من هم أبطال النضال السياسي والحربي الذين جاهدوا ضد الاحتلال البريطاني لمصر حتى تحقق الجلاء في ١٨ يونيو ١٩٥٦؟ ما دور مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول؟ وكيف شارك علماء الأزهر في هذه الملحمة الوطنية؟
من هم أبطال النضال السياسي والحربي الذين جاهدوا ضد الاحتلال البريطاني لمصر حتى تحقق الجلاء في ١٨ يونيو ١٩٥٦؟ ما دور مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول؟ وكيف شارك علماء الأزهر في هذه الملحمة الوطنية؟
لم تكن معركة الجلاء حدثًا عابرًا، ولا انتصارًا جاء بين ليلة وضحاها، بل كانت ملحمة وطنية متصلة الحلقات، امتدت لأكثر من سبعين عامًا، شارك فيها أجيال متعاقبة من المصريين، كل جيل قدم دمه وزهرة شبابه فداءً للوطن [المركز المصري للدراسات التاريخية، (يوم الجلاء: ذكرى الاستقلال)، القاهرة، ٢٠٢٣، ص ٨].
هذه الملحمة بدأت مع أول طلقة أطلقها المصريون في وجه الاحتلال البريطاني عام ١٨٨٢، واستمرت حتى توقيع اتفاقية الجلاء في ١٩ أكتوبر ١٩٥٤، ثم تنفيذها الكامل في ١٨ يونيو ١٩٥٦، وفي خلال هذه العقود، ظهرت أسماء خالدة سطرها التاريخ بحروف من نور: قادة سياسيون استشهدوا في المعتقلات والمنفى، وعلماء أزهر جاهدوا بالفتوى والكلمة، وشعب بأكمله رفض الذل واختار الموت على الحياة تحت وطأة الاحتلال [د. محمود شوقي عثمان، "الغزوات البريطانية الثلاث لمصر"، مجلة الاستعمار، العدد ٢، شتاء ٢٠٢٥، ص ٢٨].
يُعد الزعيم الراحل مصطفى كامل - رحمه الله - (١٨٧٤-١٩٠٨) أحد أبرز رواد الحركة الوطنية المصرية، وهو المؤسس الحقيقي للوعي الوطني الحديث، بدأ جهاده بوسيلتين عظيمتين: بعث الحركة الوطنية في الداخل عبر الخطب والمقالات الحماسية، والدعاية للقضية المصرية في أوروبا لفضح ممارسات الاحتلال أمام الرأي العام العالمي [د. محمود شوقي عثمان، المرجع السابق، ص ٣٥].
أولًا: جريدة اللواء:
أنشأ مصطفى كامل - رحمه الله - جريدة اللواء في ٢ مارس ١٩٠٠، لتكون لسانًا ناطقًا باسم الحركة الوطنية، كان شعاره الخالد: "إن من يتسامح في حقوق بلاده ولو مرة واحدة يبقى أبد الدهر مزعزع العقيدة" [المرجع السابق، ص ٣٨].
ثانيًا: حادثة دنشواي:
استغل الزعيم مصطفى كامل - رحمه الله - حادثة دنشواي التي وقعت في ١٣ يونيو ١٩٠٦، حيث قامت سلطات الاحتلال بإعدام أربعة من الفلاحين الأبرياء شنقًا، وجلد آخرين، وإطلاق النار على آخرين، بسبب حادث اصطدام بين جنود بريطانيين وفلاحين، كانت مقالاته النارية في جريدته وفي خطبه في أوروبا سببًا في إثارة الرأي العام العالمي، مما أدى إلى عزل اللورد كرومر - المندوب السامي البريطاني في مصر - وتغيير السياسة البريطانية [المرجع السابق، ص ٤٠].
ثالثًا: الحزب الوطني:
أسس الزعيم مصطفى كامل - رحمه الله - الحزب الوطني في ٢٢ أكتوبر ١٩٠٧، ليكون إطارًا تنظيميًا للحركة الوطنية يضم صفوة المثقفين والسياسيين المصريين، وكان من أهدافه المعلنة: إخلاء سبيل البلاد من الاحتلال، وإقامة حكومة نيابية دستورية [المرجع السابق، ص ٤٢].
رابعًا: وفاته المبكرة:
رغم وفاته المبكرة في ١٠ فبراير ١٩٠٨ عن عمر يناهز ٣٤ عامًا، ترك إرثًا وطنيًا هائلًا، خرجت مصر كلها في جنازته، وبكت الأمة قائدها الشاب الذي أفنى عمره القصير في خدمة وطنه.
