Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الدروس المستفادة من الهجرة النبوية

الكاتب

هيئة التحرير

الدروس المستفادة من الهجرة النبوية

شكَّلت الهجرة النبوية الشريفة نقطةَ تحولٍ فارقةً في تاريخ الدعوة الإسلامية، إذ مثَّلت الحدَّ الفاصل بين عهد الاستضعاف في مكة المكرمة وعهد التمكين وبناء الدولة في المدينة المنورة، ولم تكن الهجرة مجرد انتقالٍ من مكان إلى آخر، بل كانت ملحمةً إيمانيةً واستراتيجيةً عظيمةً، تجلَّت فيها معاني التضحية والصبر والأخذ بالأسباب، ورسمت للبشرية معالم طريق النصر القائم على العقيدة الراسخة والتخطيط المحكم والتوكل على الله تعالى.

الهجرة النبوية بين استضعاف مكة وتمكين المدينة

كانت الهجرة النبوية الشريفة حلقةً مهمةً من حلقات الصراع بين الحق والباطل، وبين التوحيد والشرك، وعبادة الله تعالى وعبادة الأصنام والأوثان. وقد جاءت بعد مرحلةٍ طويلةٍ عانى فيها المسلمون في مكة المكرمة صنوفًا من الاضطهاد والتعذيب بسبب تمسكهم بدينهم، حتى إن أحدهم لم يكن يستطيع إظهار شعائر الإسلام أو الجهر بعقيدته إلا عرَّض نفسه للأذى والعذاب.

ومن أشهر من لاقوا العذاب في سبيل الله تعالى: بلال بن رباح، وعمار بن ياسر، وأبواه ياسر وسمية رضي الله عنهم، وغيرهم من السابقين الأولين الذين صبروا وثبتوا على الحق رغم ما واجهوه من تنكيل المشركين وبطشهم.

وقد حفظت لنا كتب السيرة والحديث صورًا متعددةً من ذلك الاضطهاد، ومن ذلك ما رواه عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: "كَانَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَمُرُّ بِبِلَالٍ وَهُوَ يُعَذَّبُ، وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ، أَحَدٌ، فَيَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ اللَّهُ يَا بِلَالُ، ثُمَّ يُقْبِلُ وَرَقَةُ عَلَى أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ وَمَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِبِلَالٍ مِنْ بَنِي جُمَحَ، فَيَقُولُ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ إِنْ قَتَلْتُمُوهُ عَلَى هَذَا لَاتَّخَذْتُهُ حَنَانًا" [انظر: فضائل الصحابة، لأحمد بن حنبل: ١ / ‏١١٨ حديث ٨٩]، وكَبُر على مشركي مكة أن ترى دعوة النبي صلى الله عليه وسلم طريقها إلى النجاح والانتشار، فوقفوا في وجهها بكل وسيلة، ووضعوا أمامها شتى العقبات، وسعوا إلى صدِّ الناس عنها، بل تآمروا على القضاء على النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته. غير أن الله تعالى أحبط كيدهم، وأطلع نبيَّه على ما دبَّروه، وأذن له بالهجرة، فقال سبحانه: ﴿وَإِذۡ یَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لِیُثۡبِتُوكَ أَوۡ یَقۡتُلُوكَ أَوۡ یُخۡرِجُوكَۚ وَیَمۡكُرُونَ وَیَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَیۡرُ ٱلۡمَٰكِرِینَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، فهاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الدعوة الإسلامية، انتقل فيها المسلمون من حال الاستضعاف إلى حال التمكين، وأرسى النبي صلى الله عليه وسلم أسس مجتمع إسلامي متماسك يقوم على الإيمان والعدل والأخوة، وانطلقت منه رسالة الإسلام إلى الآفاق، معلنةً ميلاد حضارة إنسانية تقوم على المساواة بين الناس، وتحريرهم من عبودية الخلق إلى عبودية الخالق سبحانه وتعالى.

أبرز الدروس والعبر المستفادة من الهجرة النبوية

لما كانت الهجرة النبوية الشريفة نقطةَ تحولٍ فارقةً في تاريخ الدعوة الإسلامية، بل وفي تاريخ الإنسانية جمعاء، أعزَّ الله بها المسلمين، وقوَّى شوكتهم، ونقلهم من مرحلة الاستضعاف والاضطهاد إلى مرحلة التمكين وبناء الدولة؛ فقد اشتملت على دروسٍ وعبرٍ عظيمةٍ لا تزال صالحةً لكل زمان ومكان. ولو أحسن المسلمون استلهام هذه الدروس وتطبيقها في واقعهم المعاصر، لجمعوا بين التمسك بأصول دينهم والاستفادة من كل جديد نافع يحقق مصالحهم وينهض بأمتهم.

ومن أبرز الدروس والعبر المستفادة من الهجرة النبوية:

١- أن الدين أعزُّ على المؤمن من الدنيا وما فيها، وأحبُّ إليه من ولده وأهله وماله ووطنه؛ فقد خرج المسلمون من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة مهاجرين في سبيل الله تعالى، متحملين المشاق والصعاب، تاركين وراءهم أوطانهم وأموالهم ابتغاء مرضاة الله ونصرة دينه.

