Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ثورة يوليو ودورها الإستراتيجي في إدارة ملف الجلاء وتحقيق الاستقلال

الكاتب

هيئة التحرير

ثورة يوليو ودورها الإستراتيجي في إدارة ملف الجلاء وتحقيق الاستقلال

بإرادة صلبة بددت ظلمات عقود من الاحتلال، سُطِّرت ملحمة الجلاء الكبرى بمداد من العزة والكرامة الوطنية، التي أعادت غرسها ثورة الثالث والعشرين من يوليو المجيدة في نفوس أبنائها، لم يكن طرد آخر جندي بريطاني مجرد حدث تاريخي عابر، بل تجسيدًا لعبقرية سياسية وعسكرية فذة أدارت الملف ببراعة؛ لتنقل مصر من أغلال التبعية إلى آفاق الحرية.

الجلاء.. عبقرية الإدارة وتحويل الحلم إلى واقع

شكل جلاء القوات البريطانية عن أرض مصر حلمًا طال انتظار تحقيقه، حيث تكسرت على عتباته وعود المحتل الواهية طيلة أربعة وسبعين عامًا من الاحتلال العسكري الاستيطاني، ولم يكن توقيع اتفاقية الجلاء في ١٩ أكتوبر ١٩٥٤م وجلاء آخر جندي بريطاني في ١٨ يونيو ١٩٥٦م نتاج صدفة سياسية، بل كان ملحمة وطنية كبرى أدارتها الزعامة الوطنية لثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م بعبقرية استراتيجية فذة، غيرت بها قواعد اللعبة السياسية، وحولت ملف الاستقلال من ساحة الوعود العرقية إلى واقع مصري يفرض شروطه بـ "عزة وكرامة".

الإرث الثقيل وإعادة صياغة قواعد الاشتباك

تلقفت قيادة ثورة يوليو ملف الجلاء وهو يئن تحت وطأة إرث معقد من المفاوضات العقيمة والاتفاقيات المقيدة، وعلى رأسها اتفاقية ١٩٣٦م التي شرعنت وجود المحتل في منطقة القناة، ورغم قيام حكومة الوفد بإلغاء هذه المعاهدة من جانب واحد في أكتوبر ١٩٥١م وإطلاق شرارة الكفاح المسلح، إلا أن المشهد كان يفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية الموحدة، والتنسيق الشامل بين المقاومة على الأرض وأدوات الدولة، وهنا تجلت عبقرية الزعامة الوطنية الجديدة في إدراك أن انتزاع الاستقلال يتطلب تغييرًا جذريًا في استراتيجية إدارة الملف؛ فلم يعد الأمر مجرد احتجاجات شعبية، بل تحول إلى معركة استنزاف سياسي وعسكري واقتصادي منظمة، تخوضها دولة فتية بكامل مؤسساتها، وضمن رؤية إقليمية ودولية واضحة تضع بريطانيا العظمى أمام خيار وحيد: الرحيل. [ عبد الرحمن الرافعي، ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م: تاريخنا القومي في سبع سنوات ١٩٥٢- ١٩٥٩م، دار المعارف، القاهرة، ص ٨٥-٨٩]

عبقرية التفاوض: الإدارة الاستراتيجية لجمال عبد الناصر

أدار الرئيس جمال عبد الناصر، ومعه كوكبة من رجالات الثورة المفاوضات مع الجانب البريطاني بعقلية "لاعب الشطرنج" الذي يعرف متى يضغط ومتى يناور؟، تمثلت الاستراتيجية الناصرية في المزاوجة العبقرية بين "دبلوماسية الطاولة" و"عمليات الكوماندوز" في القناة، ففي الوقت الذي كان يجلس فيه المفاوض المصري متمسكًا بحق مصر المطلق في السيادة، كانت معسكرات الجيش البريطاني في القناة تحت وطأة حصار واستهداف مستمر من الفدائيين الأبطال، بدعم سري مباشر من الأجهزة السيادية للثورة، هذه الإدارة المزدوجة أفهمت لندن أن البقاء في مصر بات مكلفًا للغاية من الناحية البشرية والمادية، وأن القيادة الجديدة ليست كسابقتها يمكن خداعها بالحلول الوسط. [محمد حسنين هيكل. (١٩٨٦). ملفات السويس: حرب الثلاثين سنة، الأهرام للترجمة والنشر، الطبعة الأولى، ص ١٤٢-١٤٦، جريدة الأهرام، العدد الصادر بتاريخ ٢٧ يوليو ١٩٥٣، السنة ٧٩، العدد ٢٤٣٣٥، الصفحة الأولى: "عبد الناصر يحدد أسس المفاوضات: لا مساومة على الاستقلال التام"].

