كان يهود المدينة يستغلون معرفتهم ببعثة الرسول - صلى الله عليه
وسلم - فيقولون للأوس والخزرج كلما اختلفوا معهم: إن نبيا مبعوثا الآن قد أطل
زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وارم، فلما كلم النبي - صلى الله عليه وسلم -
أولئك النفر من الخزرج الذين وفدوا إلى مكة للحج، نظر بعضهم إلى بعض وقالوا: والله
إنه للنبي الذي تواعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه، ودخلوا في دين الله، وقالوا
للرسول - صلى الله عليه وسلم - إنا قد تركنا قومنا وبينهم من العداوة والشر
ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، وأن يجمعهم عليك، فلا رجل أعز منك.
ومن ذلك يتبين كيف كان اليهود يستغلون معرفتهم ببعثة سيدنا محمد - صلى
الله عليه وسلم - في إرهاب الأوس والخزرج بقولهم: إنهم سينضمون إلى النبي المرسل
ويحاربون معه، فيجهزون عليهم بحكم رابطة الوحدانية التي تجمع بين اليهود وبينه
مستهدفين من زعمهم هذا إلقاء الرعب في نفوس منافسيهم في المدينة، حتى يصيبوهم
بالوهن والعجز عن محاربتهم ومن ثم لا ينازعونهم في استعمار المدينة واستغلالها،
وكانوا يهدفون من جهة أخرى إلى بذر بذور العداء بين الأوس والخزرج وبين النبي
المبعوث حين يعلم أولئك أنه سينضم إلى اليهود في شن الحرب عليهم.
ومن الواضح أن اليهود كانوا كاذبين فيما زعموا من عزمهم على محالفة
الرسول الذي علموا من التوراة ببعثه في الجزيرة العربية، إذ كانوا قد أعدوا العدة
للكيد له ما لم ينضو تحت أجنحتهم، كي يظلوا هم وحدهم أصحاب عقيدة الوحدانية في
الجزيرة، وبالتالي سادتها ومستغليها ولم يكن ذلك تعصبًا دينيًا منهم بلغ حد الكفر
فحسب، بل كان حفاظًا على سلطانهم القائم على الأطماع.
وقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - مهاجرًا إلى يثرب التي
انتشر فيها الإسلام وعلا شأنه، وانتظر أهلها على شوق أن يطلع عليهم البدر من ثنيات
الوداع، فلما أشرقت طلعته استقبلوه أعظم استقبال سواء في ذلك المسلمون الذين
هاجروا من مكة والذين اتبعوا محمدًا من الأوس والخزرج أو الذين لم يدخلوا الإسلام
من قبائل المدينة ويهودها، وقد يعجب امرؤ من أمر هؤلاء اليهود؛ كيف يحسنون لقاء
محمد، وهم أعداؤه؟! ولكن هذا العجب سرعان ما يزول إذ نتذكر ما طبع عليه اليهود من نفاق
ومن رغبة في الوصول إلى أهدافهم بغض النظر عن شرعية الوسيلة.
ومن هنا أقبل اليهود على استقبال الرسول متظاهرين بالمودة، لعلهم
يجنون بها ما لا يجنون بالمجاهرة بالعداء لاسيما أنهم شاهدوا بأعينهم ما كان عليه
الإسلام من بأس وقوة في المدينة، ولا غرو أن يحيطوا بالرسول بين من أحاطوا به لعل
ذلك يفيدهم سياسيًا واجتماعيًا، أما إذا مالت الريح عن محمد فهم معها حيث تميل،
وإن هذه لموهبتهم التي لا يجاريهم فيها أحد من بني البشر، ويعلل أحد الباحثين
مبادرة يهود المدينة إلى حسن استقبال النبي بظنهم أن في مقدورهم استمالته إليهم،
وإدخاله في حلفهم والاستعانة به على تأليف جزيرة العرب حتى تقف في وجه النصرانية
التي أجلت اليهود - شعب الله المختار في زعمهم عن فلسطين أرض الميعاد ووطنهم
القومي كما يفترون.