Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

عيد الجلاء يوم استرداد السيادة المصرية وبناء الشخصية الوطنية

الكاتب

هيئة التحرير

عيد الجلاء يوم استرداد السيادة المصرية وبناء الشخصية الوطنية

تُطل علينا ذكرى عيد الجلاء ١٨ يونيو لتخلد ملحمة وطنية توجت استقلال مصر بعد عقود طويلة من نير الاحتلال البريطاني، فبزغ فجر عيد الجلاء مع خروج القوات البريطانية، ليمثل انطلاقة حقيقية نحو ترسيخ السيادة وإعادة اكتشاف عبقرية الشخصية المصرية.

من ذكرى عيد الجلاء إلى رحاب الحرية والسيادة

تحتفل مصرنا العزيزة في الثامن عشر من يونيو بذكرى خالدة في وجدان الأمة، وهي "عيد الجلاء"؛ ذلك اليوم المشهود من عام ١٩٥٦م الذي شهد خروج آخر جندي بريطاني عن أرض الكنانة بعد احتلال دام قرابة أربعة وسبعين عامًا، وإن هذا اليوم ليس مجرد مناسبة عابرة لالتماس الذكريات أو التغني بأمجاد الماضي، بل هو محطة استراتيجية فارقة لاسترداد السيادة المصرية الكاملة، ومنطلق حقيقي لإعادة إحياء "الشخصية المصرية" وتجديد معالمها الأصيلة التي صُنعت عبر التاريخ.

من وحي عيد الجلاء إلى موقف الشريعة الغراء تجاه الأوطان

إن الشريعة الإسلامية الغراء لم تنظر إلى حب الوطن والدفاع عن ترابه كمسألة دنيوية مجردة، بل جعلتها في صميم المقاصد الشرعية الكبرى التي تُبذل دونها النفوس.

وقد ثبت في السُّنّة المشرفة ما يؤكد عمق هذا الانتماء؛ كما في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ، أَوْضَعَ نَاقَتَهُ (أي أسرع بها)، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا" [البخاري: ١٨٨٦].

وفي هذا الحديث دلالة واضحة على أن الحنين إلى الوطن، والابتهاج برؤية حدوده، هو جبلَّة شريفة وفطرة نبوية سوية.

كما أن استرداد السيادة ودحر المستعمر الذي يغتصب الأرض ويهدد العِرض هو ذروة سنام الدفع المشروع؛ حيث ورد في السنة أيضا ما يؤيد هذا المعني؛ كما في الحديث عن سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» [أبو داود: ٤٧٧٢، والترمذي: ١٤٢١].

فإن الغايات العظمى التي وضعها الإسلام لحماية الإنسان وضمان الاستقرار في مقاصد الشريعة الإسلامية تمثل في كليات ست؛ وهي:

حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال، والعرض [ينظر نهاية السول شرح منهاج الوصول: ص٣٢٦ ط دار الكتب العلمية].

فالوطن هو جامع المال والدم والأهل والدين؛ فبالتالي أو بالمحصلة يكون تطهيره من دنس الاحتلال هو حماية لكل هذه الكليات الست.

من ذكرى عيد الجلاء رؤية متجددة للشخصية المصرية

وفي سياق قراءة هذه المناسبة برؤية مستنيرة، نسترشد بما أورده معالي الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري في أطروحته الفكرية وعمله المتميز "الشخصية المصرية خطوات على طريق استعادة الثقة" حول كيفية تكوين الشخصية المصرية؛ حيث يؤكد أن القضية اليوم ليست في الاكتفاء بالتغني بالماضي مع وجود حاضر يحتاج إلى عمل، بل القضية الأساسية هي الاستمرار في صناعة الحاضر والمستقبل على ضوء التجربة التاريخية الملهمة لهذا الوطن.

إن الإنسان المصري قد تمر به أحداث أو سنوات عِجاف تجعل ثباته النفسي يتزلزل، ولكن إعادة الحفر والتنقيب في الذاكرة الوطنية العريقة يكشف عن معدن هذا الإنسان الذي يستعصي على الهدم، وقدرته الفائقة على تحويل الأزمات إلى نجاحات متتالية، فالمصري في حقيقته -كما صاغه تاريخ التحرر والجلاء- هو إنسان:

متدين تدينًا يصنع الحضارة: تدينًا نقيًا يبتعد عن ثلاثة مظاهر مشوهة طرأت في بعض المراحل؛ وهي: (الجنوح بالتدين إلى الخرافة واللامعقولية، أو التكسب بالتدين والارتزاق، أو استغلال التدين لتحقيق أهواء ومآرب خاصة كحال جماعات أهل الشر والتيارات المتطرفة التي تحاول تفكيك مفهوم الوطن).

واسع الأفق: لم يكن يومًا منغلقًا، فمصر كانت وما زالت نقطة الالتقاء المركزية لشعوب الأرض وطريق الحج القديم، مما أكسب الإنسان المصري أريحية وسعة وكهولية فكرية ترفض الانكفاء والتقوقع.

شغوف بالعمران والتشييد: يملك ولعًا تاريخيًا بالبناء تترجمه مساحات المعمار الممتدة عبر العصور.

