جاءت مانشيتات الصحف (العناوين
الرئيسة) في ذلك الوقت لتجسد مشهد النهاية للاحتلال؛ حيث تزينت الصفحات الأولى
باللون الأحمر والصور التذكارية لرفع العلم المصري فوق مبنى البحرية ببورسعيد، وهو
نفس المبنى الذي وطأته أقدام المحتلين أول مرة عام ١٨٨٢م؛ حيث تصدر الصفحة الأولى
بجريدة الأهرام في هذا اليوم عنوان كبير (مانشيت) باللون الأحمر نصه: (مصر تحتفل
اليوم بالجلاء)، وجاء بعده عنوان (الرئيس يرفع اليوم علم مصر على مبنى البحرية
ببورسعيد)، كما أعدت الجريدة عددًا خاصًّا بكفاح الشعب المصري ضد الاحتلال، كما
ركزت الأهرام في مقالاتها وتحليلاتها على دور المقاومة الشعبية في منطقة القناة
(السويس، الإسماعيلية، وبورسعيد)، وأفردت صفحات كاملة لشهداء معارك الفدائيين،
الذين دفعوا دماءهم ثمناً لهذا اليوم..
كذلك كان موقف جريدة (الأخبار) لم
يختلف كثيرًا عن موقف الأهرام، فمن خلال أسلوبها المشوق وصياغتها القوية عبرت عن
نبض الشارع بكلمات هزت الوجدان، وتناولت الأخبار قصة الكفاح والفدائيين والشهداء،
وكان من بين هذه العناوين والمانشيتات (اليوم تحررت مصر، رفع العلم المصري فوق
القناة، وغابت الشمس التي لا تغيب عن الإمبراطورية البريطانية).
أما صحيفة (الجمهورية) فكانت الأكثر
حماسة في تغطية الحدث، فربطت بين الجلاء وبين تحول مصر إلى جمهورية مستقلة تحكم
بأيدي أبنائها لأول مرة منذ قرون طويلة، فركزت في مقالاتها على البعد القومي
والاستراتيجي لإخلاء أكبر قاعدة عسكرية بريطانية في الشرق الأوسط.
وقد أوردت جريدة المصري تقريرًا
صحافيًّا لهذه المناسبة بعنوان: (اتفاقية الجلاء .. كيف ساهمت المقاومة في إجلاء
الإنجليز بعد ٧٣ عامًا من التفاوض؟)، وقد ذكرت فيه: "في مثل هذا اليوم قبل ٦٧
عامًا، وقّع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر النص النهائي لاتفاقية الجلاء؛ لتتكلل
مساعي الشعب المصري الذي كافح حتى إجلاء آخر جندي بريطاني من أراضيه، عبر نضال
استمر ٧٣ عامًا وتسعة أشهر وسبعة أيام، كانت عمر وجود الاحتلال الإنجليزي على
الأراضي المصرية، ما يعيد إلى الذاكرة مراحل هذا الاتفاق التي لم تكن بمعزل عن
المقاومة الشعبية بدءًا من انتهاء ثورة عرابي، فقيام ثورة ١٩، مرورًا بانتفاضة
الشعب المصري، وإضراب طوائفه بانتهاء الحرب العالمية الثانية، ثم وصولًا إلى الكفاح
المسلح ضد قوات الاحتلال البريطاني، والعمليات النوعية التي قامت بها المقاومة
الشعبية في قناة السويس فور انتهاء حرب فلسطين، واستمرار هذا الكفاح عقب قيام ثورة
يوليو ١٩٥٢م؛ مما أجبر الجانب البريطاني على استئناف المفاوضات، وإبرام اتفاقية
الجلاء في الـ١٩ من أكتوبر١٩٥٤م".
وقد ورد في هذا التقرير: "وتمثلت
أولى مراحل هذا الإجلاء في تمام الساعة الحادية عشرة صباح الاثنين ٣١ مارس ١٩٤٧م حين
رفع الملك فاروق علم مصر فوق ثكنات قصر النيل؛ معلنًا جلاء الإنجليز عن القاهرة
والإسكندرية ... وكان هذا يومًا مشهودًا بإعلان أولى خطوات إجلاء الإنجليز عن مصر،
طبقًا لمعاهدة عام ١٩٣٦م التي جرى تأجيلها جراء الحرب العالمية الثانية، وأطلق
الجيش المصري آنذاك أعيرة احتفالية، وأعلنت الحكومة المصرية هذا اليوم إجازة رسمية
للوزارات والمصالح الحكومية".