Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حكاية الهجرة النبوية

الكاتب

هيئة التحرير

حكاية الهجرة النبوية

تبقى الهجرة النبوية حدثًا عظيمًا في تاريخ الإسلام، ليست مجرد قصة تُروى، بل هي منهل نستقي منه الدروس والعبر في كل زمان ومكان، إنها تذكير دائم بأن التحديات مهما عظمت، والألم مهما اشتد فإن هناك - دائمًا - أمل في التغيير نحو الأفضل، متى توافر الإيمان الصادق والعمل الدؤوب، إنها قصة انتصار الإرادة على القهر، وبناء النور من رحم الظلام، وإرث لا يزال يلهم المسلمين في كل أنحاء العالم.

أسباب الهجرة النبوية

قبل بزوغ فجر الإسلام كانت مكة مدينة تسيطر عليها قريش، وتغرق في عادات وتقاليد متجذرة، وتعتمد على التجارة والعبادة الوثنية، إن جميع ما أتى به الإسلام من نظم وتشريعات، إنما هو مبادئ والمبدأ هو ما يقوم على أساس من التفكير والعقل، ويستهدف الوصول إلى مقصد معين، وإذا كانت المبادئ البشرية قد تخطئ الصواب أحيانًا لشذوذ في أفكار أصحابها، فإن مبادئ الإسلام لا تخطئ الصواب أبدا؛ لأن الذي شرعها هو خالق العقول والأفكار، وفي هذا وحده دليل عقلي كاف للاقتناع بهذه المبادئ واليقين بوجاهتها وصوابها. [فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة (ص٧٦)].

وحينما ظهر الجناب المعظم -صلى الله عليه وسلم- بدأ نور الإسلام يتسلل إلى القلوب، داعيًا إلى التوحيد والعدل، فقوبلت هذه الدعوة بالرفض والتضييق، فلم يمر وقت طويل حتى تحول الرفض إلى عداء صريح ثم إلى اضطهاد ممنهج يهدف إلى إخماد جذوة الإيمان في مهدها، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا اشْتَدَّ أَمْرُهُمْ لِلشَّقَاءِ الَّذِي أَصَابَهُمْ فِي عَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَنْ أَسْلَمَ مَعَهُ مِنْهُمْ، فَأَغْرَوْا بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: سُفَهَاءَهُمْ، فَكَذَّبُوهُ وَآذَوْهُ، وَرَمَوْهُ بِالشِّعْرِ وَالسِّحْرِ وَالْكِهَانَةِ وَالْجُنُونِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُظْهِرٌ لِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَسْتَخْفِي بِهِ، مُبَادٍ لَهُمْ بِمَا يَكْرَهُونَ مِنْ عَيْبِ دِينِهِمْ، وَاعْتِزَالِ أَوْثَانِهِمْ، وَفِرَاقِهِ إيَّاهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ.[سيرة ابن هشام (١/ ٢٨٩)].

وقد أورد ابن هشام في سيرته: ذكر سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه ما لقيه سيدنا وحبيبنا المصطفي صلى الله عليه وسلم من شدة الايذاء والتعذيب فذكر ما فعله قومه به عندما وثبوا عليه لإيذائه، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ بِمِجْمَعِ رِدَائِهِ، قَالَ: فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - دُونَهُ، وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُولُ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَأَشَدُّ مَا رَأَيْتُ قُرَيْشًا نَالُوا مِنْهُ قَطُّ [سيرة ابن هشام (١/ ٢٩٠)].

لذلك كانت الهجرة من مكة إلى يثرب في هذا السياق ضرورة حتمية، لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت محطة فاصلة، نقطة تحول في تاريخ أمة ودين.

لقد عاش المسلمون الأوائل في مكة لحظات قاسية من التعذيب والاضطهاد، سُطرت في صفحات التاريخ بمداد من الألم والصبر، فلم تكن قريش تفرق بين رجل أو امرأة، كبير أو صغير، في سعيها لإجبار المسلمين على التخلي عن دينهم، فقد تعرض بلال بن رباح -ذلك الصحابي الجليل- لأبشع أنواع التعذيب؛ حيث كان يُلقى على الرمال الساخنة في حر الظهيرة، وتوضع الصخور الثقيلة على صدره، لكن صوته كان يصدح بـ(أحدٌ أحدٌ).

كان ورقة بن نوفل يمر ببلال وهو يعذب على الاسلام، وهو يقول أحد، أحد، فيقول ورقة: أحد، أحد والله يا بلال لن تفنى، ثم يقبل على من يفعل ذلك به من بني جُمَح وعلى أُمَيَّة فيقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانًا. [سيرة ابن اسحاق، السير والمغازي (ص١٩٠)].

