Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التخطيط للهجرة من الأمر الإلهي حتي الخروج

التخطيط للهجرة من الأمر الإلهي حتي الخروج

تُمثل الهجرة النبوية المشرفة محطة فارقة في تاريخ الإسلام، حيث تحولت الدعوة من مرحلة الصبر والتحمل إلى بناء الدولة والتمكين، وجاءت هذه الرحلة المباركة بعد تفاني الأنصار في بيعتهم، وصدق عزم الصديق في صحبته، لتكشف عن تدبير إلهي حكيم أحبط مؤامرات المشركين ومهد الطريق لعهد جديد من النصر والرفعة.

مبايعة الأنصار

لما تمت مبايعة الأنصار، طابت نفسه الشريفة - صلى الله عليه وسلم - وعرف أن الله قد رزقه بقوم من أهل النجدة مستعدين للدفاع عن الحق، مجهزين؛ لمحاربة أعدائه المشركين.

وكان - صلى الله عليه وسلم - قد رأى دار الهجرة في منامه، فحقق الله رؤياه لأنها وحي وحق، فقد روى البخاري [٤/ ٢٠٣] ومسلم [٤/ ١٧٧٩] في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  قال: "رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي [الوهم] إلى أنها اليمامة أو هجر [اسمان لبلدين]، فإذا هي المدينة [يثرب]"، فأذن لأصحابه الكرام بالهجرة إليها، فكان يهاجر منهم كل من مكنته الفرصة من الهجرة، ويخرجون إليها سرًا، وجعلوا يتجهزون ويترافقون ويتواسون في سبيل ذلك، ولما شعر المشركون بعزم المسلمين على الهجرة ضيقوا عليهم وأتعبوهم ونالوا منهم ما لم ينالوا من الشتم والأذى، فكانوا يشكون ما يصيبهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فيأمرهم بالصبر والاحتساب حتى تتم هجرة المسلمين إلى المدينة.

الصديق وعزمه على الهجرة

واستأذن سيدنا أبو بكر - رضي الله عنه- في اللحاق بهم، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم، روى ابن إسحاق عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أن أبا بكر استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة إلى الحبشة فأذن له، فخرج مهاجرًا حتى إذا سار يومًا أو يومين رأى الحارث بن يزيد بن الدغنة وهو سيد قبيلة القارة معروف بالشجاع بين العرب وكان جليلاً محترمًا فى القبائل، فسأله: أين تريد يا أبا بكر؟

قال: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، قال: إن مثلك لا ينبغي أن يَخرج أو يُخرج من أرضه، ثم قال له أنت في جواري، فرجع معه إلى قريش وأخبرهم بحمايته لأبي بكر فقالوا: بشرط أن يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته.

ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره وصار يصلي ويقرأ فيه القرآن، وكان رقيق القلب، كثير البكاء، عظيم الخشوع من خشية الله عند قراءة القرآن، فكان نساؤهم وشبانهم يجمعون حول مسجده عند ذلك ويستمعون منه كلام الله، وأنت خبير بما له من حلاوة، وما عليه من طلاوة، ومن أجل ذلك صاروا يزدحمون عليه ازدحامًا شديدًا حتى كاد أن يسقط بعضهم على بعض من شدة التزاحم لاستماعه.

عند ذلك فزع المشركون وخافوا أن يدخل في الإسلام نساؤهم وأبناؤهم؛ لرقة قلوبهم، وسرعة تأثر وجدانهم، وصفاء سريرتهم؛ فرفعوا الأمر إلى حليفه المذكور، فحضر إليه وهدده وقال: إما أن لا تستعلن بعبادتك، وإما أن تعيد إلي ذمتي، فقال الصديق: إني أرد لك جوارك وأرضى بجوار الله [عمدة القاري ١٧ /٤٠]، رواه البخاري مطولًا.

استعداد أبي بكر للهجرة

وكان أبو بكر يلح في استئذانه له في اللحاق بمن هاجر إلى المدينة من إخوانه المؤمنين فيمنعه ويأمره بالانتظار؛ روى البخاري عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصحبه، وعلف راحلتين ورق السمر [السمرة: من شجر الطلح، والجمع سَمُرٌ، لسان العرب، ٤ / ٣٧٩] أربعة أشهر؛ حتى تكونا على أتم استعداد عند الإذن بالسفر.

مؤامرة المشركين لمنع الهجرة

أما المشركون فقد أفزعهم غيبة كثير من المسلمين، وهالهم عدم علمهم بكيفية خروجهم من بينهم، وعرفوا أنهم قد هاجروا إلى قوم ذوي نجدة وقوة، وأنهم لو صبروا حتى يخرج إليهم محمد - صلى الله عليه وسلم - لعظم عليهم الخطب واشتد بهم الكرب، وعاد إليهم المسلمون بجنود لا قبل لهم بها ؛ يغلبونهم على أمرهم ويطردونهم من ديارهم؛ لذلك عقدوا اجتماعًا في دار الندوة حضره نحو مئة من كبارهم وتشاوروا في منعه - صلى الله عليه وسلم - من الهجرة بالقوة، [ابن حزم: عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن حزم، أديب أندلسي ت ٤٣٨ هـ من أهل قرية الزاوية، انتقل إلى بلاد الثغر، وكتب عن عدة من الملوك، وألف تأليف واتسعت ثروته ومات شابا، الأعلام للزركلي، ٤/ ١٧٩] وجزم ابن حزم بأن هذا الاجتماع كان يوم الخميس ٢٧ صفر هجرية أي سنة ٦٢٠ ميلادية، وكانت دار الندوة يدخلها كل قرشي بلا شرط، وأما غير قريش فلا يدخل منهم إلا من جاوز اربعين سنة.

