- التحصن الطبيعي والمنعة الحربية
امتازت المدينة المنورة بتحصن
طبيعي حربي فريد لا تزاحمها فيه مدينة قريبة في جزيرة العرب؛ إذ جعلتها يد
القدرة الإلهية محاطة بموانع صخرية وحيوية تمنع تقدم الخيول والجيوش النظامية،
فكانت حرة الوبرة مطبقة عليها من الناحية الغربية، وحرة واقم مطبقة
عليها من الناحية الشرقية (والحرة هي الأرض ذات الحجارة السوداء البركانية الحادة
التي تشبه النعل في صلابتها وحدتها)، ومن هنا عُرفت المدينة المدينة المنورة
في الآثار والكتب القديمة بذات الحرار أو ذات الأحرين، كما جاء في الآثار التاريخية القديمة ووصف
الكهان لبيئتها قبل الإسلام: "الحق بيثرب ذات النخل والحرة ذات النعل"[السمهودي: وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى،١ /
١٩].
وقد لُقبت كذلك بذات النخل لانتشار
بساتينها الملتفة، وهي الصفة الكاشفة التي ظهرت في معالم الرؤيا النبوية الشريفة،
وجعلت القبائل العربية قديمًا تقصدها طلبًا للمنعة والاستقرار، كقول عمران بن
عامر الكاهن وهو يصف البلاد لقومه: "ومن كان منكم يريد الراسخات في
الوحل، المطعمات المحل، فليلحق بالحرة ذات النخل" [السمهودي: وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى،١ / ١٣٦].
بينما اكتست بقية أطرافها ببساتين
النخيل والزروع المتشابكة، فصنعت عائقًا طبيعيًا يمنع تقدم الجيوش وترتيب صفوفها
العسكرية؛ إذ لا يمكن اختراقها إلا من ممرات ضيقة تكفيها حراسات صغيرة لإحباط أي
تسلل، وبناءً على هذه المنعة، ظلت الجبهة الشمالية الناحية الوحيدة المكشوفة، وهي
الثغرة التي استثمرها حضرة سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحصنها
بحفر الخندق سنة خمس من الهجرة في غزوة الأحزاب، فكان أحد جانبي المدينة عورة،
وسائر جوانبها مشككة بالبنيان والنخيل، لا يتمكن العدو منها [أحمد ياسين الحسيني:
تاريخ معالم المدينة المنورة
قديماً وحديثاً، نادي المدينة المنورة الأدبي، ١ /٢٤١]، وهو
ما أشار إليه حضرة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «أُريتُ
دارَ هجرتِكم أُرِيتُ سَبَخَةً ذاتَ نخلٍ بيْنَ لابَتَيْنِ وهما حَرَّتانِ» [البخاري: الصحيح،٢٢٩٧].
- الموقع الاقتصادي للمدينة المنورة
إن موقع المدينة الجغرافي يرشحها للزعامة،
فهي تقع في الوسط بين الدول الكبرى الثلاث التي كانت موجودة في ذلك العصر، الفرس
والروم من الشمال، والحبشة من الجنوب والمسافات بينها وبين هذه الدولة بعيدة بحيث
يصعب على أي منها غزوها أو التسلط عليها، بعكس مكة فإنها كانت قريبة جدا من
الحبشة التي حاول بعض قادتها الاعتداء عليها ومهاجمتها عن طريق اليمن،
وبهذا تكون المدينة من الناحية السياسية أكثر ملاءمة من غيرها لتكون عاصمة للدولة الجديدة
[د. محمد السيد الوكيل: المدينة
المنورة عاصمة الإسلام الأولى، دار المجتمع، ص٨٠]
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد تميز
هذا الموقع بوجوده الحاكم على شريان طريق القوافل التجارية الرئيسي بين اليمن
والشام، بحيث غدت المدينة بمثابة النقطة الإجبارية التي لا تكاد تتجاوزها تجارة
قريش، هذا الموقع الحيوي مَنح المدينة المنورة قوة ضغط اقتصادية هائلة مكنتها من
محاصرة عصب الحياة والوجود لأهل مكة، وهو ما تجلى بوضوح في شهادات قادة قريش
أنفسهم؛ إذ يُلخص صفوان بن أمية هذا المأزق الخانق بقوله: "إنّ محمداً وأصحابه قد عوّروا علينا
متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه، وهم لا يبرحون الساحل، وقد وادعهم أهل الساحل
ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رؤوس أموالنا،
فلم يكن لنا بها بقاء، وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف، وفي
الشتاء إلى أرض الحبشة" [الواقدي:
المغازي، دار الأعلمي، ١ / ١٩٧]، فكان هذا الحصار الاقتصادي البليغ
سبباً في كسر غطرستهم، وأخضعهم لاحقاً لمهادنة المسلمين في صلح الحديبية.
- الاكتفاء الذاتي في المدينة المنورة
تميزت المدينة المنورة بكونها بلدًا
زراعيًا يوفر الضروريات من طعام وشراب وكساء؛ هذا الوضع منحها استقلالًا ماديًا
واكتفاءً ذاتيًا يُغنيها عن الحواضر الأخرى، ووفر لأهلها استقراراً بيئيًا
واجتماعيًا هيأهم لحمل عبء الدعوة والجهاد، دون الاضطرار للضرب في الأرض طويلاً
للتجار [د. محمد السيد الوكيل:
المدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى، ص ٧٩].
وهو التمايز الاقتصادي والبيئي الذي
عبّر عنه أبو هريرة - رضي الله عنه - بقوله: "إنَّ
إِخْوَتِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بالأسْوَاقِ، وَإِنَّ
إِخْوَتِي مِنَ الأنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ" [البخاري: صحيح، ٢٣٥٠].