تعلمنا من هذه الرحلة العظيمة دروسًا خالدة في الصبر على الشدائد، وأهمية التخطيط المحكم، والثقة المطلقة بالله سبحانه وتعالى، وقوة الإيمان التي تدفع الإنسان لتحقيق المستحيل، وصدق الله العظيم الذي جعل رحلة الهجرة تتجسد أمام الأعين عن طريق وصف شعور طريق تلك اللحظة الفارقة ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِینَتَهُۥ عَلَیۡهِ وَأَیَّدَهُۥ بِجُنُودࣲ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِیَ ٱلۡعُلۡیَاۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمٌ﴾
[التوبة: ٤٠].
ولنعد
الآن إلى التأمل فيما سردناه من قصة هجرته - عليه الصلاة والسلام - لنستنبط منها
الدلالات والأحكام الهامة لكل مسلم:
١-
من أبرز ما يظهر لنا من قصة هجرته - عليه الصلاة والسلام - استبقاؤه لأبي
بكر - رضي الله عنه - دون غيره من الصحابة كي يكون رفيقه في هذه الرحلة.
وقد
استنبط العلماء من ذلك مدى محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر وأنه أقرب
أصحابه إليه وأولاهم بالخلافة من بعده، ولقد عززت هذه الدلالة أمور كثيرة أخرى مثل
استخلافه عليه الصلاة والسلام له في الصلاة بالناس عند مرضه وإصراره على أن لا
يصلي عنه غيره، ومثل قوله في الحديث الصحيح: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا،
لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا» [مسلم: ٢٣٨٣].
٢- قد يخطر في بال المسلم أن يقارن بين
هجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهجرة النبي - عليه الصلاة والسلام - ويتساءل: لماذا
هاجر عمر علانية متحديًا المشركين دون أي خوف ووجل، على حين هاجر رسول الله
مستخفيا محتاطا لنفسه؟ أيكون عمر بن الخطاب رضي الله عنه أشد جرأة من النبي عليه
الصلاة والسلام؟!
والجواب: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أو أي مسلم آخر غير
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعدّ تصرفه تصرفًا شخصيًّا لا حجة تشريعية فيه، فله أن
يتخير من الطرق والوسائل والأساليب ما يحلو له وما يتفق مع قوة جرأته وإيمانه
بالله تعالى.
أما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو مُشرِّع، أي إن جميع تصرفاته المتعلقة بالدين تعتبر تشريعًا لنا، ولذلك كانت سنته
التي هي المصدر الثاني من مصادر التشريع مجموع أقواله وأفعاله وصفاته.
٣- وفي تخلف عليّ رضي الله عنه عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - في أداء الودائع التي كانت عنده إلى أصحابها دلالة باهرة
على التناقض العجيب الذي كان المشركون واقعين فيه، ففي الوقت الذي كانوا يكذبونه
ويرونه ساحرًا أو مخادعا لم يكونوا يجدون من حولهم من هو خير منه أمانة وصدقًا، فكانوا لا
يضعون حوائجهم وأموالهم التي يخافون عليها إلا عنده!
٤- ثم إننا نلمح في النشاط الذي كان
يبذله عبد الله بن أبي بكر - رضي الله عنه - ذاهبًا آيبًا بين الغار ومكة، يتحسس
الأخبار وينقلها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبيه، وفيما بدا على أخته
أسماء - رضي الله عنها - من مظاهر الاهتمام والجد في تهيئ الزاد والراحلة واشتراكها في
إعداد العدة لتلك الرحلة، نلمح في ذلك صورة مما يجب أن يكون عليه الشباب المسلم
ذكورا وإناثا في سبيل الله عز وجل ومن أجل تحقيق مبادئ الإسلام وإقامة المجتمع
الإسلامي.
٥- أمّا ما حدث لسراقة وفرسه وهو يلحق
برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فينبغي أن لا يفوتنا أنها معجزة خارقة لرسول الله
- صلى الله عليه وسلم - اتفق أئمة الحديث على صحتها ونقلها، وفي مقدمتهم البخاري ومسلم.
فأضفها إلى معجزاته الأخرى التي سبق
الحديث عنها، فيما مضى.
٦- ومن أبرز المعجزات الخارقة في قصة
هجرته عليه الصلاة والسلام خروجه صلى الله عليه وسلم من بيته وقد أحاط به المشركون
يتربصون به ليقتلوه، فقد علق النوم بأعينهم جميعا حتى لم يحس به أحد منهم، وكان من
تتمة السخرية بتآمرهم على حياته ما امتلأت به رؤوسهم من التراب الذي ألقاه رسول
الله عليها إذ خرج من بينهم وهو يتلو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۢ
بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ سَدࣰّا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدࣰّا فَأَغۡشَیۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا
یُبۡصِرُونَ﴾ [يس: ٩].
٧-
وتكشف لنا الصورة التي استقبلت بها المدينة المنورة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مدى المحبة الشديدة التي كانت تفيض بها أفئدة الأنصار من أهل المدينة رجالا
ونساء وأطفالا، لقد كانوا يخرجون كل
يوم إلى ظاهر المدينة ينتظرون تحت لفح الشمس وصول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم، حتى إذا هبّ النهار ليدبر، عادوا أدراجهم ليعودوا إلى الانتظار صباح اليوم
الثاني، فلما طلع الرسول عليهم جاشت العواطف في صدورهم وانطلقت ألسنتهم تهتف
بالقصائد والأهازيج فرحا لمرآه عليه الصلاة والسلام ومقدمه عليهم.
٨- أما الصورة التي
رأيناها في مقامه - صلى الله عليه وسلم - عند أبي أيوب الأنصاري في منزله، فتكشف لنا
مظهرا آخر من محبة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له.
والذي يهمنا
من ذلك هنا، هو التأمل في تبرك أبي أيوب وزوجه، بآثار أصابع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قصعة الطعام، حينما كان يردّ عليهما فضل طعامه، إذن فالتبرك بآثار
النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر مشروع قد أقره.
وقد
روى البخاري ومسلم صورًا كثيرة أخرى من تبرك الصحابة بآثار النبي - عليه الصلاة
والسلام - والتوسل بها للاستشفاء أو العناية والتوفيق وما شابه ذلك [فقه
السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة (ص١٣٧-١٤٠)].