Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حادثة دنشواي كيف تحولت جريمة الاحتلال البريطاني إلى شرارة للوعي الوطني

الكاتب

هيئة التحرير

حادثة دنشواي كيف تحولت جريمة الاحتلال البريطاني إلى شرارة للوعي الوطني

تمر في تاريخ الأمم المحتلة لحظاتٌ فارقة قد تبدو في ظاهرها أحداثًا عابرة، لكنها سرعان ما تتحول إلى شرارةٍ تشعل الوعي، وتزلزل أركان الاستعمار، وتعيد صياغة الوجدان الشعبي، وتعد حادثة دنشواي واحدة من تلك اللحظات التاريخية التي لم تبقَ مجرد واقعة محلية، بل تحولت إلى رمزٍ لمقاومة الاحتلال البريطاني، ومحطةٍ بارزة في نمو الوعي الوطني المصري.

البداية

في ظهيرة يوم الأربعاء ١٣ يونيو ١٩٠٦م، توجهت مجموعة من الضباط البريطانيين التابعين لكتيبة عسكرية كانت في طريقها من القاهرة إلى الإسكندرية، إلى صيد الحمام في بلدة دنشواي التابعة لمركز الشهداء بمحافظة المنوفية، وكانت هذه القرية مشهورة بأبراج الحمام التي يعتمد عليها الفلاحون في كسب عيشهم وحفظ غلالهم. [القصة الكاملة لحادثة دنشواي.. جبروت الإنجليزية في المنوفية، جريدة أخبار اليوم، الأرشيف].

  •  بدأت المأساة

وبدأت المأساة عندما أطلق أحد الضباط عيارًا ناريًّا لاصطياد الحمام بالقرب من أجران القمح والتبن، فأخطأت الرصاصة هدفها وأصابت سيدةً ريفية تُدعى "أم صابر" (زوجة مؤذن المسجد)، مما أدى إلى سقوطها قتيلةً في الحال، كما اشتعلت النيران في أجران الغلال بسبب البارود. [المصدر: دراسات تاريخية: حادثة دنشواي - محمد جمال الدين المسدي ص٩٠-٩١].

  • اندلاع النزاع

هبَّ أهالي القرية، يتقدمهم إمام المسجد الشيخ حسن محفوظ، والزوج المكلوم للقتيلة، وحاصروا الضباط وهم يصيحون: "الخواجة قتل المرأة وحرق الجرن". فأصاب الضباط البريطانيون الذعر، وأطلقوا النار على الفلاحين، مما أسفر عن مقتل شيخ الخفر وإصابة آخرين.

  • تطور الاشتباك

وتحوّل الموقف سريعًا إلى اشتباك بالأيدي والعصي والحجارة، مما أجبر الضباط على الفرار عَدْوًا ، وظل الضباط في حالة هروب لمسافة تقارب ثمانية كيلومترات تحت شمس محرقة، وقد أُصيب قائد الكتيبة الكابتن "بول" بضربة شمس شديدة، نتج عنها سقوطه قتيلًا بالقرب من قرية (سرسنا). ولما عثر عليه جنود الاحتلال، ظنوا أن الفلاحين هم الذين قتلوه، فبدأوا حملة انتقامية شرسة. [المصدر: مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية - عبد الرحمن الرافعي ص ٢٠٨].

سلطة الاحتلال تطغى

قرر اللورد كرومر، المعتمد البريطاني في مصر، استغلال هذه الحادثة لتعليم السكان المحليين احترام السلطة البريطانية، وتلقين الفلاحين المصريين درسًا قاسيًا، وألقت الشرطة القبض على أكثر من خمسين قرويًّا، واتهمتهم بالقتل، وحوكموا لا وفقًا لنظام المحاكم الذي أنشأه البريطانيون، بل أمام محكمة قليلة الاستخدام تعود إلى عشرين عامًا مضت.

