تعددت آراء الفقهاء في هذه المسألة على النحو التالي:
الرأي الأول (الجمهور): ذهب السادة الحنفية، والسادة المالكية في قولٍ، والسادة الشافعية،
والإمام أحمد في أصح الروايتين (وعليها اختيار المتأخرين من الحنابلة) إلى جواز الذبح ليلًا مع الكراهة التنزيهية.
الرأي الثاني: القول مشهور عند السادة المالكية، والإمام أحمد في إحدى
الروايتين (والتي اختارها الخرقي) إلى أنه لا تجزئ التضحية ليلًا؛
لاشتراطهم وقوعها بالنهار.
علة الكراهة أو المنع
ليلًا:
بُنيت الكراهة أو المنع على مظنة احتمال الخطأ في محل الذبح بسبب ظلمة الليل،
وصعوبة تفرقة اللحم طريًّا في الغالب، وخشية تغيره إذا استُبقي إلى النهار، فضلًا
عن أن المضحي يكون مستترًا، بينما إظهار هذه الشعيرة نهارًا أولى.
أما في زماننا المعاصر، ومع وجود المجازر المجهزة والإضاءات الحديثة التي تزيل خطر
الخطأ، وتوفر وسائل التبريد التي تحفظ اللحم طريًّا، أو في حال وجود حاجة ومصلحة
ككثرة الذبائح وتيسر توزيعها على الفقراء؛ فإن علة الكراهة تزول،
وتصبح العملية جائزةً تمامًا بلا كراهة؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا،
والكراهة تزول بأدنى حاجة.
أقوال العلماء في المسألة:
بيان أقوال الجمهور
بالكراهة التنزيهية والجواز:
قال العلامة شيخي زاده الحنفي - رحمه الله: "(وكره الذبح
ليلًا) وإن جاز؛ لاحتمال الغلط في ظلمة الليل، وفي (المنح): الظاهر أن
هذه الكراهة للتنزيه، ومرجعها إلى خلاف الأولى؛ إذ احتمال الغلط لا يصلح دليلًا
على كراهة التحريم" [مجمع الأنهر (٢/ ٥١٩)].
وقال العلامة ابن بزيزة المالكي رحمه الله: "واختلفوا هل
يجزئ الذبح ليلًا أم لا؟ فيه قولان في المذهب، ومبنى المسألة على الاختلاف في
مفهوم اللقب هل هو حجة أم لا؟ وقال به مالك والدقاق، والجمهور على خلافه [روضة
المستبين (١/ ٦٨٢-٦٨٣)].
وقال الإمام النووي الشافعي: "واتفقوا -أي: الأصحاب- على
أنه يجوز ذبحها في هذا الزمان ليلًا ونهارًا؛ لكن يكره عندنا الذبح ليلًا في غير
الأضحية، وفي الأضحية أشد كراهة" اهـ [المجموع (٨/ ٣٨٨)]، وقال - أيضًا - رحمه
الله: "مذهبنا: جواز الذبح ليلًا ونهارًا، في هذه الأيام جائز، لكن يكره
ليلًا، وبه قال أبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور والجمهور وهو الأصح عن أحمد" [المجموع
(٨/ ٣٩١)].
وقال الإمام ابن قدامة: "وحكي عن أحمد رواية أخرى، أن الذبح
يجوز ليلًا، وهو اختيار أصحابنا المتأخرين، وقول الشافعي، وإسحاق، وأبي حنيفة
وأصحابه؛ لأن الليل زمن يصح فيه الرمي، فأشبه النهار" [المغني (٩/ ٤٥٤)].
أقوال العلماء في بيان
الرأي المانع:
قال الإمام الخرشي المالكي: "والنهار شرط (الشرح) أي:
والنهار في الضحايا والهدايا شرط، فلا يجزئ ما وقع منهما ليلًا على المشهور، وأول
النهار طلوع الفجر" [شرح مختصر خليل (٣/ ٣٧-٣٨)].
وقال الإمام ابن قدامة - رحمه الله: "الثالث في زمن الذبح،
وهو النهار دون الليل، نص عليه أحمد، في رواية الأثرم. وهو قول مالك، وروي عن عطاء
ما يدل عليه" [المغني (٩/ ٤٥٤)].
أقوال العلماء في زوال
الكراهة عند الحاجة وتوفر الإمكانيات:
قال الإمام ابن حجر الهيتمي: "(ويبقى) وقت التضحية وإن
كره الذبح ليلًا إلا لحاجة أو مصلحة" [تحفة المحتاج (٩/ ٣٥٤)]
وقال العلامة البجيرمي: "ويكره الذبح ليلًا إلا لحاجة كاشتغاله
نهارًا بما يمنعه من التضحية أو مصلحة؛ كتيَسُّر الفقراء ليلًا أو سهولة
حضورهم" [حاشية البجيرمي على شرح المنهج (٤/ ٢٩٧)]