Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

يوم الجلاء وأرشيف الصحافة المصرية لخروج آخر جندي بريطاني

الكاتب

هيئة التحرير

يوم الجلاء وأرشيف الصحافة المصرية لخروج آخر جندي بريطاني

لقد شكل يوم الثامن عشر من يونيو لعام ١٩٥٦م المحطة الأبرز في تاريخ مصر الحديث؛ برحيل آخر جندي بريطاني واسترداد السيادة الكاملة بعد قرابة ٧٤ عامًا من الاحتلال، وقد وثَّقت الصحف المصرية هذا النصر القومي بعناوين رئيسة تاريخية (مانشيتات) جسَّدت تضحيات الشعب، وفتحت الباب لعصر جديد من الاستقلال وصناعة القرار الوطني.

الخلفية التاريخية واتفاقية الجلاء

يوم جلاء الاحتلال البريطاني عن مصر (١٨ يونيو ١٩٥٦م) هو أحد أعظم الأيام المجيدة في تاريخ مصر الحديث؛ حيث سُطرت فيه النهاية الفعلية للاحتلال البريطاني على أرض مصر، والذي دام لمدة تقارب ٧٤ عامًا، في هذا اليوم غادر آخر جندي بريطاني قاعدة قناة السويس، وارتفع العلم المصري خفاقًا في سماء بورسعيد؛ ليعلن للعالم ولادة مصر الحرة المستقلة سياديًّا.

بعد قيام ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م وضعت القيادة المصرية الجديدة قضية الاستقلال التام والتخلص من الاحتلال الإنجليزي على رأس أولوياتها، فدخلت مصر في مفاوضات شاقة ومعقدة مع الجانب البريطاني، قادها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر -رحمه الله-، وتوجت هذه الجهود بتوقيع اتفاقية الجلاء في ١٩ أكتوبر ١٩٥٤م، وقد نصت الاتفاقية على جلاء جميع القوات البريطانية عن الأراضي المصرية خلال ٢٠ شهرًا من توقيع الاتفاقية، وإلغاء معاهدة ١٩٣٦م، واسترداد مصر لسيادتها الكاملة على قاعدة قناة السويس.

وبالفعل بدأت القوات البريطانية في الانسحاب على مراحل، حتى جاءت اللحظة الحاسمة في ١٣ يونيو ١٩٥٦م برحيل آخر جندي إنجليزي، وتم الإعلان رسميًّا عن الاحتفال بـ(عيد الجلاء) في ١٨ يونيو ١٩٥٦م.

من الأرشيف الصحفي.. كيف وثقت الصحف المصرية لحظة النصر؟

جاءت مانشيتات الصحف (العناوين الرئيسة) في ذلك الوقت لتجسد مشهد النهاية للاحتلال؛ حيث تزينت الصفحات الأولى باللون الأحمر والصور التذكارية لرفع العلم المصري فوق مبنى البحرية ببورسعيد، وهو نفس المبنى الذي وطأته أقدام المحتلين أول مرة عام ١٨٨٢م؛ حيث تصدر الصفحة الأولى بجريدة الأهرام في هذا اليوم عنوان كبير (مانشيت) باللون الأحمر نصه: (مصر تحتفل اليوم بالجلاء)، وجاء بعده عنوان (الرئيس يرفع اليوم علم مصر على مبنى البحرية ببورسعيد)، كما أعدت الجريدة عددًا خاصًّا بكفاح الشعب المصري ضد الاحتلال، كما ركزت الأهرام في مقالاتها وتحليلاتها على دور المقاومة الشعبية في منطقة القناة (السويس، الإسماعيلية، وبورسعيد)، وأفردت صفحات كاملة لشهداء معارك الفدائيين، الذين دفعوا دماءهم ثمناً لهذا اليوم..