وانتهى التحقيق والمحاكمة وتنفيذ العقوبات خلال ثلاثة أيام من وقوع الحادثة؛ فأُعدم أربعة قرويين شنقًا، وعوقب عشرون آخرون. [RUcore  مستودع مجتمع جامعة روتجرز المجلد الرابع ص ٤٥ بقلم: مارك جون كاركاناج]

قبضة كرومر الحديدية

منذ الاحتلال البريطاني لمصر عام ١٨٨٢م، ركزت سلطات الاحتلال جهودها على إخضاع البلاد سياسيًّا واقتصاديًّا، وكان الحاكم الفعلي لمصر هو المعتمد البريطاني اللورد كرومر (إيفلين بارينغ)، الذي استمر في منصبه قرابة ربع قرن.

واتسمت سياسة كرومر بالاستعلاء والبطش، وحرص على إظهار أن الوجود البريطاني يحقق "الاستقرار والنظام"، محاولًا عزل الريف المصري والفلاحين عن الحركات الوطنية الناشئة في المدن بقيادة الشباب والمثقفين. غير أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي وراءه احتقانًا شديدًا، ينتظر شرارةً واحدة لتفجيره.

المحكمة الصورية: بهتان العدالة العرفية

أصدرت المحكمة، التي كان من بين أعضائها بريطانيون، أحكامًا جائرة وقاسية بالإعدام والجلد والسجن بحق فلاحي قرية دنشواي، ونُفذت الأحكام بصورة علنية، وبأسلوب اتسم بالقسوة أمام أهالي القرية، وفي مكان الحادث، مما أثار سخطًا واسعًا داخل مصر وخارجها.

وشنت الصحافة الوطنية المصرية حملة مكثفة وسريعة بهدف فضح ممارسات سلطات الاحتلال والسياسة البريطانية بصفة عامة، كما قاد الزعيم مصطفى كامل حملة من باريس، من خلال مقال شهير وجّهه إلى الرأي العام العالمي في صحيفة "الفيجارو"، ونقلته عنه جريدة "اللواء".

وشاركت صحف أخرى، مثل "المؤيد" بقيادة الشيخ علي يوسف، و"المنبر" و"الظاهر"، في تفنيد المزاعم البريطانية وكشف زيفها. [عبد الرحمن الرافعي، المصدر السابق، ص ٢٠٨-٢١٧].

دور الصحافة الوطنية في الوعي القومي

ركزت الصحافة الوطنية على كشف ظلم حادثة دنشواي، وتفنيد ادعاءات الاحتلال وصحفه المتعاونة، واتسعت الحملة لتشمل معارضة الحكم المطلق، والمحاكم الاستثنائية، وتقييد الحريات الصحفية، وتوجيه التعليم لخدمة المحتل، والتمييز الوظيفي ضد المواطنين.

وقد أنهت الحادثة فترة الاستقرار التي كان الاحتلال يسعى إلى إظهارها، كما أسهمت في تقوية الحركة الوطنية من خلال تقارب الخديوي مع زعمائها.

ونجحت الحركة الوطنية في جذب الفلاحين إلى صفوفها في المدن، وهو ما كان يخشاه المحتل، فتزايدت الإضرابات.

دنشواي في عيون الأدباء

وتسابق الشعراء والكتّاب والصحافة إلى تخليد الحادثة، فكان من آثارها أن تبلور الكره الشعبي للاحتلال الإنجليزي ورفضه، وظل هذا الشعور يتعمق في نفوس المصريين ويشحنهم أكثر فأكثر حتى تفجّر في ثورة ١٩١٩م العارمة.

وقال شاعر النيل حافظ إبراهيم في الحادثة:

قتيلُ الشمسِ أورثنا حياةً           وأيقظَ هاجعَ القومِ الرقود

فليتَ كرومرَ قد باتَ فينا       يطوّقُ بالسلاسلِ كلَّ جيدِ

لننزعَ هذه الأكفانَ عنا       ونبعثَ في العوالمِ من جديدِ

وقال أحمد شوقي:

يا دنشواي على رُباك سلامُ      ذهبت بأنسِ ربوعِك الأيامُ

يا ليت شعري في البروجِ حمائمٌ    أم في البروجِ منيّةٌ وحِمامُ؟

ولئن سادت الدهشة والمفاجأيا دنشواي على رُباك سلامُ      ذهبت بأنسِ ربوعِك الأيامُ