أما قصة آل ياسر فكانت أكثر إيلامًا، فـسُميَّة أول شهيدة في الإسلام، استقبلت الموت بصدر رحب، ولم تتزحزح قيد أنملة عن إيمانها.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ بَنُو مَخْزُومٍ يَخْرُجُونَ بعمّار بن ياسر، وبأبيه- وأمه- وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ إسْلَامٍ- إذَا حَمِيَتْ الظّهِيرَةُ، يُعَذّبُونَهُمْ بِرَمْضَاءِ مَكّةَ، فَيَمُرّ بِهِمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَيَقُول، فِيمَا بَلَغَنِي: «صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، مَوْعِدُكُمْ الْجَنّة» فَأَمّا أُمّهُ فقتلوها، وهي تأبى إلا الإسلام [الروض الأنف في شرح سيرة ابن هشام - ت الوكيل (٣/ ٢٠١)].

ثُمَّ أَعْتَقَ مَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إلَى الْمَدِينَةِ سِتَّ رِقَابٍ، بِلَالٌ سَابِعُهُمْ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا، وَقُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا، وَأُمُّ عُبَيْسٍ وَزِنِّيرَةُ، وَأُصِيبَ بَصَرُهَا حِينَ أَعْتَقَهَا، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: مَا أَذْهَبَ بَصَرَهَا إلَّا اللَّاتُ وَالْعُزَّى، فَقَالَتْ: كَذَبُوا وَبَيْتِ اللَّهِ مَا تَضُرُّ اللَّاتُ وَالْعُزَّى وَمَا تَنْفَعَانِ، فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرَهَا.

وَأَعْتَقَ النَّهْدِيَّةَ وَبِنْتَهَا، وَكَانَتَا لِامْرَأَةِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ [سيرة ابن هشام - ت السقا ورفاقه (١/ ٣١٨)].

ولم يقتصرِ الاضطهاد على التعذيب الجسدي الذي أرهق الأجساد، بل امتد ليشمل المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها قريش على النبي -صلى الله عليه وسلم- وبني هاشم في شِعْب أبي طالب لثلاث سنوات، عانى المسلمون من الجوع والعطش، فلم يتمكنوا من البيع أو الشراء حتى أكلوا أوراق الشجر.

وذكر ابن إسحاق في سيرته خبر هذه المقاطعة: اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني المطلب ألا يناكحوهم ولا ينكحوا إليهم، ولا يبايعونهم ولا يبتاعون منهم، فكتبوا صحيفة في ذلك، وكتب في الصحيفة عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وعلقوها بالكعبة، ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم، وآذوهم، واشتد البلاء عليهم، وعظمت الفتنة فيهم وزلزلوا زلزالاً شديداً، فخرج أبو لهب عدو الله يظاهر عليهم قريش، وقال: قد نصرت اللات والعزى يا معشر قريش، فأنزل الله عز وجل: ﴿تَبَّتۡ یَدَاۤ أَبِی لَهَبࣲ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]، إلى آخرها [سيرة ابن اسحاق، السير والمغازي (ص١٥٦)].

كانت تلك السنوات امتحانًا قاسيًا لصبرهم وثباتهم، لكنهم لم يفقدوا الأمل، بل ازدادوا يقينًا بأن نصر الله آتٍ لا محالة، بالإضافة إلى ذلك لم تسلم نفوس المسلمين من الاضطهاد النفسي واللفظي، فكانت السخرية والاستهزاء والإشاعات المغرضة سلاحًا آخر بيد قريش لمحاربة الدعوة، لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل أمام إيمان راسخ وصبر لا ينضب.

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِأَبِي طَالِبٍ: «يَا عَمِّ، إنَّ رَبِّي اللَّهَ قَدْ سَلَّطَ الْأَرَضَةَ عَلَى صَحِيفَةِ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تَدَعْ فِيهَا اسْمًا هُوَ للَّه إلَّا أَثْبَتَتْهُ فِيهَا، وَنَفَتْ مِنْهُ الظُّلْمَ وَالْقَطِيعَةَ وَالْبُهْتَانَ»، فَقَالَ: أَرَبُّكَ أَخْبَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نعم»، قَالَ: فو الله مَا يَدْخُلُ عَلَيْكَ أَحَدٌ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ ابْنَ أَخِي أَخْبَرَنِي بِكَذَا وَكَذَا، فَهَلُمَّ صَحِيفَتُكُمْ، فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ ابْنُ أَخِي، فَانْتَهُوا عَنْ قَطِيعَتِنَا، وَانْزِلُوا عَمَّا فِيهَا، وَإِنْ يَكُنْ كَاذِبًا دَفَعْتُ إلَيْكُمْ ابْنَ أَخِي، فَقَالَ الْقَوْمُ: رَضِينَا، فَتَعَاقَدُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ نَظَرُوا، فَإِذَا هِيَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَزَادَهُمْ ذَلِكَ شَرًّا، فَعِنْدَ ذَلِكَ صَنَعَ الرَّهْطُ مِنْ قُرَيْشٍ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ مَا صَنَعُوا [سيرة ابن هشام (١/ ٣٧٧)].