كذلك كان موقف جريدة (الأخبار) لم يختلف كثيرًا عن موقف الأهرام، فمن خلال أسلوبها المشوق وصياغتها القوية عبرت عن نبض الشارع بكلمات هزت الوجدان، وتناولت الأخبار قصة الكفاح والفدائيين والشهداء، وكان من بين هذه العناوين والمانشيتات (اليوم تحررت مصر، رفع العلم المصري فوق القناة، وغابت الشمس التي لا تغيب عن الإمبراطورية البريطانية).

أما صحيفة (الجمهورية) فكانت الأكثر حماسة في تغطية الحدث، فربطت بين الجلاء وبين تحول مصر إلى جمهورية مستقلة تحكم بأيدي أبنائها لأول مرة منذ قرون طويلة، فركزت في مقالاتها على البعد القومي والاستراتيجي لإخلاء أكبر قاعدة عسكرية بريطانية في الشرق الأوسط.

وقد أوردت جريدة المصري تقريرًا صحافيًّا لهذه المناسبة بعنوان: (اتفاقية الجلاء .. كيف ساهمت المقاومة في إجلاء الإنجليز بعد ٧٣ عامًا من التفاوض؟)، وقد ذكرت فيه: "في مثل هذا اليوم قبل ٦٧ عامًا، وقّع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر النص النهائي لاتفاقية الجلاء؛ لتتكلل مساعي الشعب المصري الذي كافح حتى إجلاء آخر جندي بريطاني من أراضيه، عبر نضال استمر ٧٣ عامًا وتسعة أشهر وسبعة أيام، كانت عمر وجود الاحتلال الإنجليزي على الأراضي المصرية، ما يعيد إلى الذاكرة مراحل هذا الاتفاق التي لم تكن بمعزل عن المقاومة الشعبية بدءًا من انتهاء ثورة عرابي، فقيام ثورة ١٩، مرورًا بانتفاضة الشعب المصري، وإضراب طوائفه بانتهاء الحرب العالمية الثانية، ثم وصولًا إلى الكفاح المسلح ضد قوات الاحتلال البريطاني، والعمليات النوعية التي قامت بها المقاومة الشعبية في قناة السويس فور انتهاء حرب فلسطين، واستمرار هذا الكفاح عقب قيام ثورة يوليو ١٩٥٢م؛ مما أجبر الجانب البريطاني على استئناف المفاوضات، وإبرام اتفاقية الجلاء في الـ١٩ من أكتوبر١٩٥٤م".

وقد ورد في هذا التقرير: "وتمثلت أولى مراحل هذا الإجلاء في تمام الساعة الحادية عشرة صباح الاثنين ٣١ مارس ١٩٤٧م حين رفع الملك فاروق علم مصر فوق ثكنات قصر النيل؛ معلنًا جلاء الإنجليز عن القاهرة والإسكندرية ... وكان هذا يومًا مشهودًا بإعلان أولى خطوات إجلاء الإنجليز عن مصر، طبقًا لمعاهدة عام ١٩٣٦م التي جرى تأجيلها جراء الحرب العالمية الثانية، وأطلق الجيش المصري آنذاك أعيرة احتفالية، وأعلنت الحكومة المصرية هذا اليوم إجازة رسمية للوزارات والمصالح الحكومية".

الأبعاد السياسية والاستراتيجية.. ما بعد خروج آخر جندي بريطاني

شكل جلاء آخر جندي بريطاني عن الأراضي المصرية في يونيو ١٩٥٦م نقطة تحول استراتيجية، أعادت رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، وكان بمثابة إعلان شهادة ميلاد مصر الحديثة كدولة كاملة السيادة والحرية في اتخاذ القرار، فمن الناحية السياسية: قضى الجلاء على شرعية النظام القديم والتدخل الأجنبي في الشئون الداخلية، ووضع حدًّا لعقود من ارتهان الإرادة الوطنية للرغبات البريطانية؛ هذا التحرر أتاح للإدارة المصرية برئاسة جمال عبد الناصر تبني سياسة خارجية مستقلة، تمثلت في تزعم حركة "القومية العربية"، ودعم حركات التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا، بل والمساهمة في تأسيس حركة عدم الانحياز؛ لرفض الانضواء تحت لواء أي من المعسكرين الشرقي أو الغربي في ذروة الحرب الباردة.