بعد وفاة مصطفى كامل - رحمه الله - حمل الراية من بعده تلميذه الوفي الزعيم محمد فريد - رحمه الله - (١٨٦٨-١٩١٩)، أكمل المسيرة بنفس العزيمة، فسُجن وعُذب بسبب نشاطه الوطني، ولم يثنه ذلك عن مواصلة الكفاح [د، محمود شوقي عثمان، المرجع السابق، ص ٤٥].
أولًا: تنظيم المقاومة السرية:
نظم محمد فريد - رحمه الله - تنظيمات سرية مسلحة لمقاومة الاحتلال، أبرزها (جمعية التضامن الأخوي) التي تأسست عام ١٩٠٥، ونفذت عمليات بطولية ضد الإنجليز والمتعاونين معهم، كما أسس المدارس الوطنية لمواجهة التعليم الأجنبي الذي كان يروج للاستعمار [المرجع السابق، ص ٤٧].
ثانيًا: الصراع مع الاحتلال:
واجه الزعيم محمد فريد مضايقات متواصلة من سلطات الاحتلال، فسُجن أكثر من مرة، وعُذب في سجونهم، ورغم ذلك، ظل يكتب ويخطب محذرًا من مخاطر الاحتلال، داعيًا إلى الوحدة الوطنية.
ثالثًا: المنفى والموت في الغربة:
اضطر محمد فريد للخروج من مصر عام ١٩١٩ بعد اشتداد مطاردته، تنقل في عواصم أوروبا يخدم قضية وطنه وينشر معاناتها، حتى نفدت أمواله، وقضى نحبه في باريس في ١٥ نوفمبر ١٩١٩، بعيدًا عن وطنه الذي أحبه وجاهد من أجله، ولم يُسمح بدفنه في مصر إلا بعد سنوات من الجدال [المرجع السابق، ص ٥٠].
يمثل الزعيم سعد زغلول - رحمه الله - (١٨٥٩-١٩٢٧) مرحلة مفصلية في تاريخ النضال المصري، قاد ثورة ١٩١٩ التي هزت عرش الاحتلال وأثبتت أن إرادة الشعوب أقوى من دبابات المحتلين.
أولًا: وفد ١٩١٩:
ذهب الزعيم الراحل سعد زغلول مع وفد من كبار رجال مصر إلى دار المندوب السامي البريطاني في ١٣ نوفمبر ١٩١٨، للمطالبة بالاستقلال التام لمصر، وإنشاء وفد مصري (ومن هنا جاء اسم الوفد والوفديون) يسافر إلى لندن للتفاوض باسم الأمة المصرية، رفضت سلطات الاحتلال هذه المطالب، وقامت باعتقاله ونفيه إلى جزيرة مالطا في ٨ مارس ١٩١٩، فكان ذلك إيذانًا باندلاع ثورة ١٩١٩ [د. محمود شوقي عثمان، المرجع السابق، ص ٥٥].
ثانيًا: ثورة ١٩١٩:
بعد نبأ نفي الزعيم سعد زغلول - رحمه الله - ورفاقه، خرجت المظاهرات في كل مدن وقرى مصر، وكانت ثورة شعبية عارمة لم يشهد التاريخ لها مثيلًا، شارك فيها الملايين من المصريين، رجالًا ونساءً، مسلمين ومسيحيين، من جميع الطبقات.
ثالثًا: توحيد الصف الوطني:
استطاع الزعيم سعد زغلول - رحمه الله - توحيد عنصري الأمة - المسلمين والمسيحيين - في صف واحد متماسك ضد الاحتلال، كان شعار الثورة: (الاستقلال أو الموت)، أسس حزب الوفد ليكون الممثل السياسي للشعب المصري، وخاض معارك سياسية شرسة ضد سلطات الاحتلال وحلفائهم [المرجع السابق، ص ٥٨].
رابعًا: الأزهر وسعد زغلول:
كان الأزهر الشريف السند القوي لسعد زغلول - رحمه الله - ولثورة ١٩١٩، انطلق آلاف الأزهريين - علماء وطلبة - في المظاهرات، وأصبح الأزهر مقرًا للثوار وملاذًا لهم، يقول الفيلم الوثائقي للأزهر عن ثورة ١٩١٩: "على أبواب الأزهر سقط أول شهيد، وكان من أبناء الأزهر" [المركز الإعلامي للأزهر الشريف، فيلم "عمائم لله والوطن والحرية"، ٢٠١٩].
كان لعلماء الأزهر دور بارز في مقاومة الاحتلال، سواء من خلال الفتاوى الشرعية التي تحرم التعاون مع المحتل وتوجب الجهاد، أو من خلال المشاركة الفعلية في المظاهرات والمواجهات الميدانية.