الهجرة إلى الحبشة

في ظل هذا المناخ الخانق بات البحث عن مأوى آمن ضرورة ملحة، كانت البداية مع الهجرة إلى الحبشة، تلك الأرض البعيدة التي حكمها ملك عادل يسمى النجاشي؛ حيث وجد المسلمون ملاذًا مؤقتًا، وحماية لدعوتهم من بطش قريش، وقد فشلت قريش في استعادة المهاجرين، وزاد ذلك من غيظها.

عن ابن إسحق قال: ومنع الله بأبي طالب رسوله - صلى الله عليه وسلم - فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  أصحابه وما يصيبهم من البلاء والشدة، وأن الله - تعالى - قد أعفاه من ذلك، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم من قومهم، وأنه ليس في قومهم من يمنعهم كما منعه عمه أبو طالب، أمرهم بالهجرة إلى أرض الحبشة، وقال لهم:

«إِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ النَّاسُ بِبِلَادِهِ فِي أَرْضِ صِدْقٍ فَتَحَرَّزُوا عِنْدَهُ يَأْتِيَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِفَرَجٍ مِنْهُ، وَيَجْعَلُ لِي وَلَكُمْ مَخْرَجًا»، فهاجر رجال من أصحابه إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفروا إلى الله - عز وجل - بدينهم، واستخفى آخرون بإسلامهم [سيرة ابن اسحاق = السير والمغازي (ص١٧٤)].

وعلى الرغم من أن قريش لم ترضى فرار المسلمين بدينهم إلى الحبشة، إذ أرسلوا وفدً منهم محمل بالهدايا إلى الحبشة، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَمِنُوا وَاطْمَأَنُّوا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَأَنَّهُمْ قَدْ أَصَابُوا بِهَا دَارًا وَقَرَارًا، ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ أَنَّ يَبْعَثُوا فِيهِمْ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ جَلْدَيْنِ إلَى النَّجَاشِيِّ، فَيَرُدَّهُمْ عَلَيْهِمْ، لِيَفْتِنُوهُمْ فِي دِينِهِمْ، وَيُخْرِجُوهُمْ مِنْ دَارِهِمْ، الَّتِي اطْمَأَنُّوا بِهَا وَأَمِنُوا فِيهَا، فَبَعَثُوا عَبْدَ اللَّهِ  بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَجَمَعُوا لَهُمَا هَدَايَا لِلنَّجَاشِيِّ وَلِبَطَارِقَتِهِ، ثُمَّ بَعَثُوهُمَا إلَيْهِ فِيهِمْ [سيرة ابن هشام (١/ ٣٣٣)].

ولما حدثت المناظرة العظيمة بين عمرو بن العاص وهو على غير الإسلام في ذلك الوقت وجعفر بن أبي طالب - رضي الله عنهما - لكي يسلم النجاشي المسلمين لوفد قريش ما كان من سيدنا جعفر إلا أن قرعهم بالحجة التي قصمت ظهورهم وردتهم خائبين.

ذكر ابن هشام تفاصيل هذا اللقاء الذي انتهى بأن المسلمون آمنون يعبدون الله دون إيذاء أو اضطهاد في حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: "...فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ، قَالَ لَهُمْ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؟ قَالَتْ: فَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: نَقُولُ فِيهِ الَّذِي جَاءَنَا بِهِ نَبِيُّنَا - صلى الله عليه وسلم - (يَقُولُ): «هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ»، قَالَتْ: فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ بِيَدِهِ إلَى الْأَرْضِ، فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا عَدَا عِيسَى بن مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ، قَالَتْ: فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ وَاَللَّهِ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ شُيُومٌ بِأَرْضِي- وَالشُّيُومُ: الْآمِنُونَ- مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ سَبَّكُمْ [سيرة ابن هشام، (١/ ٣٣٧)].

 لكن الحبشة لم تكن الحل الدائم، فسرعان ما عاد بعض المهاجرين، وكانت الحاجة إلى مكان دائم وراسخ لإقامة الدولة الإسلامية.

رحلة الإسراء والمعراج

حاول النبي - صلى الله عليه وسلم - البحث عن هذا المأوى في الطائف، لكنه قوبل بالرفض والأذى، فكانت هذه المحاولة لم تحقق النتائج المرجوة.

"ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ ساداته، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله وكلمهم بما جاءهم من أجله، فردوا عليه ردا منكرا، وفاجؤوه بما لم يكن يتوقع من الغلظة وسمج القول. فقام رسول الله من عندهم وهو يرجوهم أن يكتموا خبر مقدمه إليهم عن قريش إذن، فلم يجيبوه إلى ذلك - أيضًا - ثم أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أن رجلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  لتدميان، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شجّ في رأسه عدة شجاج، حتى وصل رسول الله إلى بستان لعتبة بن ربيعة، فرجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه" [فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة (ص١٠٠)].

ومع ذلك لم ييأس فقد سلم أمره لربه، ورفع أكف الضراعة إليه في كلمات لا تخرج إلا من فم نبي، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَلَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ – فِيمَا ذُكِرَ لِي: «اللَّهُمَّ إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إلَى مَنْ تَكِلُني؟ إلَى بَعِيدٍ يتجَهَّمني٥؟ أَمْ إلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عليَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظلماتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أمرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنزل بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عليَّ سُخْطُك، لَكَ العُتْبَى حَتَّى ترضَى، وَلَا حولَ وَلَا قوةَ إلَّا بك» [سيرة ابن هشام (٢/ ٤٨)].

 فكان التشريف والتعظيم للنبيصلى الله عليه وسلم؛ حيث رحلة الإسراء والمعراج، وهي ليست مجرد رحلة عبر الزمان والمكان، بل تجل إلهي لعظمة الخالق وقدرته المطلقة، وشهادة ساطعة على منزلة النبيِّ الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم.

ويقصد بالإسراء الرحلة التي أكرم الله بها نبيه من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالقدس، أما المعراج فهو ما أعقب ذلك من العروج به إلى طبقات السماوات العلا ثم الوصول به إلى حد انقطعت عنده علوم الخلائق من ملائكة وإنس وجن، كل ذلك في ليلة واحدة [فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة (ص١٠٨)].

فبينما كان الوجود يغط في سبات عميق، جاءَ النداءُ الإلهيُّ لقلبٍ طاهرٍ آمن، وقلب أرهقته صعاب الدعوة، وكربات الحياة، فقد أسري بسيدنا رسول الله - صلّى اللهُ عليه وسلّم - من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى، تلكَ البقعة المباركة التي حملت في طياتها تاريخ الأنبياءِ والرسالات، ولم تكن هذه المسافة لتُقاس بمقاييس البشر، بل كانت إشارة إلى ترابط الرسالات وتكامل البِناء الإيماني؛ حيث التقى النبي الكريم بإخوانه من الأنبياء وصلى بهم إمامًا، في مشهد مهيب يُرسخ وحدانية الرسالة وشمولية الدين.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: كَانَ مِنْ الْحَدِيثِ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ مَسْرَاهُ صلى الله عليه وسلم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -  وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأُمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، مَا اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، كُلٌّ يُحَدِّثُ عَنْهُ بَعْضَ مَا ذُكِرَ مِنْ أَمْرِهِ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ - صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ فِي مَسْرَاهُ، وَمَا ذُكِرَ عَنْهُ بَلَاءٌ وَتَمْحِيصٌ، وَأَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ - عز وجل - فِي قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، فِيهِ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَهُدًى وَرَحْمَةٌ وَثَبَاتٌ لِمَنْ آمَنَ وَصَدَّقَ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ سبحانه وتعالى عَلَى يَقِينٍ، فَأَسْرَى بَهْ سبحانه وتعالى كَيْفَ شَاءَ، لِيُرِيَهُ مِنْ آيَاتِهِ مَا أَرَادَ، حَتَّى عَايَنَ مَا عَايَنَ مِنْ أَمْرِهِ وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ، وَقُدْرَتِهِ الَّتِي يَصْنَعُ بِهَا مَا يُرِيدُ [سيرة ابن هشام (١/ ٣٩٧)].

البيعة مع الأنصار

وبعد هذا الاحتفاء والاحتفال بالجناب المحمدي الشريف جاء الفرج من يثرب، تلك المدينة التي عرفت لاحقًا بـ(المدينة المنورة)، فبدأت الاتصالات مع أهلها عبر بيعات العقبة؛ حيث أبدى الأنصار - أهل يثرب - استعدادهم التام لاستقبال المسلمين وحمايتهم، لتكون هذه البيعات إيذانًا ببدء مرحلة جديدة.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ عز وجل إظْهَارَ دِينِهِ، وَإِعْزَازَ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَإِنْجَازَ مَوْعِدِهِ لَهُ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -  فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَهُ فِيهِ النَّفَرُ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ. فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ لَقِيَ رَهْطًا مِنْ الْخَزْرَجِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا [سيرة ابن هشام (١/ ٤٢٨)].