بنود الاتفاقية: تفكيك قيود الاحتلال قانونيًا وعمليًا

توجت هذه الإدارة الفذة بتوقيع الاتفاقية التاريخية في ١٩ أكتوبر ١٩٥٤ بقصر الزعفران بالقاهرة، وجاءت البنود لتعكس نجاح الإرادة المصرية في تفكيك الوجود البريطاني بجدول زمني صارم، وتمثلت أهم البنود فيما يلي:

مجلس الوزراء

بعد الاطلاع على الإعلان الدستوري الصادر في ١٠ من فبراير سنة ١٩٥٣م؛ وعلى القانون رقم ٦٣٧ لسنة ١٩٥٤م بالموافقة على الاتفاق وملحقيه، والخطابات المتبادلة الملحقة به، والمحضر المتفق عليه، المعقود بين حكومة جمهورية مصر، وحكومة المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وشمال أيرلندا، والموقع عليه بالقاهرة في ١٩ أكتوبر سنة ١٩٥٤م؛ وبناء على ما عرضه وزير الخارجية:

 قرر:

مادة ١ - يعمل اعتبارا من ١٩ أكتوبر سنة ١٩٥٤م بالاتفاق وملحقيه، والخطابات المتبادلة الملحقة به، والمحضر المتفق عليه، المعقود بين حكومة جمهورية مصر وحكومة المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وشمال أيرلندا، والموقع عليه بالقاهرة في ١٩ أكتوبر سنة ١٩٥٤م والمرافق نصه لهذا القرار.

مادة ٢ - على الوزراء كلٌّ فيما يخصه تنفيذ هذا القرار، رئيس مجلس الوزراء جمال عبد الناصر حسين بكباشي (أ. ح)

نص اتفاق ١٩ أكتوبر سنة ١٩٥٤م

إن حكومة جمهورية مصر وحكومة المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وشمال أيرلنده، إذ ترغبان في إقامة العلاقات المصرية- الإنجليزية على أساس جديد من التفاهم المتبادل والصداقة الوطيدة.

قد اتفقتا على ما يأتي:

(المادة ١)

تجلو قوات صاحبة الجلالة جلاء تامًا عن الأراضي المصرية وفقا للجدول المبين في الجزء (أ) من الملحق رقم (١) خلال فترة عشرين شهرًا من تاريخ التوقيع على الاتفاق الحالي.

(المادة ٢)

تعلن حكومة المملكة المتحدة انقضاء معاهدة التحالف الموقع عليها في لندن في السادس والعشرين من شهر أغسطس سنة ١٩٣٦م، وكذلك المحضر المتفق عليه، والمذكرات المتبادلة، والاتفاق الخاص بالإعفاءات والميزات التي تتمتع بها القوات البريطانية في مصر، وجميع ما تفرع عنها من اتفاقات أخرى.