أولًا: فتاوى الجهاد:
أصدر علماء الأزهر فتاوى متتالية تحرم التعاون مع الاحتلال وتعتبر مقاومته واجبًا دينيًا، كان الشيخ محمد بخيت المطيعي - رحمه الله - مفتي الديار المصرية في الفترة من ١٩١٤ إلى ١٩٢٠ - من أبرز هؤلاء العلماء؛ حيث أطلق دعوات جادة لمقاومة الاحتلال، وأصدر فتاوى تحث على الجهاد، مؤكدًا أن الوقوف ضد الاستعمار هو واجب ديني ووطني [مصطفى علي، "الأزهر ودوره المحوري في إشعال ثورة ١٩١٩"، اليوم الإخباري، ٣٠ يناير ٢٠٢٥، ص ٤].
ثانيًا: المشاركة في الثورات:
لم تقتصر مشاركة الأزهر على الجانب الفقهي، بل امتدت إلى الميدان، شارك علماء الأزهر وطلابه في الثورة العرابية (١٨٨١-١٨٨٢)، وفي ثورة ١٩١٩، وكانوا في طليعة الشهداء [محمد عبد المعطي، (الأزهر قلعة مصر الحصينة)، مدونة شخصية، ١٨ ديسمبر ٢٠١٦، ص ٢]، فعندما سقطت الثورة العرابية، كان علماء الأزهر في مقدمة من تعرضوا للنفي والسجن، وفيهم من تعذب حتى مات تحت التعذيب [المرجع السابق، ص ٥].
ثالثًا: الشيخ محمد عبده – الإمام المجدد:
كان للشيخ محمد عبده - رحمه الله - أحد كبار علماء الأزهر ومفتي الديار المصرية الأسبق - دور ريادي في مواجهة الاستعمار الفكري، من خلال مشروعه الإصلاحي الذي جمع بين الأصالة والمعاصرة، ودعوته إلى تجديد الفكر الديني بما يتناسب مع تحديات العصر، وتحرير العقول من الجمود والتبعية [مصطفى علي، المرجع السابق، ص ٦].
رابعًا: الأزهر في مواجهة الاحتلال منذ البداية:
أيد علماء الأزهر الثورة العرابية منذ البداية، وأصدر شيخ الأزهر الشيخ شمس الدين الإنبابي - رحمه الله - فتوى بمروق الخديوي توفيق لتعاونه مع الاحتلال، ووجوب عزله [محمد عبد المعطي، المرجع السابق، ص ٣].
٦. رموز أخرى في مسيرة الكفاح
إلى جانب هؤلاء العظماء، هناك أسماء أخرى سطرها التاريخ بحروف من نور:
أولًا: الزعيم محمد فريد:
الزعيم الراحل محمد فريد - رحمه الله - أحد زعماء ثورة ١٩١٩، الذي ضحى بكل ثروته في سبيل الوطن، حيث ظل ينفق من ماله الخاص على أسر الشهداء والجرحى، عندما توفي كان فقيرًا لا يملك شيئًا.
ثانيًا: مصطفى النحاس باشا:
قاد حزب الوفد بعد سعد زغلول، وكان له دور بارز في المفاوضات مع بريطانيا، وأصر على مبدأ (لا تفاوض إلا بعد الجلاء).
ثالثًا: الضباط الأحرار:
بقيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر - رحمه الله - قاموا بثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، التي كانت نقطة التحول الحاسمة في طريق الجلاء، حيث غيروا ميزان القوى وأجبروا بريطانيا على الجلاء الكامل.
بعد ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، تغير أسلوب التفاوض المصري مع بريطانيا، وأصبح أكثر صلابة، وبعد مفاوضات شاقة بين الحكومة المصرية والحكومة البريطانية، تم توقيع اتفاقية الجلاء في ١٩ أكتوبر ١٩٥٤.
نصت الاتفاقية على خروج جميع القوات البريطانية من مصر خلال عشرين شهرًا من تاريخ التوقيع، وتسليم قواعدها العسكرية إلى الجانب المصري [اليوم السابع، “ الفيلم الوثائقي الجلاء"، ١٨ يونيو ٢٠٢٥، ص ٢].
تم تنفيذ الاتفاقية على ثلاث مراحل، حتى كان يوم ١٨ يونيو ١٩٥٦؛ حيث رفع الرئيس جمال عبد الناصر - رحمه الله - العلم المصري على مبنى (النيفي هاوس) في بورسعيد، إيذانًا بخروج آخر جندي بريطاني من الأراضي المصرية، وانتهاء الاحتلال الذي دام ٧٤ عامًا [المرجع السابق، ص ٣].
