وتسابق الشعراء والكتّاب والصحافة إلى تخليد
الحادثة، فكان من آثارها أن تبلور الكره الشعبي للاحتلال الإنجليزي ورفضه، وظل هذا
الشعور يتعمق في نفوس المصريين ويشحنهم أكثر فأكثر حتى تفجّر في ثورة ١٩١٩م العارمة.
وقال شاعر النيل حافظ إبراهيم في الحادثة:
قتيلُ الشمسِ أورثنا حياةً وأيقظَ هاجعَ القومِ الرقود
فليتَ كرومرَ قد باتَ فينا يطوّقُ بالسلاسلِ كلَّ جيدِ
لننزعَ هذه الأكفانَ عنا ونبعثَ في العوالمِ من جديدِ
وقال أحمد شوقي:
يا دنشواي على رُباك سلامُ ذهبت بأنسِ ربوعِك الأيامُ
يا ليت شعري في البروجِ حمائمٌ أم في البروجِ منيّةٌ وحِمامُ؟
ولئن سادت الدهشة والمفاجأيا دنشواي على رُباك سلامُ ذهبت بأنسِ ربوعِك الأيامُ
يا ليت شعري في البروجِ حمائمٌ أم في البروجِ منيّةٌ وحِمامُ؟ مشاعر الشعب المصري في البداية؛ بسبب قسوة
الأحكام وظلمها البيّن، فقد تحولت سريعًا إلى غضبٍ عارمٍ مكبوت، فقام مصطفى كامل
(١٨٧٤-١٩٠٨م)، مؤسس الحزب الوطني، بحملة صحفية داخلية وأخرى دولية، وجولة في أوروبا
للتشهير بمظالم الاحتلال وفضح سياسته، كما أثار الرأي العام الأوروبي، حتى في بريطانيا
نفسها. وكتب الكاتب الإنجليزي الكبير جورج برنارد شو عام ١٩٠٦م: "إذا كانت الإمبراطورية
البريطانية تود أن تحكم العالم كما فعلت في دنشواي، فلن يكون على وجه الأرض واجب سياسي
مقدس وأكثر إلحاحًا من تقويض هذه الإمبراطورية وقمعها وإلحاق الهزيمة بها".
وفي المقابل، تبنت صحيفة "المقطم" موقفًا مضادًا للحركة الوطنية،
إذ روجت لوجهة النظر البريطانية، وزعمت براءة الضباط وصفاء نيتهم. [مصطفى النحاس جبر يوسف، سياسة الاحتلال تجاه الحركة الوطنية
١٩٠٦-١٩١٤، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر،
١٩٧٥م، ص ٢٧].
كما ظلت قصة البطل الشعبي "زهران"، الذي واجه المشنقة بشموخ،
مصدر إلهام للأجيال المتعاقبة، وأصبحت رمزًا للصمود الريفي. [رواية عذراء دنشواي - محمود طاهر حقي، ص ٤٧].