(المادة ٣)

تبقى أجزاء من قاعدة قناة السويس الحالية، وهي المبينة في المرفق (أ) بالملحق رقم (٢) في حالة صالحة للاستعمال، ومعدة للاستخدام فورا وفق أحكام المادة الرابعة من الاتفاق الحالي، وتحقيقا لهذا الغرض يتم تنظيمها وفق أحكام الملحق رقم (٢)

(المادة ٤)

في حالة وقوع هجوم مسلح من دولة من الخارج على أي بلد يكون -عند توقيع هذا الاتفاق- طرفًا في معاهدة الدفاع المشترك بين دول الجامعة العربية الموقع عليها في القاهرة في الثالث عشر من شهر أبريل سنة ١٩٥٠م، أو على تركيا، تقدم مصر للمملكة المتحدة من التسهيلات ما قد يكون لازما لتهيئة القاعدة للحرب وإدارتها إدارة فعالة، وتتضمن هذه التسهيلات استخدام الموانئ المصرية في حدود ما تقتضيه الضرورة القصوى للأغراض سالفة الذكر.

(المادة ٥)

في حالة عودة القوات البريطانية إلى منطقة قاعدة قناة السويس وفقا لأحكام المادة (٤)، تجلو هذه القوات فورا بمجرد وقف القتال المشار إليه في تلك المادة.

(المادة ٦)

في حالة حدوث تهديد بهجوم مسلح من دولة من الخارج على أي بلد يكون -عند توقيع هذا الاتفاق- طرفًا في معاهدة الدفاع المشترك بين دول الجامعة العربية، أو على تركيا؛ يجري التشاور فورًا بين مصر والمملكة المتحدة.

(المادة ٧)

تقدم حكومة جمهورية مصر تسهيلات مرور الطائرات، وكذا تسهيلات النزول وخدمات الطيران المتعلقة برحلات الطائرات التابعة لسلاح الطيران الملكي التي يتم الإخطار عنها، وتعامل حكومة جمهورية مصر هذه الطائرات فيما يتعلق بالإذن بأية رحلة لها، معاملة لا تقل عن معاملتها لطائرات أية دولة أجنبية أخرى مع استثناء الدول الأطراف في معاهدة الدفاع المشترك بين دول الجامعة العربية، ويكون منح التسهيلات الخاصة بالنزول وخدمات الطيران المشار إليها آنفًا في المطارات المصرية في منطقة قاعدة قناة السويس.

(المادة ٨)

تقر الحكومتان المتعاقدتان أن قناة السويس البحرية -التي هي جزء لا يتجزأ من مصر- طريق مائي له أهميته الدولية من النواحي الاقتصادية والتجارية والاستراتيجية، وتعربان عن تصميمهما على احترام الاتفاقية التي تكفل حرية الملاحة في القناة الموقع عليها في القسطنطينية في التاسع والعشرين من شهر أكتوبر سنة ١٨٨٨ م.

(المادة ٩)

(أ) لحكومة المملكة المتحدة أن تنقل أية مهمات بريطانية من القاعدة أو إليها حسب تقديرها.

(ب) لا يجوز أن تتجاوز المهمات القدر المتفق عليه في الجزء (ج)، من الملحق رقم (٢) إلا بموافقة حكومة جمهورية مصر.

(المادة ١٠)

لا يمس الاتفاق الحالي، ولا يجوز تفسيره على أنه يمس بأية حال حقوق الطرفين والتزاماتهما بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة.

(المادة ١١)

تعتبر ملاحق هذا الاتفاق ومرفقاته جزءًا لا يتجزأ منه.

(الماد ة ١٢)

(أ) يظل هذا الاتفاق نافذًا مدة سبع سنوات من تاريخ توقيعه.

(ب) تتشاور الحكومتان خلال الإثني عشر شهرًا الأخيرة من تلك المدة، لتقرير ما قد يلزم من تدابير عند انتهاء الاتفاق.

(ج) ينتهي العمل بهذا الاتفاق بعد سبع سنوات من تاريخ التوقيع عليه، وعلى حكومة المملكة المتحدة أن تنقل، أو تتصرف فيما قد يتبقى لها وقتئذ من ممتلكات في القاعدة، ما لم تتفق الحكومتان المتعاقدتان على مد هذا الاتفاق.

(المادة ١٣)

يعمل بالاتفاق الحالي على اعتبار أنه نافذ من تاريخ توقيعه، وتُتَبادل وثائق التصديق عليه في القاهرة في أقرب وقت ممكن.