س: من هو مصطفى كامل وما دوره في معركة الجلاء؟
ج: مصطفى كامل (١٨٧٤-١٩٠٨) هو مؤسس الحزب الوطني وصاحب جريدة (اللواء)، قاد حركة وطنية لفضح ممارسات الاحتلال البريطاني، واستغل حادثة دنشواي (١٩٠٦) لإثارة الرأي العالمي ضد الاحتلال، مما أدى إلى عزل اللورد كرومر [د، محمود شوقي عثمان، "الغزوات البريطانية الثلاث لمصر"، مجلة الاستعمار، العدد ٢، شتاء ٢٠٢٥، ص ٣٥].
س: أين توفي محمد فريد ولماذا؟
ج: توفي محمد فريد في المنفى بباريس في ١٥ نوفمبر ١٩١٩، بعد أن اضطر للخروج من مصر بسبب مطاردات الاحتلال له، مات بعيدًا عن وطنه بعد أن أنفق كل ماله في خدمة القضية المصرية [المرجع السابق، ص ٥٠].
س: ما هي ثورة ١٩١٩؟
ج: هي ثورة شعبية عارمة اندلعت في مارس ١٩١٩ بعد نفي الزعيم سعد زغلول ورفاقه إلى مالطا، شارك فيها الملايين من المصريين مسلمين ومسيحيين، وأسفرت عن إلغاء الحماية البريطانية على مصر عام ١٩٢٢ [المرجع السابق، ص ٥٥].
س: ما هو دور الأزهر في ثورة ١٩١٩؟
ج: كان الأزهر الشريف معقل الثورة ومنبرها، فتح أبوابه للثوار، وأصبح مقرًا لاجتماعاتهم، شارك العلماء والطلبة في المظاهرات، وكان منبر الأزهر يجمع الشيخ والقسيس معًا في خطاب الثورة [المركز الإعلامي للأزهر الشريف، فيلم "عمائم لله والوطن والحرية"، ٢٠١٩].
س: من هم أبرز علماء الأزهر الذين قادوا مقاومة الاحتلال؟
ج: من أبرزهم: الشيخ محمد بخيت المطيعي (مفتي الديار المصرية) الذي أصدر فتاوى الجهاد، والشيخ محمد عبده الذي قاد مقاومة الاستعمار الفكري، والشيخ شمس الدين الإنبابي (شيخ الأزهر) الذي أفتى بمروق الخديوي توفيق لتعاونه مع الاحتلال - رحمهم الله - [مصطفى علي، "الأزهر ودوره المحوري في إشعال ثورة ١٩١٩"، اليوم الإخباري، ٣٠ يناير ٢٠٢٥، ص ٤-٦].
س: متى تم توقيع اتفاقية الجلاء ومتى تم التنفيذ الكامل؟
ج: تم توقيع اتفاقية الجلاء في ١٩ أكتوبر ١٩٥٤، وتم التنفيذ الكامل بخروج آخر جندي بريطاني في ١٨ يونيو ١٩٥٦ [اليوم السابع، “الفيلم الوثائقي الجلاء"، ١٨ يونيو ٢٠٢٥، ص ٢].
يوم الجلاء هو يوم الأبطال، يوم الذين جاهدوا طويلًا حتى تحقق الحلم، إنهم جيش من الأبطال لا يُحصون: من مصطفى كامل الذي ألهب المشاعر بكلماته، إلى محمد فريد الذي مات في المنفى بعيدًا عن وطنه، إلى سعد زغلول الذي قاد ثورة شعبية عارمة، إلى علماء الأزهر الذين جاهدوا بالفتوى والكلمة والموقف، إلى كل شريف رفع رأسه وقال كلمة حق في وجه الاحتلال، هؤلاء جميعًا صنعوا يوم الجلاء في ١٨ يونيو ١٩٥٦، يوم الفخر والعزة والكرامة، فلتُروى سيرتهم للأجيال، ولتبقَ أسماؤهم منارات تضيء الطريق لكل من يريد الحرية.
ربط التاريخ الوطني بالمقاصد الشرعية يبني الوعي ويحمي هوية الأجيال.
ذكرى الجمهورية والجلاء تتويجٌ لنضال مصر وترسيخٌ لسيادتها الوطنية المستقلة.
ثورة يوليو: إعلان حكمٍ وطني ألهم المنطقة وغيّر المفاهيم السياسية والاجتماعية.
يوم الجلاء رمز العزة؛ جسد النصر المبين والجهاد لحرية الوطن.