أما من الناحية الاستراتيجية والعسكرية: فإن إخلاء قاعدة قناة السويس أحدث فراغًا أمنيًّا كبيرًا في نظر الغرب، لكنه بالنسبة لمصر كان استردادًا لأهم شريان مائي واقتصادي وجغرافي في العالم؛ هذا الفراغ العسكري الأجنبي منح القيادة المصرية الشجاعة والقدرة على اتخاذ الخطوة الاستراتيجية الأكثر جرأة في تاريخها الحديث بعد أسابيع قليلة، وهي تأميم الشركة العالمية لقناة السويس في يوليو ١٩٥٦م، وعلى الرغم من أن هذا القرار قاد البلاد مباشرة نحو مواجهة العدوان الثلاثي، إلا أن الصمود المصري فيه أكد أن زمن الاستعمار قد ولى بلا رجعة.

إجلاء المحتل ومقاومته في ضوء الشريعة الإسلامية

إن استرداد السيادة ومقاومة المحتل الذي يغتصب الأرض ويهدد العِرض ذروة سنام الدفع المشروع؛ وقد شرع الله – سبحانه وتعالى - القتال صراحة لرد اعتداء من يُخرجون الناس من ديارهم وأوطانهم، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِینَ یُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُوا۟ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِیرٌ ۝٣٩ ٱلَّذِینَ أُخۡرِجُوا۟ مِن دِیَٰرِهِم بِغَیۡرِ حَقٍّ إِلَّاۤ أَن یَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ﴾ [الحج: ٣٩-٤٠]، وقال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» [سنن أبي داود].

وقد جعلت الشريعة الإسلامية حب الوطن والدفاع عنه من المقاصد الشرعية التي يبذل لأجلها كل غالٍ ونفيس، وجعلته من الكليات الست التي يجب على المسلم حفظها، وقد ربط الحق – سبحانه وتعالى – بين الإخراج من الديار وسفك الدماء في عظم المشقة والوقع على النفس، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَیۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُوا۟ مِن دِیَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِیلࣱ مِّنۡهُمۡۖ﴾ [النساء: ٦٦]، وفي هذا إشارة واضحة إلى أن مفارقة الأوطان تستوي مع فقدان النفس في المصيبة على النفس الإنسانية، والسبب في هذا كله أن حب الأوطان عند أبنائها أمر فطري، وقد كان الجناب النبوي المعظم – صلى الله عليه وآله وسلم – نموذجًا يحتذى به في محبته لوطنه، فقد روي عن ابن عباس – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم (مخاطبا مكة): "ما أطيبَكِ من بلَدٍ وأحبَّكِ إلَيَّ، ولولا أنَّ قومِي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيرَكِ".

الخلاصة

يظل عيد الجلاء شاهدًا حيًّا على إرادة الشعب المصري، وكفاحه المسلح، ومفاوضاته الشاقة التي تكللت بزوال الاستعمار البريطاني عن أرض الكنانة برفع العلم خفاقًا في بورسعيد، ولقد برهنت الصحافة الوطنية بأرشيفها الثري على عظمة هذا اليوم ومحوريته؛ لأنه منح القيادة المصرية الشجاعة الاستراتيجية لتأميم قناة السويس وبناء ركائز الدولة الحديثة.

موضوعات ذات صلة

 حب الوطن في الإسلام فطرة أصيلة وثابت شرعي يقرنه الشرع بالوفاء والإيمان

 المقاومة فعل شرعي تنظمه الدولة تحت راية ولي الأمر لحماية السيادة

كان صباح ٢٣ يوليو ١٩٥٢ إيذانًا بميلاد إحدى هذه اللحظات الخالدة في مصر

التضحية من أجل الأوطان في جوهرها اجتماعي سيادي، والمحرك الجوهري الذي ينقل المجتمعات من حالة الشتات إلى حالة الأمة

من رحم المعاناة واليأس والهزيمة تشرق أنوار النصر