يا ليت شعري في البروجِ حمائمٌ أم في البروجِ منيّةٌ وحِمامُ؟ مشاعر الشعب المصري في البداية؛ بسبب قسوة الأحكام وظلمها البيّن، فقد تحولت سريعًا إلى غضبٍ عارمٍ مكبوت، فقام مصطفى كامل (١٨٧٤-١٩٠٨م)، مؤسس الحزب الوطني، بحملة صحفية داخلية وأخرى دولية، وجولة في أوروبا للتشهير بمظالم الاحتلال وفضح سياسته، كما أثار الرأي العام الأوروبي، حتى في بريطانيا نفسها. وكتب الكاتب الإنجليزي الكبير جورج برنارد شو عام ١٩٠٦م: "إذا كانت الإمبراطورية البريطانية تود أن تحكم العالم كما فعلت في دنشواي، فلن يكون على وجه الأرض واجب سياسي مقدس وأكثر إلحاحًا من تقويض هذه الإمبراطورية وقمعها وإلحاق الهزيمة بها".

وفي المقابل، تبنت صحيفة "المقطم" موقفًا مضادًا للحركة الوطنية، إذ روجت لوجهة النظر البريطانية، وزعمت براءة الضباط وصفاء نيتهم. [مصطفى النحاس جبر يوسف، سياسة الاحتلال تجاه الحركة الوطنية ١٩٠٦-١٩١٤، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر، ١٩٧٥م، ص ٢٧].

كما ظلت قصة البطل الشعبي "زهران"، الذي واجه المشنقة بشموخ، مصدر إلهام للأجيال المتعاقبة، وأصبحت رمزًا للصمود الريفي. [رواية عذراء دنشواي - محمود طاهر حقي، ص ٤٧].

الصدى الدولي: اهتزاز عرش كرومر في لندن

شنت الصحف البريطانية ومجلس العموم حملة قوية ضد سياسة اللورد كرومر في مصر، وغذّت هذه الحملة جهودٌ مشتركة بين مصطفى كامل والخديوي عباس، من خلال التواصل مع أعضاء المجلس من مختلف الأحزاب.

وأثمرت هذه الضغوط في النهاية عن تنحي اللورد كرومر، واستقالته من منصبه بوصفه المعتمد البريطاني، وخلفه في المنصب السير أليدون جورست، الذي بادر بالنصح بالإفراج عن الفلاحين المسجونين على خلفية حادثة دنشواي.

وانتهج المعتمد الجديد سياسة اتسمت بالمهادنة والوفاق مع الخديوي؛ بغرض عزله عن الحركة الوطنية وصحفها، وإضعاف جبهة المقاومة.

الخلاصة

إن حادثة دنشواي لم تكن مجرد مأساة إنسانية مؤلمة، بل كانت معلمًا بارزًا في تاريخ مصر الحديث؛ فقد أثبتت للاحتلال البريطاني أن سياسة "اليد الحديدية" لا تضمن خضوع الشعوب، بل قد تعجّل بنهاية المستعمر.

لقد تحولت دماء فلاحي دنشواي البسطاء إلى بداية حقيقية للمقاومة، وشحنت النفوس، وعززت الوعي الوطني الذي أثمر بعد سنوات قليلة اندلاع ثورة ١٩١٩م  العارمة.

وبرهنت الحادثة على أن وعي الشعوب قد يخفت بعض الوقت، لكنه حين يستيقظ لا يهدأ حتى ينال حريته واستقلاله؛ لتظل دنشواي رمزًا خالدًا للتحول من قيود الظلم إلى فجر الخلاص الوطني.

موضوعات ذات صلة

تُطِلُّ ذِكْرَى ١٨ يونيو مُخَلِّدَةً جَلاءَ الاحتلال البريطاني وترسيخَ سيادةِ مصرَ واستقلالِها الوطني.

يُرَسِّخُ استحضارُ الجلاءِ الهويةَ الوطنيةَ ويُعزِّزُ الوعيَ والوفاءَ لتضحياتِ الأجدادِ.

شهدَ ١٨ يونيو ١٩٥٦ جلاءَ الاحتلالِ البريطاني واستعادةَ مصرَ سيادتَها الكاملةَ واستقلالَها.

يُمثِّلُ ١٨ يونيو تتويجًا لنضالِ المصريين بالجلاءِ والجمهوريةِ وترسيخِ السيادةِ الوطنيةِ.