  • دخول إبليس في المؤامرة

فبينما هم جالسون للشورى في ذلك النادي إذ استأذن عليهم رجل عجوز لا يعرفونه، قالوا: من أنت؟ قال رجل من نجد، فدخل عليهم فإذا هو شيخ كبير عليه كساء غليظ وطيلسان من خز، وقال لهم: علمت باجتماعكم فجئتكم وعسى ألا أعدمكم رأيا ونصحًا، وجلس معهم ذلك الشيطان الرجيم.

تشريف بيت أبي بكر

وفى ذلك اليوم توجه صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر ظهرًا، فلمحته أسماء بنت أبي بكر قادمًا، فقالت: يا أبت هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آت إليك متقنعًا، فقال: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، فجاء فاستأذن فأذن له [وتأمل هذا الأدب العالي] وتنحى أبو بكر عن مكانه وأجلس فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وجلس معهما أسماء وعائشة، فقال له أخرج من عندك، قال: لا عين عليك، إنما هما ابنتاي وهما أهلك أي: لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان قد عقد على عائشة ولم يدخل بها إذ ذاك] قال: قد أذن الله لي بالهجرة، قال: فالصحبة بأبي أنت وأمي، قال: نعم، ففرح حتى فاضت عيناه سرورًا، قالت عائشة: فرأيت أبا بكر يبكي وما كنت أحسب أن أحدا يبكي من الفرح، رواه ابن إسحاق [سيرة ابن هشام ٢ / ٩٣].

قد يؤيد الله الدين بغير أهله

وفي ذلك اليوم استأجر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر رجلًا من أمهر العارفين بطرق السفر، اسمه عبد الله بن أريقط، فاستلم الناقتين وأخفاهما، واتفقا معه على ألا ينم عليهما وأن يحضرهما بعد ثلاث عند غار ثور، ومن عجيب الأمر أن هذا الرجل وفى وأدى ما تعاقد عليه بكل أمانة مع أنه من المشركين، ولكن لا عجب فقد روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» [صحيح البخاري برقم: ٣٩٦٧].

وجود مراقبة الأعداء

وفي ذلك اليوم أمر أبو بكر ولده عبد الله، وكان غلامًا حاذقا فطنًا خبيرًا بالتدبير، أن يأتي إليهما في الغار ليلًا؛ ليخبرهما بكل ما يدبر لهما من المكائد في مكة، ثم يبارح الغار في السحر، ويصبح في أهل مكة كبائت فيهم.

رد الودائع

وفي ذلك اليوم وجه - صلى الله عليه وسلم - اهتمامه الشريف إلى رد الودائع إلى ادلها، وذلك أنه كان معروفًا عند المشركين وغيرهم بالصدق الأمانة إذ أقام بينهم نحو الخمسين سنة قبل الهجرة، فما رأوا منه إلا أخلاقًا كريمة وعواطف رحيمة؛ ما كذب قط، ولا خان قط.

ولهذا كانوا يسمونه الصادق الأمين مع شدة عداوتهم له، وكان - صلى الله عليه وسلم - صادق الوعد قبل البعثة وبعدها؛ يتحمل في سبيل الوفاء ما لا يتحمله سواه، روى أبو داود من طريق عبد الكريم بن عبد الله ابن سفيان عن أبيه عن عبد الله بن أبي الحمساء العامري، قال: بعتُ للنبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا قبل أن يبعث، وبقيت للمبيع بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه الذي وقع فيه البيع، فنسيت الوعد، فذكرته بعد ثلاثة أيام، فجئته فإذا هو في مكانه لم يفارقه، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «يَا فَتَى لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ، أَنَا هُنَا مُنْذُ ثَلَاثٍ أَنْتَظِرُكَ» [سنن أبي داود رقم ٤٩٩٦].

العودة من بيت أبي بكر

ثم بارح النبي - صلى الله عليه وسلم - بيت أبى بكر بعد أن واعده على العودة إليه ليلًا، والتوجه إلى جبل ثور في أطراف مكة، وعاد نهارًا إلى منزله الكريم، فاستقر فيه إلى الليل مع علي - رضي الله عنه - .

الخلاصة

نستخلص من هذه الأحداث العظيمة أن النصر لا يتحقق بالأماني، بل بحسن التخطيط، والوفاء بالعهود، والأمانة حتى مع الأعداء، وهو ما تجسد في مواقف النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه؛ لتظل الهجرة النبوية مدرسة خالدة للأجيال، تُعلمنا أن مع العسر يسرًا، وأن جوار الله وثيقة الأمان الإلهية التي لا تُقهر أمام مكر البشر.

موضوعات ذات صلة

الهجرة المشرفة ليست مجرد قصة تُروى، بل هي منهل نستقي منه الدروس والعبر

شَكَّلت الهجرة النبوية تحولًا تاريخيًا نقل الدعوة من الاستضعاف إلى التمكين

شكَّلت الهجرة النبوية الشريفة نقطةَ تحولٍ فارقةً في تاريخ الدعوة الإسلامية

انتقلت الدعوة الإسلامية بالهجرة النبوية من مرحلة الحصار والاضطهاد في مكة إلى فضاء التمكين وبناء الدولة في المدينة المنورة

تُمثّل الهجرة النبوية الشريفة نقطة تحول فارقة في مسار الدعوة الإسلامية، وفاتحة عهد جديد؛ لبناء الدولة ونشر قيم العدالة والسلام

موضوعات مختارة