّهِ
فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، والتقليد: تعليق
شيء في عنق الحيوان ليُعلم أنه هدي أو أضحية، والتجليل: إلباس الدابة الجُلَّ
(بضم الجيم، ويجوز فتحها مع تشديد اللام)، وهو ما تُغطّى به الدابة لصيانتها.
ويُستحب
أيضًا أن يسوقها إلى مكان الذبح سوقًا رفيقًا غير عنيف، وألا يجرّها من رجلها؛ لأن
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «إِنَّ اللَّهَ
كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ،
وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ
ذَبِيحَتَهُ» [مسلم: الصحيح، (١٩٥٥) عن شداد بن أوس، رضي الله عنه].
ويُستحب
إخراج الأضاحي، وعرضها في الأسواق، وإقامة الشوادر المنظمة؛ لما في ذلك من مقاصد تربوية
واجتماعية مهمة، وقد أوصت بذلك بعض جهات الفتوى المعتمدة، فمن الجانب التعبدي، يُعدّ
ذلك إعلانًا للشعيرة وإظهارًا لها، وشكرًا لله تعالى على نعمه التي لا تُحصى، وإحياءً
لذكرى فداء نبي الله إسماعيل عليه السلام، ومن مظاهر التوسعة على الأهل والمجتمع [دار الإفتاء المصرية:
تقرير " الحكمة الشرعية والاجتماعية من الأضحية" – عبر صحيفة اليوم السابع
– ١٠ مايو ٢٠٢٦م].
ويمتد أثر ذلك إلى البعد التربوي والنفسي، حيث يسهم إبقاء الأضاحي قريبًا
من الأطفال ورؤيتهم لها في غرس وعيٍ دينيٍّ مبكر في نفوسهم، وتنمية محبتهم للطاعات،
وربطهم بروحانية العيد وشعائره عبر التعلّم البصري والعملي.
وتكتمل هذه المنظومة المقاصدية بالأبعاد الاجتماعية والتكافلية، إذ يسهم
هذا العرض للأضاحي المستحسنة والسمينة في إدخال الطمأنينة إلى قلوب الفقراء والمساكين،
وبث البهجة في نفوسهم كبشرى بالتوسعة في أيام العيد، فضلًا عن تحفيز القادرين على المنافسة
في الخير والاقتداء، مما يعزز الانتماء لشعائر الله منذ الصغر، ويقوي مشاعر التراحم
والبهجة داخل المجتمع.
وتتداخل هذه المظاهر البصرية والروحية لتشكّل لوحةً إيمانيةً متكاملة
تغرس القيم في نفوس الأجيال المتعاقبة، وتدعم روابط التكافل والرحمة والصلة مع الفقراء
والمحتاجين. وبذلك تتحول هذه الشعيرة المباركة من نسكٍ فردي إلى ظاهرةٍ مجتمعيةٍ تعكس
حيوية الأمة الإسلامية وتماسكها، وتبرز معاني العطاء في أبهى صورها.
وقد
أوضحت دار الإفتاء المصرية الحكمة من مشروعية الأضحية، مؤكدةً أنها من شعائر الإسلام
العظيمة التي تحمل معاني الشكر والطاعة والتوسعة على الفقراء والأهل، كما استعرضت وقت
تشريع الأضحية وآراء الفقهاء في حكمها الشرعي بين السُّنة المؤكدة والوجوب، مع بيان
الأدلة الشرعية لكل مذهب [دار الإفتاء المصرية: تقرير "الحكمة الشرعية والاجتماعية من الأضحية"
– عبر صحيفة اليوم السابع – ١٠ مايو ٢٠٢٦م].
وتُعدّ التوسعة على النفس وأهل البيت، وإكرام الجيران والأقارب والأصدقاء،
والتصدق على الفقراء من أبرز مظاهر هذه الأيام المباركة والعيد أيضًا، وقد جرت السنة
منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم على التوسعة على الأهل، وإكرام الجيران، والتصدق
على الفقراء يوم الأضحى، فعَنْ أَنَسٍ بن مالك، رضي الله عنه، عَنِ النبي صلى الله
عليه وسلم، قَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَلْيُعِدْ» فَقَالَ رَجُلٌ:
هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ، - وَذَكَرَ هَنَةً مِنْ جِيرَانِهِ - فَكَأَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَذَرَهُ، وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ
شَاتَيْنِ؟ فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلاَ أَدْرِي
بَلَغَتِ الرُّخْصَةُ أَمْ لاَ، ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ، يَعْنِي فَذَبَحَهُمَا،
ثُمَّ انْكَفَأَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَذَبَحُوهَا" [البخاري: الصحيح، (٥٥٦١)].
قال الحافظ ابن حجر: قوله فيه: (وذكر هَنَة) - بفتح الهاء والنون الخفيفة
بعدها هاء تأنيث- أي: حاجة من جيرانه إلى اللحم [ابن حجر: فتح الباري، ١٠/
٢٠]؛ فالعناية بتسمين الأضحية واستحسانها وإظهارها علنًا تُجسّد ترجمةً عمليةً
لتعظيم شعائر الله، وتوقير الخالق سبحانه وتعالى في الأيام المعلومات.