قوي ومستنير: يمتلك ثباتًا باطنيًا باهرًا، قادرًا على تحويل "الإرادة" إلى "إدارة" وبرامج عمل وصناعة نجاح (تتجلى في الهمة، العزيمة، التحدي، والإصرار) [الشخصية المصرية خطوات على طريق استعادة الثقة – معالي وزير الأوقاف الأستاذ الدكتور أسامة الأزهر: ص١١ إلى ٥١].

تحويل القيم والأخلاق إلى مؤسسات:

إن العبقرية المصرية التي تجلت يوم ١٨ يونيو ١٩٥٦م لم تقف عند حد إجلاء الجنود، بل امتدت لتحقيق المقصد الأسمى من مقاصد الدين والحضارة؛ وهو تحويل الأخلاق والقيم إلى مؤسسات فاعلة على أرض الواقع.

إن الأمة عندما تلقت الوحي الشريف، لم تجعل قيم الآيات مجرد كلمات تُتلى، بل حوّلتها إلى برامج عمل مجتمعية:

تحويل الرحمة إلى مؤسسات: فالرحمة هي البذرة الأم لمنظومة القيم كلها، ومنها انبثقت مشافي العلاج، والتكايا، ومؤسسات الرعاية.

تحويل العلم إلى مؤسسات: فالعلم في الوعي المصري هو مفتاح نهوض الحضارات، وتحويله من قيمة مجردة إلى مؤسسات (كالجامعات والمعاهد والأزهر الشريف) هو الذي عالج ويعالج أمراض الأمية الفكرية والثقافية والتكنولوجية.

تحويل الجمال والذوق الرفيع إلى مؤسسات: ليتجلى أثر الجمال في طريقة التفكير، احترام الحرف، وآداب التخاطب، وتوقير قيمة الوطن والانضباط [ينظر الشخصية المصرية خطوات على طريق استعادة الثقة – معالي وزير الأوقاف الأستاذ الدكتور أسامة الأزهر: ص٥٥ إلى ٩٥].

من وحي عيد الجلاء نسيج واحد ووحدة وطنية وشراكة دائمة

من أبهى معالم ملحمة الجلاء والسيادة الوطنية، أنها برهنت على أن الحضارة المصرية هي نسق إنساني واسع يتسع للناس جميعًا مهما اختلفت العقائد، لقد تضافر على صناعة هذا الاستقلال وحماية تراب الوطن على اختلاف دياناتهم لم يفرقهم شيء فترى المسلم والمسيحي معًا في خندق واحد، وقدم النموذج المصري الوطني أدوارًا مشرفة في تاريخ النضال الوطني والتنمية والوحدة الوطنية؛ مما يثبت أنه لا مجال لأي فكر متطرف أو دخيل أن يتدخل لينزع أو يفسد هذه العروة الوثقى بين أبناء الوطن الواحد.

رسالة عيد الجلاء لجيل اليوم

إننا في عيد الجلاء نرسل رسالة واضحة للأجيال الحاضرة والناشئة بإن أرضًا رُويت بدماء الشهداء، وعقولًا حُصِّنَت بوعي العلماء، لا يمكن أن تسلّم لليأس أو الإحباط، وإن ثقتنا في الإنسان المصري -سر هذا الوطن العظيم- بلا حدود؛ فهو قادر بفضل الله على استيعاب ظروف عصره وفهم مشكلاته واختراقها وصناعة النجاح من جديد.

فنسأل الله العلي القدير أن يحفظ مصرنا الغالية، وأن يرحم شهداءنا الأبرار، وأن يوفق قيادتنا وجيشنا ومؤسساتنا لاستكمال مسيرة البناء والتنمية والتنوير، لتظل مصر دائمًا عاصمة العلم والحكمة، ورائدة العمران في العالمين.

الخلاصة

يبقى عيد الجلاء ١٨ يونيو نبراسا يضيء طريق الأجيال نحو التمسك بقيم استقلال مصر وحماية ترابها الوطني بعد طَي صفحة الاحتلال البريطاني، وبرهن خروج القوات البريطانية على أن إرادة الأمة لا تُقهر، جاعلة من ذكرى عيد الجلاء محطة دائمة لاستلهام العزيمة، وتستلزم هذه التضحيات استنهاض طاقات الشخصية المصرية لمواصلة مسيرة العمران وتحويل الانتماء الصادق إلى مؤسسات فاعلة.

موضوعات ذات صلة

من هم أبطال النضال السياسي والحربي الذين جاهدوا ضد الاحتلال البريطاني لمصر حتى تحقق الجلاء في ١٨ يونيو ١٩٥٦؟

يُشكل التاريخ الوطني بوصلة صياغة الوعي وبناء الهوية لدى الناشئة.

شكل يوم الثامن عشر من يونيو لعام ١٩٥٦م المحطة الأبرز في تاريخ مصر الحديث.

شهدت مصر خلال فترة الاحتلال البريطاني (١٨٨٢–١٩٥٦) تحولات اجتماعية عميقة.

ما هي المنطلقات الفكرية التي تستند إليها الجماعات المتطرفة في تكفير المجتمعات والخروج على الدول؟ 

موضوعات مختارة