وانتشر الإسلام خلال تلك السّنة في المدينة، ولما كان العام الذي يليه، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا، فلقوه بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بيعة النساء (أي على نمطها في البنود التي بايع النساء عليها، أي إنه لم يبايعهم فيها على الحرب والجهاد، وكانت بيعة النساء ثاني يوم الفتح على جبل الصفا بعد ما فرغ من بيعة الرجال). [فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة (ص١١٦)].

ثم كانت بيعة العقبة الثانية والتي كان على أثرها التخطيط للهجرة النبوية حيث أسس حبيبنا المصطفي القواعد الهامة من التضحية بالنفس والمال والمساندة والنصر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه المهاجرين والتي من اجلها ستكون الهجرة.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ  بَيْعَةَ الْحَرْبِ، حِينَ أَذِنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم -  فِي الْقِتَالِ شُرُوطًا سِوَى شَرْطِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى، كَانَتْ الْأُولَى عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ- صلى الله عليه وسلم -  فِي الْحَرْبِ، فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا، وَبَايَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -  فِي الْعَقَبَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى حَرْبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، أَخَذَ لِنَفْسِهِ وَاشْتَرَطَ عَلَى الْقَوْمِ لِرَبِّهِ، وَجَعَلَ لَهُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِذَلِكَ الْجَنَّةَ [سيرة ابن هشام (١/ ٤٥٤)].

التخطيط للهجرة النبوية

لم تكن رحلة الهجرة من مكة إلى يثرب مجرد انتقال عادي، بل كانت رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر، تطلب تخطيطًا دقيقًا وسرية تامة، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا أَذِنَ اللهُ تَعَالَى لَهُ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْحَرْبِ، وَبَايَعَهُ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالنّصْرَةِ لَهُ وَلِمَنْ اتّبَعَهُ، وَأَوَى إلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَوْمِهِ، وَمَنْ مَعَهُ بِمَكّةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، بِالْخُرُوجِ إلَى الْمَدِينَةِ وَالْهِجْرَةِ إلَيْهَا، وَاللّحُوقِ بِإِخْوَانِهِمْ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَقَالَ: إنّ اللهَ عز وجل قَدْ جَعَلَ لَكُمْ إخْوَانًا وَدَارًا تَأْمَنُونَ بِهَا. فَخَرَجُوا أَرْسَالًا، وَأَقَامَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكّةَ يَنْتَظِرُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبّهُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ مَكّةَ، وَالْهِجْرَةِ إلى المدينة. [الروض الأنف في شرح سيرة ابن هشام (٤/ ١٤٨)].

 فقاد النبي -صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر الصديق رضي الله عنه هذه الرحلة بتوفيق من الله، وبتوزيع للجهود والأدوار في تناسق عجيب، بمساعدة سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي بات في فراش النبي - صلى الله عليه وسلم -ليضلل قريش، وعبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه الذي كان ينقل الأخبار، وأسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- ذات النطاقين التي كانت تجهز الطعام، وعامر بن فهيرة -رضي الله عنه - الذي كان يمحو آثار الأقدام، وعبد الله بن أريقط الدليل الأمين. [سيرة ابن هشام (١/٤٨٣ وما بعدها)].

وكان قد جعل مشركو مكة لكل من أتى برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر رضي الله عنه دية كل منهما.

وقام سراقة بن مالك بن جعشم -رضي الله عنه - في أثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وصاحبه للظفر بجائزة قريش من يأتي برأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق - رضي الله عنه، إلا أن عناية الله عزوجل كانت حائلًا بينهم وبينه بعد أن ساخت قائمتا فرسه إلى الركبتين، فطلب الأمان، فوقف - عليه الصلاة والسلام - ومن معه حتى وصل إليهم، فاعتذر إليه وسأله أن يستغفر له، ثم عرض عليهما الزاد والمتاع، فقالا له: لا حاجة لنا، ولكن عم عنا الخبر، فقال: كفيتم.

ثم عاد سراقة أدراجه إلى مكة وهو يصرف أنظار الناس عن الرسول ومن معه بما يراه من القول … وهكذا انطلق إليهما في الصباح جاهدا في قتلهما، وعاد في المساء يحرسهما ويصرف الناس عنهما [فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة (ص١٣٤)].

الاستقبال العظيم للنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة

كانت لحظة الوصول عظيمة؛ حيث استقبل أهل يثرب النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين بحفاوة بالغة وأهازيج الفرح في مشهد ينم عن مدى التوق والشوق إلى هذا اللقاء المبارك.

ذكر ابْنُ إسْحَاقَ قصة قدوم المصطفي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وكيف استقبله الأنصار بشوق عارم: قَالُوا: لَمَّا سَمِعْنَا بِمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ مَكَّةَ، وَتَوَكَّفْنَا قُدُومَهُ، كُنَّا نَخْرُجُ إذَا صَلَّيْنَا الصُّبْحَ، إلَى ظَاهِرِ حَرَّتِنَا نَنْتَظِرُ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -  فو اللَّهِ مَا نَبْرَحُ حَتَّى تَغْلِبَنَا الشَّمْسُ عَلَى الظِّلَالِ فَإِذَا لَمْ نَجِدْ ظِلًّا دَخَلْنَا، وَذَلِكَ فِي أَيَّامٍ حَارَّةٍ. حَتَّى إذَا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - جَلَسْنَا كَمَا كُنَّا نَجْلِسُ، حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ ظِلٌّ دَخَلْنَا بُيُوتَنَا، وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَيْنَ دَخَلْنَا الْبُيُوتَ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ رَآهُ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، وَقَدْ رَأَى مَا كُنَّا نَصْنَعُ، وَأَنَّا نَنْتَظِرُ قُدُومَ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم - عَلَيْنَا، فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا بَنِي قَيْلَةَ، هَذَا جَدُّكُمْ قَدْ جَاءَ [سيرة ابن هشام (١/ ٤٩٢)].

ووصل رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء، فاستقبله من فيها وأقام فيها بضعة أيام نازلًا على كلثوم بن هدم، حيث أدركه فيها عليّ رضي الله عنه بعد أن أدّى عنه الودائع إلى أصحابها، وأسس النبي - صلى الله عليه وسلم - هناك مسجد قباء، وهو المسجد الذي وصفه الله بقوله: ﴿لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ یَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِیهِۚ فِیهِ رِجَالࣱ یُحِبُّونَ أَن یَتَطَهَّرُوا۟ۚ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِینَ﴾ [التوبة: ١٠٨] [فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة (ص١٣٥)].

بناء المسجد النبوي

مع الاستقرار في يثرب التي تحول اسمها إلى (المدينة المنورة) بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - في وضع الأسس لبناء الدولة الإسلامية الجديدة، كانت أولى أولوياته فور وصوله بناء المسجد النبوي الشريف.

"َأمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُبْنَى مَسْجِدًا، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى أَبِي أَيُّوبَ - رضي الله عنه - حَتَّى بَنَى مَسْجِدَهُ وَمَسَاكِنَهُ، فَعَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -  لِيُرَغِّبَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْعَمَلِ فِيهِ، فَعَمِلَ فِيهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، وَدَأَبُوا فِيهِ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ:

لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ … لَذَاكَ مِنَّا الْعَمَلُ الْمُضَلِّلُ

وَارْتَجَزَ الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ يَبْنُونَهُ يَقُولُونَ:

لَا عَيْشَ إلَّا عَيْشَ الْآخِرَهْ … اللَّهمّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا كَلَامٌ وَلَيْسَ بِرَجَزٍ.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَا عَيْشَ إلَّا عَيْشَ الْآخِرَةِ، اللَّهمّ ارْحَمْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ». [سيرة ابن هشام (١/ ٤٩٦)].

 فلم يكن المسجد مجرد مكان للعبادة فحسب، بل كان النواة التي دارت حولها كل جوانب الحياة في المجتمع الجديد، وشارك المهاجرون والأنصار على حد سواء في بناء المسجد بأيديهم، بساطة تصميمه كانت تعكس روح التواضع والعمل الجماعي التي ميزت تلك الفترة، كان المسجد مركزًا للعبادة؛ حيث تؤدى الصلوات وتتلى آيات القرآن الكريم، ولكنه – أيضًا - تحول إلى منارة للتعليم والتوجيه؛ حيث كانت تقام فيه الدروس والحلقات العلمية، كما كان مركزًا للقضاء والإفتاء، ومكانًا لاستقبال الوفود وإدارة شئون الدولة، بل حتى مأوى للمهاجرين الفقراء الذين عرفوا بـ(أهل الصفة).

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

إلى جانب بناء المسجد رسّخ النبي - صلى الله عليه وسلم - مبدأ المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فكانت تلك المؤاخاة معجزة اجتماعية حقيقية، تجاوزت الفوارق القبلية والعصبية، فصار كل مهاجر أخًا لأنصاري، يتقاسمان الرزق والبيوت والمشاعر، أثمرت هذه المؤاخاة مجتمعًا مترابطًا، قائمًا على التكافل الاجتماعي والتآزر، لا يعرف التفرقة ولا العصبية.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَآخَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -  بَيْنَ أصحابه من المهاجرين وَالْأَنْصَارِ، فَقَالَ- فِيمَا بَلَغَنَا، وَنَعُوذُ بِاَللهِ أَنْ نَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُقَلْ:

