تثبت
الملحمة التاريخية لإنهاء الاحتلال البريطاني أن دحر العدوان لا يتحقق بالمعارك
العسكرية المنفصلة فحسب، بل بالتحام عضوي وثيق تبدأه جبهة داخلية متماسكة تمثل
العمق الحيوي والظهير الإستراتيجي للمقاومة الميدانية.
١. ملامح التلاحم الشعبي وتجفيف منابع الدعم اللوجستي:
تجلت
صلابة الجبهة الداخلية المصرية عقب إلغاء معاهدة ١٩٣٦م في حرمان معسكرات الاحتلال
البريطاني في منطقة القناة من ركائز بقائها الثلاث الأيدي العاملة، والوفرة
التموينية، وسهولة المواصلات؛ حيث أعلن أكثر من ثمانين ألف عامل مصري إضرابهم
الفوري وهجروا العمل داخل معسكرات الإنجليز عائدين إلى قراهم رافضين الإغراءات
المالية، وامتنع المتعهدون عن تزويد المحتل بالمواد الغذائية، وأوقف سائقو
القطارات تسيير الخطوط المتجهة للمنطقة، وتكاملت هذه الجهود الشعبية مع قرارات
مجلس الوزراء السرية الصادرة في ٢١ أكتوبر ١٩٥١م التي حظرت تقديم أي معاونة للسفن
البريطانية وألزمت بمقاومة اجتياز الإنجليز للمناطق السكنية مهما تكن التضحيات [السيد أبو النجا: طريق الحرية، كتب
للجميع، ص٦].
٢- حركية مدن القناة وإحباط مؤامرات الفتنة:
برزت
مدن القناة (الإسماعيلية بورسعيد السويس) كحربة ميدانية متقدمة تنفذ عمليات نوعية
شاقة كلفت المحتل خسائر فادحة، وشاركت قوات البوليس المصري بجسارة في دعم
الفدائيين، وتجسد ذلك في ملاحم دموية كمعركة كفر أحمد عبده، ومعسكر القرش والتل
الكبير، وأمام هذا الصمود حاول المستعمر البريطاني وعملاؤه تفجير جدار الوحدة
الوطنية عبر تدبير إحراق كنيسة السويس في ٤ يناير ١٩٥٢م بواسطة جماعة تخريبية تدعى
إخوان (الحرية) لإثارة فتنة طائفية، إلا أن وعي النخبة والزعماء من
المسلمين والأقباط أحبط المؤامرة في مهدها بكشف الأصابع الاستعمارية، وصدر قرار
فوري بحل تلك الجماعة التخريبية وترسيخ نسيج الأمة الواحد [أخبار اليوم: الكتاب الموثق، ص١٠٠].
٣. تفكيك وعناصر ومقومات الشخصية المصرية الأصيلة:
في
سياق استقراء أبعاد التحرر الوطني، وبناءً على الأطروحة الفكرية العميقة الواردة
في العمل الأكاديمي المتميز الشخصية المصرية خطوات على طريق استعادة الثقة، يتضح
أن إعادة التنقيب في الذاكرة الوطنية يكشف عن معدن حقيقي للإنسان المصري يستعصي
على الهدم والتشويه، ويتحدد في أربع مقومات جوهرية:
١. متدين تدينًا يصنع الحضارة، وهو تدين
نقي وبناء يبتعد تمامًا عن ثلاثة مظاهر مشوهة طرأت في بعض المراحل وهي: الجنوح
بالتدين نحو الخرافة واللامعقولية، أو التكسب بالدين والارتزاق به، أو استغلال
التدين لتحقيق أهواء ومآرب سياسية خاصة كحال جماعات أهل الشر والتيارات المتطرفة
التي تحاول تفكيك مفهوم الوطن وتدمير البنى المؤسسية.
٢. واسع الأفق؛ فالإنسان المصري تشكل وعيه
عبر مركزية جغرافية وحضارية جعلت من مصر نقطة الالتقاء الكبرى لشعوب الأرض، وممرًا
لطريق الحج القديم، مما أكسبه سعة فكرية وأريحية ترفض الانغلاق والانكفاء
والتقوقع.
٣. شغوف بالعمران والتشييد، يمتلك ولعًا
تاريخيًّا عريقًا بالبناء والتعمير، تترجمه الشواهد المعمارية والمشروعات القومية
الممتدة عبر مختلف العصور كحجر زاوية لبناء الدولة الحديثة.
٤. قوي ومستنير يتميز بثبات باطني باهر،
وقدرة فائقة على تحويل (الإرادة الكامنة) إلى (إدارة) حقيقية وبرامج
عمل تنفيذية تصنع النجاح بقوة الإصرار والتحدي [الشخصية المصرية خطوات على طريق
استعادة الثقة – معالي وزير الأوقاف الأستاذ الدكتور أسامة الأزهر: ص١١ إلى ٥١].
٤. تحويل القيم والأخلاق إلى مؤسسات فاعلة:
إن
العبقرية الحضارية التي تجلت في روح التحرر وعيد الجلاء لم تقف عند حدود إجلاء
القوات الأجنبية، بل امتدت لتحقيق المقصد الأسمى من قيم الدين والحضارة، وهو تحويل
القيم الأخلاقية المجردة إلى مؤسسات مستدامة تعمل على أرض الواقع.
فقد
ترجم الوعي المصري قيمة الرحمة التي هي البذرة الأم لمنظومة الأخلاق الإسلامية إلى
مؤسسات رعاية وتكايا ومستشفيات علاجية تخدم الإنسانية، وحول قيمة العلم من فكرة
نظرية إلى معاهد وجامعات كبرى، وصرح الأزهر الشريف لمعالجة الأمية الفكرية
والثقافية والتكنولوجية، ومؤسس قيمة (الجمال والذوق الرفيع) لتظهر
عيانًا في أساليب التفكير، وآداب التخاطب واحترام الحرف، وتوقير هيبة الوطن
والانضباط السلوكي العام.