لما كانت الهجرة النبوية الشريفة نقطةَ تحولٍ فارقةً في
تاريخ الدعوة الإسلامية، بل وفي تاريخ الإنسانية جمعاء، أعزَّ الله بها المسلمين، وقوَّى
شوكتهم، ونقلهم من مرحلة الاستضعاف والاضطهاد إلى مرحلة التمكين وبناء الدولة؛ فقد
اشتملت على دروسٍ وعبرٍ عظيمةٍ لا تزال صالحةً لكل زمان ومكان. ولو أحسن المسلمون استلهام
هذه الدروس وتطبيقها في واقعهم المعاصر، لجمعوا بين التمسك بأصول دينهم والاستفادة
من كل جديد نافع يحقق مصالحهم وينهض بأمتهم.
ومن أبرز الدروس والعبر المستفادة من الهجرة النبوية:
١- أن الدين أعزُّ على المؤمن من الدنيا وما
فيها، وأحبُّ إليه من ولده وأهله وماله ووطنه؛ فقد خرج المسلمون من مكة المكرمة إلى
المدينة المنورة مهاجرين في سبيل الله تعالى، متحملين المشاق والصعاب، تاركين وراءهم
أوطانهم وأموالهم ابتغاء مرضاة الله ونصرة دينه.
٢- التضحية بالنفس في سبيل الله تعالى وإعلاء
كلمة الحق؛ فقد ضرب الصحابة رضي الله عنهم أروع الأمثلة في الفداء والبذل، ومن ذلك
موقف سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليلة الهجرة، حين نام في فراش النبي صلى الله
عليه وسلم معرضًا نفسه للخطر، تنفيذًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وثقةً بوعد
الله تعالى.
٣- الصبر على الأذى والثبات عند الشدائد والمحن؛
فقد لقي الصحابة رضي الله عنهم من ألوان العذاب والاضطهاد ما لقوا، ومع ذلك ثبتوا على
دينهم، وصبروا على ما أصابهم في سبيل الله، فلم تفتَّ في عضدهم المحن، ولم تزدهم الشدائد
إلا إيمانًا ويقينًا.
٤- المسلم لا يستسلم لليأس مهما اشتدت به المحن
وضاقت به السبل؛ فالأرض أرض الله، ورحمته واسعة، وقد جعل سبحانه للمؤمن مخرجًا من الشدائد
إذا صدق في التوكل عليه والأخذ بالأسباب. ومن ثمَّ شرع الله الهجرة حفاظًا على الدين
وتمكينًا للمؤمن من إقامة شعائر ربه، قال تعالى: ﴿وَمَن
یُهَاجِرۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ یَجِدۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمࣰا كَثِیرࣰا
وَسَعَةࣰۚ وَمَن یَخۡرُجۡ مِنۢ بَیۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ
ثُمَّ یُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ
ٱللَّهُ غَفُورࣰا رَّحِیمࣰا﴾ [النساء: ١٠٠].
٥- من أهم أسباب النجاح في أي عمل: حسن التخطيط،
وإسناد المهام إلى الأكفاء القادرين على أدائها. وقد تجلى ذلك بوضوح في الهجرة النبوية؛
إذ وزع النبي صلى الله عليه وسلم الأدوار توزيعًا دقيقًا، فكان أبو بكر الصديق رضي
الله عنه رفيق الهجرة، وبات علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فراش النبي صلى الله عليه
وسلم تمويهًا على المشركين، وتولت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها إعداد الزاد، وكان
عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه ينقل أخبار قريش، بينما كان عامر بن فهيرة رضي الله
عنه يسهم في إخفاء آثار السير، أما عبد الله
بن أريقط غير المسلم فقد كان دليلهم ومرشدهم
في الطريق. ويبرز هذا التنظيم الدقيق أهمية التخطيط المحكم وتوزيع المسؤوليات
وفق الكفاءة والخبرة لتحقيق النجاح والوصول إلى الأهداف المنشودة.
٦- أهمية الصحبة الصالحة وعظيم أثرها في أوقات
الشدائد والأزمات؛ فقد تجلت معاني الوفاء والإخلاص في موقف أبي بكر الصديق رضي الله
عنه أثناء الهجرة، حين اختاره النبي صلى الله عليه وسلم رفيقًا له في رحلته المباركة،
فاستقبل ذلك بفرح عظيم، وبذل نفسه وماله في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمايته،
وكان له خير معين في الطريق وفي الغار. ويؤكد هذا الموقف أن الصديق الصالح نعمة عظيمة،
يساند صاحبه عند المحن، ويعينه على الثبات على الحق، ويخفف عنه أعباء الحياة ومشقاتها.
٧- تُعد المؤاخاة التي عقدها الرسول صلى
الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار من أعظم الدروس العملية في التعاون والتكافل
الاجتماعي، حيث جسدت أسمى معاني الإيثار، وغرست في النفوس قيمة حب الخير للآخرين كما
يحبه الإنسان لنفسه، مع البذل والعطاء دون بخل أو تردد، بل وتقديم الغير على النفس
عند الحاجة. ومن أبرز صور هذه المؤاخاة ما رواه الإمام البخاري في صحيحه بسنده إلى إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده، قال عَبْدُ الرَّحْمَنِ
بْنُ عَوْفٍ - رضي الله عنه: "لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى رَسولُ اللَّهِ
- صلى الله عليه وسلم - بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ
الرَّبِيعِ: إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا، فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي،
وَانْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا.
قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ، هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ
تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سوقُ قَيْنُقَاعٍ. قَالَ: فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ،
فَأَتَى بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ. قَالَ: ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ، فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله
عليه وسلم: تَزَوَّجْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَمَنْ؟ قَالَ: امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ.
قَالَ: كمْ سُقْتَ؟ قَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ
لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: أوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» [صحيح
البخاري: ٣/ ٥٣ ( ٢٠٤٩)]، وقد تجلى في هذا الموقف أروع صور الإيثار والتكافل بين
المسلمين، وهو ما عبَّر عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَیُؤۡثِرُونَ
عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ﴾
[الحشر: ٩]، ليؤكد أن المجتمع الإيماني
يقوم على المحبة والتعاون وتقديم مصلحة الآخرين عند الحاجة.