وإقرارا بما تقدم وقع المفوضون المرخص لهم بذلك هذا الاتفاق، ووضعوا أختامهم عليه.

تحرر في القاهرة في اليوم التاسع عشر من أكتوبر سنة ١٩٥٤م من صورتين باللغتين العربية والإنجليزية، ويعتبر كلا النصين متساويين في الرسمية. [نص اتفاق الجلاء بين حكومة جمهورية مصر وبريطانيا العظمى، في ١٩ أكتوبر ١٩٥٤، منشور من "وزارة الخارجية المصرية، القضية المصرية ١٨٨٢ م- ١٩٥٤م، المطبعة الأميرية بالقاهرة ١٩٥٥م، ص ٧٧٨ - ٨٥٣"].

حصد الثمار: الطريق إلى ١٨ يونيو ١٩٥٦م والسيادة المطلقة

لم تكن الاتفاقية مجرد حبر على ورق، بل جرى تنفيذها بدقة عسكرية فائقة تحت عين الزعامة الوطنية الراصدة، وفي ١٨ يونيو ١٩٥٦م، شهدت مصر أعظم أعيادها الوطنية؛ حيث غادر بورسعيد آخر جندي بريطاني من قوات الاحتلال (الميجور جون لوتش)، ليرتفع العلم المصري خفاقًا بأيدي الرئيس جمال عبد الناصر فوق مبنى "البحرية" (Navy House) ببورسعيد، معلنًا ولادة الفجر الجديد واستعادة مصر لسيادتها المطلقة، وتجلت النتائج الاستراتيجية لهذا الجلاء في تحول مصر إلى قوة إقليمية قائدة، مما مهد الطريق مباشرة لقرار تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية في يوليو ١٩٥٦م، لتعود القناة مصرية خالصة، وتتحول اتفاقية الجلاء من مجرد وثيقة قانونية إلى حجر الأساس في بناء الدولة المصرية الحديثة، القائمة على الاستقلال السياسي والاقتصادي.[ عبد الرحمن الرافعي، ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م: تاريخنا القومي في سبع سنوات ١٩٥٢- ١٩٥٩، دار المعارف، القاهرة، ص ٢٢٨، جريدة الأخبار، العدد الصادر بتاريخ ١٩ يونيو ١٩٥٦م، العدد ١٢٣٨، الصفحة الأولى بالكامل: "عيد الجلاء: عبد الناصر يرفع علم الحرية في سماء بورسعيد بعد ٧٤ عامًا من الظلام"، موسوعة مصر الحديثة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، المجلد الأول (التاريخ السياسي)، ص ٣٠٢-٣٠٥].

الخلاصة

إن خروج آخر جندي بريطاني في الثامن عشر من يونيو لم يكن نهاية مطاف، بل كان الفجر المشرق الذي أضاء طريق الكرامة؛ لبناء الدولة المصرية الحديثة بسواعد أولادها، وستبقى عبقرية زعامة ثورة يوليو في إدارة ملف الجلاء برهانًا خالدًا على أن إرادة الشعوب الحرة -متى تسلحت بالتخطيط والوطنية- قادرة على انتزاع المستحيل وصناعة المعجزات.

موضوعات ذات صلة

لقد شكل يوم الثامن عشر من يونيو لعام ١٩٥٦م المحطة الأبرز في تاريخ مصر الحديث؛ برحيل آخر جندي بريطاني

لقد كان صباح ٢٣ يوليو ١٩٥٢ إيذانًا بميلاد إحدى هذه اللحظات الخالدة في مصر؛ ليبدأ فصلٌ جديدٌ في كتاب تاريخ مصر

من رحم المعاناة واليأس والهزيمة تشرق أنوار النصر

يُشكل التاريخ الوطني بوصلة صياغة الوعي وبناء الهوية لدى الناشئة؛ حيث تتلاقى محطات الاستقلال الفاصلة كعيد الجلاء

من الأبطال الذين جاهدوا ضد الاحتلال البريطاني لمصر حتى تحقق الجلاء، مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول