Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التحالف مع يهود المدينة

الكاتب

هيئة التحرير

التحالف مع يهود المدينة

يتصدر الوجود اليهودي في يثرب المشهد الاقتصادي والاستراتيجي قبل الإسلام، محكومًا بعلاقات متوترة مع الأوس والخزرج، سرعان ما تبدلت موازينها بـ "وثيقة المدينة" التي صاغها الرسول - صلى الله عليه وسلم - كدستور سياسي يضمن الحريات ويؤمن الجبهة الداخلية، غير أن هذا التحالف التاريخي واجه مآلًا حتميًّا من الصدام، بعد نقض العهود والتآمر ضد الدولة الناشئة، مما يضع أمامنا دروسًا بليغة في القيادة والتنظيم.

طبيعة الوجود اليهودي في يثرب وعلاقاتهم قبل الإسلام

كانت رابطة اليهود بيثرب تقوم على الإقامة بها واستغلال خيراتها، والإثراء بعائدها من الثمرات والأموال، ولقد اختاروها مقرًا لسكناهم دون غيرها من الأماكن بالجزيرة العربية، لما عرفت به أرضها من خصوبة جعلت فيها كثيرا من الزروع والنخيل والأعناب، ولموقعها الاستراتيجي الممتاز، إذ كانت تمر بها القبائل في ذهابها إلى الشام أو عودتها منها فيشهد الناس بها منافع لهم وتزدهر فيها الحركة التجارية والاقتصادية، وكان يهود يثرب يتألفون من بني قينقاع في داخلها، وبني قريظة في فدك، وبني النضير على مقربة منها، ويهود خيبر في شمالها، وكانت كل جماعة من هؤلاء تشكل إقطاعًا زراعيًا واحتكارًا تجاريًا، وعلى الرغم من أن اليهود كانوا أهل كتاب ودعاة وحدانية فإن التاريخ يسجل خروجهم على الرسالات السماوية وإهدارهم القيم الروحية والمبادئ الإنسانية، وكانت علاقتهم بجيرانهم من الأوس والخزرج في المدينة قبل أن يدخلها الإسلام تقوم على الحقد والمقت، وإذا كان لهؤلاء عذرهم في عداوتهم لليهود بوصفهم من عباد الأوثان، فماذا كان عذر اليهود وهم أصحاب التوراة ؟!

سياسة اليهود وسلاح الدس والوقيعة بعد إسلام الأوس والخزرج

لقد أسلم الأوس والخزرج حين دعاهم سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى شريعة الحق، وقاموا بدورهم في نشر عقيدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما اليهود فقد بقوا على دينهم، وظلت سياستهم في المدينة تقوم على تدبير الخطط الكفيلة بالإبقاء على مصالحهم وامتيازاتهم والاستئثار بكل الخيرات دون غيرهم من السكان.

وقد سبقت الإشارة إلى أن اليهود حين أدركوا أنهم عاجزون عن الدفاع عن أرضهم وأموالهم والتوسع في المدينة للاستيلاء على مزيد من الأرض؛ لفرط حرصهم على أرواحهم من أن تزهق في القتال، لجئوا إلى سلاحهم التقليدي، سلاح الدس والوقيعة وإشاعة الفرقة بين الأوس والخزرج ليشغلوهم عنهم بالتنازع والاقتتال، ويستردوا بذلك بعض سيادتهم المهدرة وسلطانهم الضائع بعد هزيمتهم من نصارى الشام.

استغلال اليهود للبشارة النبوية وموقفهم النفعي من مقدم الرسول - صلى الله عليه وسلم -

كان يهود المدينة يستغلون معرفتهم ببعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيقولون للأوس والخزرج كلما اختلفوا معهم: إن نبيا مبعوثا الآن قد أطل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وارم، فلما كلم النبي - صلى الله عليه وسلم - أولئك النفر من الخزرج الذين وفدوا إلى مكة للحج، نظر بعضهم إلى بعض وقالوا: والله إنه للنبي الذي تواعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه، ودخلوا في دين الله، وقالوا للرسول - صلى الله عليه وسلم - إنا قد تركنا قومنا وبينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، وأن يجمعهم عليك، فلا رجل أعز منك.

ومن ذلك يتبين كيف كان اليهود يستغلون معرفتهم ببعثة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - في إرهاب الأوس والخزرج بقولهم: إنهم سينضمون إلى النبي المرسل ويحاربون معه، فيجهزون عليهم بحكم رابطة الوحدانية التي تجمع بين اليهود وبينه مستهدفين من زعمهم هذا إلقاء الرعب في نفوس منافسيهم في المدينة، حتى يصيبوهم بالوهن والعجز عن محاربتهم ومن ثم لا ينازعونهم في استعمار المدينة واستغلالها، وكانوا يهدفون من جهة أخرى إلى بذر بذور العداء بين الأوس والخزرج وبين النبي المبعوث حين يعلم أولئك أنه سينضم إلى اليهود في شن الحرب عليهم.