«تَآخَوْا فِي اللهِ أَخَوَيْنِ أَخَوَيْنِ»، ثُمّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: «هَذَا أَخِي» فَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سيد الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامَ الْمُتّقِينَ، وَرَسُولَ رَبّ الْعَالَمِينَ، الّذِي لَيْسَ لَهُ خَطِيرٌ وَلَا نَظِيرٌ مِنْ الْعِبَادِ، وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه - أَخَوَيْنِ، وَكَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، أَسَدُ اللهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم -  وَعَمّ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وزيد ابن حَارِثَةَ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -  أَخَوَيْنِ، وَإِلَيْهِ أَوْصَى حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ حَيْنَ حَضَرَهُ الْقِتَالُ إنْ حَدَثَ بِهِ حَادِثُ الْمَوْتِ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ذُو الْجَنَاحَيْنِ، الطّيّارُ فِي الْجَنّةِ، وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَخُو بَنِي سَلَمَةَ، أَخَوَيْنِ [الروض الأنف في شرح سيرة ابن هشام - ت الوكيل (٤/ ٢٤٤)].

تأسيس الدولة الإسلامية

لقد كانت هجرة رسول الله  - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، تعني نشأة أول دار إسلام إذ ذاك على وجه الأرض، وقد كان ذلك إيذانا بظهور الدولة الإسلامية بإشراف منشئها الأول محمد - عليه الصلاة والسلام.

ولذا فقد كان أول عمل قام به الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن أقام الأسس الهامة لهذه الدولة ولقد كانت هذه الأسس ممثلة في هذه الأعمال الثلاثة التالية:

أولًا: بناء المسجد.

ثانيًا: المؤاخاة بين المسلمين عامة والمهاجرين والأنصار خاصة.

ثالثًا: كتابة وثيقة (دستور) حددت نظام حياة المسلمين فيما بينهم، وأوضحت علاقتهم مع غيرهم بصورة عامة واليهود بصورة خاصة [فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة (ص١٤٢)].

الدروس المستفادة من الهجرة النبوية

تعلمنا من هذه الرحلة العظيمة دروسًا خالدة في الصبر على الشدائد، وأهمية التخطيط المحكم، والثقة المطلقة بالله سبحانه وتعالى، وقوة الإيمان التي تدفع الإنسان لتحقيق المستحيل، وصدق الله العظيم الذي جعل رحلة الهجرة تتجسد أمام الأعين عن طريق وصف شعور طريق تلك اللحظة الفارقة ﴿‌إِلَّا ‌تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِینَتَهُۥ عَلَیۡهِ وَأَیَّدَهُۥ بِجُنُودࣲ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِیَ ٱلۡعُلۡیَاۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمٌ﴾  [التوبة: ٤٠].

ولنعد الآن إلى التأمل فيما سردناه من قصة هجرته - عليه الصلاة والسلام - لنستنبط منها الدلالات والأحكام الهامة لكل مسلم:

١- من أبرز ما يظهر لنا من قصة هجرته - عليه الصلاة والسلام - استبقاؤه لأبي بكر - رضي الله عنه - دون غيره من الصحابة كي يكون رفيقه في هذه الرحلة.

وقد استنبط العلماء من ذلك مدى محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر وأنه أقرب أصحابه إليه وأولاهم بالخلافة من بعده، ولقد عززت هذه الدلالة أمور كثيرة أخرى مثل استخلافه عليه الصلاة والسلام له في الصلاة بالناس عند مرضه وإصراره على أن لا يصلي عنه غيره، ومثل قوله في الحديث الصحيح: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا، لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا» [مسلم: ٢٣٨٣].

٢- قد يخطر في بال المسلم أن يقارن بين هجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهجرة النبي - عليه الصلاة والسلام - ويتساءل: لماذا هاجر عمر علانية متحديًا المشركين دون أي خوف ووجل، على حين هاجر رسول الله مستخفيا محتاطا لنفسه؟ أيكون عمر بن الخطاب رضي الله عنه أشد جرأة من النبي عليه الصلاة والسلام؟!

والجواب: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أو أي مسلم آخر غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  يعدّ تصرفه تصرفًا شخصيًّا لا حجة تشريعية فيه، فله أن يتخير من الطرق والوسائل والأساليب ما يحلو له وما يتفق مع قوة جرأته وإيمانه بالله تعالى.

أما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  فهو مُشرِّع، أي إن جميع تصرفاته المتعلقة بالدين تعتبر تشريعًا لنا، ولذلك كانت سنته التي هي المصدر الثاني من مصادر التشريع مجموع أقواله وأفعاله وصفاته.