٢- التضحية بالنفس في سبيل الله تعالى وإعلاء كلمة الحق؛ فقد ضرب الصحابة رضي الله عنهم أروع الأمثلة في الفداء والبذل، ومن ذلك موقف سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليلة الهجرة، حين نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم معرضًا نفسه للخطر، تنفيذًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وثقةً بوعد الله تعالى.

٣- الصبر على الأذى والثبات عند الشدائد والمحن؛ فقد لقي الصحابة رضي الله عنهم من ألوان العذاب والاضطهاد ما لقوا، ومع ذلك ثبتوا على دينهم، وصبروا على ما أصابهم في سبيل الله، فلم تفتَّ في عضدهم المحن، ولم تزدهم الشدائد إلا إيمانًا ويقينًا.

٤- المسلم لا يستسلم لليأس مهما اشتدت به المحن وضاقت به السبل؛ فالأرض أرض الله، ورحمته واسعة، وقد جعل سبحانه للمؤمن مخرجًا من الشدائد إذا صدق في التوكل عليه والأخذ بالأسباب. ومن ثمَّ شرع الله الهجرة حفاظًا على الدين وتمكينًا للمؤمن من إقامة شعائر ربه، قال تعالى: ﴿وَمَن یُهَاجِرۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ یَجِدۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمࣰا كَثِیرࣰا وَسَعَةࣰۚ وَمَن یَخۡرُجۡ مِنۢ بَیۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ یُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورࣰا رَّحِیمࣰا﴾ [النساء: ١٠٠].

٥- من أهم أسباب النجاح في أي عمل: حسن التخطيط، وإسناد المهام إلى الأكفاء القادرين على أدائها. وقد تجلى ذلك بوضوح في الهجرة النبوية؛ إذ وزع النبي صلى الله عليه وسلم الأدوار توزيعًا دقيقًا، فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه رفيق الهجرة، وبات علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فراش النبي صلى الله عليه وسلم تمويهًا على المشركين، وتولت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها إعداد الزاد، وكان عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه ينقل أخبار قريش، بينما كان عامر بن فهيرة رضي الله عنه يسهم في إخفاء آثار السير،  أما عبد الله بن أريقط غير المسلم فقد كان دليلهم ومرشدهم  في الطريق. ويبرز هذا التنظيم الدقيق أهمية التخطيط المحكم وتوزيع المسؤوليات وفق الكفاءة والخبرة لتحقيق النجاح والوصول إلى الأهداف المنشودة.

٦- أهمية الصحبة الصالحة وعظيم أثرها في أوقات الشدائد والأزمات؛ فقد تجلت معاني الوفاء والإخلاص في موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه أثناء الهجرة، حين اختاره النبي صلى الله عليه وسلم رفيقًا له في رحلته المباركة، فاستقبل ذلك بفرح عظيم، وبذل نفسه وماله في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمايته، وكان له خير معين في الطريق وفي الغار. ويؤكد هذا الموقف أن الصديق الصالح نعمة عظيمة، يساند صاحبه عند المحن، ويعينه على الثبات على الحق، ويخفف عنه أعباء الحياة ومشقاتها.

٧- تُعد المؤاخاة التي عقدها الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار من أعظم الدروس العملية في التعاون والتكافل الاجتماعي، حيث جسدت أسمى معاني الإيثار، وغرست في النفوس قيمة حب الخير للآخرين كما يحبه الإنسان لنفسه، مع البذل والعطاء دون بخل أو تردد، بل وتقديم الغير على النفس عند الحاجة. ومن أبرز صور هذه المؤاخاة ما رواه الإمام البخاري في صحيحه بسنده إلى إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده، قال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رضي الله عنه: "لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى رَسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ: إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا، فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ، هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سوقُ قَيْنُقَاعٍ. قَالَ: فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَتَى بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ. قَالَ: ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ، فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: تَزَوَّجْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَمَنْ؟ قَالَ: امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ. قَالَ: كمْ سُقْتَ؟ قَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: أوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» [صحيح البخاري: ٣/ ٥٣ ( ٢٠٤٩)]، وقد تجلى في هذا الموقف أروع صور الإيثار والتكافل بين المسلمين، وهو ما عبَّر عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ﴾ [الحشر: ٩]، ليؤكد أن المجتمع الإيماني يقوم على المحبة والتعاون وتقديم مصلحة الآخرين عند الحاجة.

الخلاصة

تتجلى القيمة الحقيقية للهجرة النبوية في كونها نموذجًا عمليًّا يثبت أن نصرة العقيدة والمبدأ تفوق قيمة المال والوطن والنفس، وأن النجاح في مواجهة الأزمات والتغلب على اليأس لا يتحقق بالأماني، بل بالصبر والثبات، وحسن التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب، كما تؤكد الهجرة أهمية التخطيط المحكم، القائم على وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، بما يحقق التكامل بين التوكل الإيماني والعمل الإنساني الواعي في بناء مجتمع قوي وعادل.

موضوعات ذات صلة

تبقى الهجرة النبوية حدثًا عظيمًا ومنهلًا نستقي منه الدروس والعبر

الهجرة النبوية في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان

مثّلت الهجرة النبوية المشرفة ثورةً اجتماعية فريدة أعادت هيكلة الروابط الإنسانية

تتجلى في الهجرة النبوية قيم خالدة قادرة على الإسهام في مواجهة تحديات الحاضر وصناعة مستقبل

كانت الهجرة النبوية نقطة تحول جوهري في تاريخ التشريع الإسلامي