ومن الواضح أن اليهود كانوا كاذبين فيما زعموا من عزمهم على محالفة الرسول الذي علموا من التوراة ببعثه في الجزيرة العربية، إذ كانوا قد أعدوا العدة للكيد له ما لم ينضو تحت أجنحتهم، كي يظلوا هم وحدهم أصحاب عقيدة الوحدانية في الجزيرة، وبالتالي سادتها ومستغليها ولم يكن ذلك تعصبًا دينيًا منهم بلغ حد الكفر فحسب، بل كان حفاظًا على سلطانهم القائم على الأطماع.

وقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - مهاجرًا إلى يثرب التي انتشر فيها الإسلام وعلا شأنه، وانتظر أهلها على شوق أن يطلع عليهم البدر من ثنيات الوداع، فلما أشرقت طلعته استقبلوه أعظم استقبال سواء في ذلك المسلمون الذين هاجروا من مكة والذين اتبعوا محمدًا من الأوس والخزرج أو الذين لم يدخلوا الإسلام من قبائل المدينة ويهودها، وقد يعجب امرؤ من أمر هؤلاء اليهود؛ كيف يحسنون لقاء محمد، وهم أعداؤه؟! ولكن هذا العجب سرعان ما يزول إذ نتذكر ما طبع عليه اليهود من نفاق ومن رغبة في الوصول إلى أهدافهم بغض النظر عن شرعية الوسيلة.

ومن هنا أقبل اليهود على استقبال الرسول متظاهرين بالمودة، لعلهم يجنون بها ما لا يجنون بالمجاهرة بالعداء لاسيما أنهم شاهدوا بأعينهم ما كان عليه الإسلام من بأس وقوة في المدينة، ولا غرو أن يحيطوا بالرسول بين من أحاطوا به لعل ذلك يفيدهم سياسيًا واجتماعيًا، أما إذا مالت الريح عن محمد فهم معها حيث تميل، وإن هذه لموهبتهم التي لا يجاريهم فيها أحد من بني البشر، ويعلل أحد الباحثين مبادرة يهود المدينة إلى حسن استقبال النبي بظنهم أن في مقدورهم استمالته إليهم، وإدخاله في حلفهم والاستعانة به على تأليف جزيرة العرب حتى تقف في وجه النصرانية التي أجلت اليهود - شعب الله المختار في زعمهم عن فلسطين أرض الميعاد ووطنهم القومي كما يفترون.

سياسة النبي في كفالة الحريات وبنود وثيقة التحالف السياسي

ظل اليهود يرقبون في حذر تزايد النفوذ الإسلامي بالمدينة والغيرة تنهش صدورهم، والنبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - يؤمنهم ويكفل لهم حرية العقيدة، مثلهم في ذلك مثل المسلمين والنصارى كلهم سواء في تلك الحرية، بل إنه كان يفسح لليهود صدره ويوثق معهم صلاته، فيتحدث إلى رؤسائهم وهو صاحب السلطان الأكبر في يثرب، ويمنحهم مودته، ويسبغ عليهم من عطفه ووفائه وبره حتى ليصوم يوم صومهم، فضلًا عن رابطة بيت المقدس التي تصله بهم، إذ كانت قبلته في الصلاة كما كانت قبلة أنظارهم ومثابتهم جميعا.

واتجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بادئ ذي بدء إلى إنشاء وحدة سياسية ونظامية واجتماعية - كما أسلفنا - بين سكان المدينة من المسلمين واليهود، ومهد ذلك بتوحيد المسلمين بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ثم بدأ يعمل بعد أن كسب مودة اليهود على عقد تحالف سياسي معهم بوصفهم أهل كتاب موحدين ضد المشركين من قريش.

وجاء هذا العقد ضمن صحيفة " وثيقة كتبها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار، إذ واعد فيها اليهود وعاهدهم وأقرهم على عقيدتهم وأموالهم، واشترط عليهم وشرط لهم: فمن تبعنا من يهود فإن له النصرة والأسوة - أي: المساواة في المعاملة - غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وإن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم أو أثم، فإنه لا يوتِع - يُهلك ويُفسد - إلا نفسه وأهل بيته.

وإن ليهود بني النجار ويهود بني الحارث ويهود بني ساعدة ويهود بني جُشَمَ ويهود بني الأوس، ويهود بني ثعلبة ولجَفْنَة ولبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن موالي ثعلبة كأنفسهم، وإن بطانة يهود كأنفسهم، وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد، وأنه لا يُنحجز على ثأر جرح - لا يلتئم جرح على ثأر - وإنه من فتك فبنفسه وأهل بيته؛ إلا من ظلم وإن الله على أبر هذا - على أبر هذا أي على الرضا به - ، وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه وإن النصر للمظلوم وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة وإن المجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله ، وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دُعُوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو أثم، وإن من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن بر واتقى" [سيرة ابن هشام ٥٠٣ /١ بتصرف].

وتُثبت هذه الوثيقة التاريخية مدى الحقوق والحريات الواسعة التي منحها سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليهود المدينة ممن وقعوا عليها، حقوق وحريات مدنية وسياسية وعقائدية يتساوون بها مع المسلمين، كما تسجل الالتزامات التي ألقيت على كاهلهم والتي تكفل لهم بدورها المساواة مع المسلمين، وهي التحالف في الدفاع عن المدينة إذا هاجمتها قريش، والتضامن مع المسلمين في احترام نصوص هذه المعاهدة، لذلك لم يمض غير قليل حتى أقبل يهود بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع، وكانوا لم يشتركوا في التوقيع على هذه المعاهدة يعلنون عن رغبتهم في الانضواء إليها، ويقبل النبي هذا العرض فيوقعون عليها.

نقض اليهود للعهد والمآل التاريخي للتحالف والدروس المستخلصة

انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد تأمين الجبهة الداخلية بمقتضى هذا العهد إلى شئون الدين، وإلى تدعيم القيم الروحية في نفوس المسلمين، بإشاعة الإخاء والعدل والمحبة والرحمة بين بعضهم وبعض من طريق القدوة الحسنة، واضعًا بذلك أركان الدولة الإسلامية الأولى التي قامت على أكتافها أسس الحضارة الجديدة، تلك هي التدابير التي اتخذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنفيذًا لخطة العمل في المدينة: بناء المسجد، وتوحيد المسلمين، وعقد معاهدة مع اليهود، ولقد نجحت تلك التدابير نجاحا كاملا فيما عدا محالفة اليهود؛ إذ كان نجاحها جزئيا، وإن كان قد أوفي بغايته في المرحلة الأولى؛ ذلك أن اليهود سرعان ما قلبوا للنبي ظهر المجنّ [ المجن هو: النرس ويقولون قلب له ظهر المجن أي عاداه من بعد مودة، يضرب لمن كان لصاحبه على مودة ورعاية ثم حال عن العهد] ولم يقدروا مزايا الحلف الذي كفل لهم جميع الحقوق والحريات، فخالفوا العهد الذي قطعوه على أنفسهم وبدءوا يكيدون للنبي وينكرون نبوته ويتآمرون ضده مع من بقي على الشرك من الأوس والخزرج ومن أسلم منهم نفاقًا رغبة في مغنم أو اتقاء لمغرم، وقد غلبت عليهم طبيعتهم وما جبلوا عليه من مكر سيئ حتى تآمروا على اغتيال رسول الله بعد أن عجزوا عن الوقيعة بين المهاجرين والأنصار، والتفرقة بين الأوس والخزرج، ثم تحالفوا سرًا مع المشركين من أهل مكة لاقتحام معقل المسلمين بالمدينة عنوة فلم يكن ثمة مناص من الضرب على أيديهم بشدة، فكانت غزوتا بني قينقاع وبني النضير، ثم غزوة خيبر التي انتهت بانتصار الإسلام وسقوط أعدائه.

وبعد، فما أشبه الليلة بالبارحة، وما أجدر بنا في ظل المرحلة الحاسمة التي تمر بها أمتنا العربية أن نتدارس هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ضوء علم التخطيط والتنظيم والقيادة والإدارة ونستخلص منها الخطط والأساليب التنظيمية القادرة على تأمين ديننا وقوميتنا ونظمنا الاجتماعية في معركة المصير ضد أعدائنا وأعداء القيم الإنسانية.

قال الله تعالى: ﴿وَلَیَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن یَنصُرُهُۥ﴾ [الحج: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰۤ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].

الخلاصة

يقوم بناء الدولة الإسلامية بالمدينة على الموازنة بين الحزم القيادي وكفالة الحريات المدنية والعقدية لكافة المكونات، وتبرز الحاجة اليوم لاستلهام علوم التخطيط والتنظيم النبوي لتأمين مقومات الأمة السياسية والاجتماعية في معركة المصير، فالشواهد التاريخية تؤكد حتمية سقوط نقض المواثيق والتآمر الداخلي أمام قوة الحق والتدبير المحكم.

موضوعات ذات صلة

الهجرة النبوية كانت نقطة انطلاق لـتجربة اجتماعية فريدة في التعايش السلميّ بين مختلف الجماعات الدينيّة والعرقيّة

الهجرة النبوية كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان: عقله، وقلبه، وسلوكه، ومكانته في المجتمع

لقد زرع النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الخلق في قلوب أصحابه؛ ليصنع مجتمعًا مترابطًا يفيض بالحب واليقين

الهجرة النبوية كانت ميلادًا لعهد سياسي واجتماعي جديد

كانت الهجرة انتقالًا استراتيجيًا من مرحلة الدعوة إلى مرحلة بناء الدولة والمجتمع

موضوعات مختارة