٣- وفي تخلف عليّ رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أداء الودائع التي كانت عنده إلى أصحابها دلالة باهرة على التناقض العجيب الذي كان المشركون واقعين فيه، ففي الوقت الذي كانوا يكذبونه ويرونه ساحرًا أو مخادعا لم يكونوا يجدون من حولهم من هو خير منه أمانة وصدقًا، فكانوا لا يضعون حوائجهم وأموالهم التي يخافون عليها إلا عنده!

٤- ثم إننا نلمح في النشاط الذي كان يبذله عبد الله بن أبي بكر - رضي الله عنه - ذاهبًا آيبًا بين الغار ومكة، يتحسس الأخبار وينقلها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبيه، وفيما بدا على أخته أسماء - رضي الله عنها - من مظاهر الاهتمام والجد في تهيئ الزاد والراحلة واشتراكها في إعداد العدة لتلك الرحلة، نلمح في ذلك صورة مما يجب أن يكون عليه الشباب المسلم ذكورا وإناثا في سبيل الله عز وجل ومن أجل تحقيق مبادئ الإسلام وإقامة المجتمع الإسلامي.

٥- أمّا ما حدث لسراقة وفرسه وهو يلحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم -  فينبغي أن لا يفوتنا أنها معجزة خارقة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -  اتفق أئمة الحديث على صحتها ونقلها، وفي مقدمتهم البخاري ومسلم.

فأضفها إلى معجزاته الأخرى التي سبق الحديث عنها، فيما مضى.

٦- ومن أبرز المعجزات الخارقة في قصة هجرته عليه الصلاة والسلام خروجه صلى الله عليه وسلم من بيته وقد أحاط به المشركون يتربصون به ليقتلوه، فقد علق النوم بأعينهم جميعا حتى لم يحس به أحد منهم، وكان من تتمة السخرية بتآمرهم على حياته ما امتلأت به رؤوسهم من التراب الذي ألقاه رسول الله عليها إذ خرج من بينهم وهو يتلو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ سَدࣰّا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدࣰّا فَأَغۡشَیۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا یُبۡصِرُونَ﴾ [يس: ٩].

٧- وتكشف لنا الصورة التي استقبلت بها المدينة المنورة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مدى المحبة الشديدة التي كانت تفيض بها أفئدة الأنصار من أهل المدينة رجالا ونساء وأطفالا، لقد كانوا يخرجون كل يوم إلى ظاهر المدينة ينتظرون تحت لفح الشمس وصول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  إليهم، حتى إذا هبّ النهار ليدبر، عادوا أدراجهم ليعودوا إلى الانتظار صباح اليوم الثاني، فلما طلع الرسول عليهم جاشت العواطف في صدورهم وانطلقت ألسنتهم تهتف بالقصائد والأهازيج فرحا لمرآه عليه الصلاة والسلام ومقدمه عليهم.

٨- أما الصورة التي رأيناها في مقامه - صلى الله عليه وسلم - عند أبي أيوب الأنصاري في منزله، فتكشف لنا مظهرا آخر من محبة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له.

والذي يهمنا من ذلك هنا، هو التأمل في تبرك أبي أيوب وزوجه، بآثار أصابع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  في قصعة الطعام، حينما كان يردّ عليهما فضل طعامه، إذن فالتبرك بآثار النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر مشروع قد أقره.

وقد روى البخاري ومسلم صورًا كثيرة أخرى من تبرك الصحابة بآثار النبي - عليه الصلاة والسلام - والتوسل بها للاستشفاء أو العناية والتوفيق وما شابه ذلك [فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة (ص١٣٧-١٤٠)].

الخلاصة

لم تكن الهجرة النبوية مجرد انتقال من مكة إلى المدينة، بل كانت تحولًا استراتيجيَّا في تاريخ الإسلام، فمثلت الخلاص للمسلمين المضطهدين، ورسخت قيم التضحية والصبر والتخطيط الحكيم، وأسست دولة قوية قائمة على المؤاخاة والمشاركة الجماعية، فأصبح الإسلام قادرًا على الانتشار بحرية أكبر، إنها درس خالد في كيفية تحويل المحن إلى منح، والتحديات إلى انتصارات؛ مما يجعلها مصدر إلهام للأمة الإسلامية عبر العصور.

موضوعات ذات صلة

الهجرة النبوية لم تكن مجرد انتقال مكاني من مكة إلى المدينة، بل كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا 

شَكَّلت الهجرة النبوية تحولًا تاريخيًا نقل الدعوة من الاستضعاف إلى التمكين

استسلام النبي ﷺ  وصاحبه أبو بكر لله تعالى من أسباب تنزل السكينة عليهما في غار ثور

الهجرة النبوية كانت ميلادًا لعهد سياسي واجتماعي جديد؛ تجسّد في (وثيقة المدينة)

موضوعات مختارة