Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التخطيط والتنظيم في دار الهجرة

الكاتب

أ. د: حسن فتح الباب

التخطيط والتنظيم في دار الهجرة

انتقلت الدعوة الإسلامية بالهجرة النبوية من مرحلة الحصار والاضطهاد في مكة إلى فضاء التمكين وبناء الدولة في المدينة المنورة، وتطلّب هذا التحول التاريخي من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صياغة خطة استراتيجية جديدة تتوافق مع ظروف يثرب ومواردها مقارنة بالواقع المكي.

خطة الهجرة من واقع الظروف الجديدة

كانت كل خطوة تقرب المهاجر العظيم -صلى الله عليه وسلم، وصاحبه -رضي الله عنه، من المدينة علامة على طريق النصر تدنو بهما من الهدف، وتقصي عنهما الخطر، وبينما هما يقطعان آخر أشواط رحلتهما الشاقة، كان رسول الحق -صلى الله عليه وسلم- لا يعنى بغير التفكير في وضع خطة جديدة بوحي من الله - للمرحلة القادمة، لا يشغله عن ذلك عناء المسير أو وعثاء البيداء، ولا تصرفه أعباء الحاضر عن النظر في احتمالات المستقبل.

وها هي ذي المدينة على مدى البصر، لم يبق غير فرسخين على بلوغها؛ فليخلد النبي العظيم -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه -رضي الله عنه- إلى بعض الراحة بعد أن تزايل الخطر حتى يستطيعا أن يستأنفا بعدها المسير في قوة ونشاط، ولتكن تلك البقعة الصحراوية التي نزلا بها والتي يطلق عليها "قباء" محطًّا لالتقاط الأنفاس والتفكير فيما يتخذ من تدابير للغد المرتقب.

قد كان الهدف من الهجرة هو الوصول إلى المدينة، وكان المقصد تأمين الإسلام والمسلمين، واستكمال الرسالة في أرض صالحة، ومن ثَمَّ فإن الخطة المنشودة في الهجرة تستهدف تحقيق هذا الغرض؛ وهو نشر الدعوة كما هو الشأن في الخطة التي اتبعها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مكة، غير أن الأسلوب والوسيلة اللازمين للتخطيط في المدينة يختلفان بالضرورة عما اتخذ في مكة، فضلا عن أن إنشاء دولة في المدينة دينها الإسلام كان هدفًا رئيسًا آخر للنبي -صلى الله عليه وسلم- لا ينفصل عن الهدف الأول.

الإسلام في مكة قبل الهجرة

وكان الإسلام في مكة غريبا، وكان المسلمون مضطهدين، لأن الدعوة جاءت بما يخالف مألوف قريش في عقائدها ومناسكها وعاداتها، ولأنها كانت تؤذن بزوال الزعامات القرشية التي كانت لأبي لهب، وأبي سفيان، وأمثالهما، وهم حريصون جد الحرص على تلك الزعامات التي توارثوها؛ ولأن قبائل العرب كانت تتهيب مناصرة الدعوة وتأييدها لمكانة قريش منها؛ ولأن هذه الدعوة الجديدة كانت تهدد بسقوط مصالح قريش المادية ونظامها الطبقي القائم على استغلال الإنسان للإنسان.

ونظرا لوفرة عدد الأعداء وقوة سلطانهم وشدة حقدهم فقد كانوا يمسكون بزمام المبادرة في أيديهم، فهم الذين يهاجمون النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم، وميزان القوى في صالح الكثرة المستبدة المسيطرة؛ لذلك استطال أمر ظهور الإسلام واستمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في موقفه ثلاث عشرة سنة متوالية يجاهد الإعلاء كلمة الحق، وهو محاصر بظلمات من الباطل بعضها فوق بعض طبقات.

أما في يثرب فإن الوضع يختلف، فقد كان المسلمون يزدادون بها كل يوم عددًا وسلطانًا، ولا يجدون من أذى المشركين ولا من أذى اليهود ما يجده إخوانهم بمكة من أذى قريش، وصارت المدينة دارًا عزيزة منيعة للإسلام، تجمع بين القوة الروحية التي تذكيها عقيدة التوحيد، والقوة المادية القائمة على خيرات يثرب من زرع ونخيل وأعناب، ولقد تكاملت هاتان القوتان في الحلف الذي عقده رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع أهل المدينة، فمن أسلموا أطلق عليهم الأنصار.

وهكذا تغيرت الحال، ورجحت كفة الإسلام في الميزان أو أصبحت -على الأقل- معادلة لكفة قريش، فأصبح من الطبعي أن تجد الدعوة في يثرب متنفسا ومنطلقا بعد أن انجابت أمامها صعوبات كانت تقف في طريقها بمكة، وأصبح ميسورًا لمن يريد الدعوة الجديدة أن يتصل بصاحبها في حرية وأمن.

الخلاصة

أحدثت الهجرة النبوية توازنًا جديدًا في القوى بعد ثلاث عشرة سنة من الاستضعاف والمواجهة الطبقية مع زعامة قريش بمكة، ووفرت المدينة بيئة آمنة تلاحمت فيها العقيدة الروحية مع القوة المادية للأنصار، مما منح الإسلام متنفسًا طبيعيًا ومنطلقًا حرًا للانتشار، ويثبت هذا التحول أن نجاح الرسالة اعتمد على مرونة التخطيط النبوي، وتبديل الوسائل والأساليب طبقاً لتغير البيئة والظروف المحيطة.

موضوعات ذات صلة

هنا يتجلى الإيثار، السر الأعظم من أسرار الهجرة النبوية

شكَّلت الهجرة النبوية الشريفة نقطةَ تحولٍ فارقةً في تاريخ الدعوة الإسلامية

الهجرة المشرفة ليست مجرد قصة تُروى، بل هي منهل نستقي منه الدروس والعبر

شَكَّلت الهجرة النبوية تحولًا تاريخيًا نقل الدعوة من الاستضعاف إلى التمكين

لا تقتصر الهجرة النبوية على بعدها الديني، بل لها أبعاد شاملة تمس كل جوانب الحياة

موضوعات مختارة