Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تفسير الآيات مِن قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ... } حتى قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}

الكاتب

هيئة التحرير

تفسير الآيات مِن قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ... } حتى قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}

تتضمن الآيات (٣٦-٤٠) من سورة التوبة أصولًا عظيمة في تنظيم الزمن الشرعي وبيان حرمة الأشهر الحرم، والتحذير من النسيء والتلاعب بأحكام الله، كما تكشف عن دروسٍ تربوية وإيمانية من غزوة تبوك والهجرة النبوية ومعية الله لنبيه ﷺ وصاحبه في الغار.

فما دلالات هذه الآيات الكريمة؟ وما أبرز ما اشتملت عليه من أحكامٍ وعبرٍ إيمانية وتاريخية تُرسخ الثبات على الحق وتعظيم شعائر الله؟

الميزان الإلهي للزمن وحرمة الأشهر الأربعة

قال الله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}.

(١)  تأصيل الميقات الشرعي والكوني:

يقرر الله أن نظام الزمن مبني على الحساب القمري وجعل شهور السنة كونيًّا وشرعيًّا اثني عشر شهرًا في اللوح المحفوظ والقدر الأزلي [تفسير الطبري]، وفي هذا إبطال للمكوس والحسابات العشوائية التي كانت تسير عليها الأمم الأخرى كالأعاجم واليهود في التلاعب بالسنوات الكبيسة [تفسير القرطبي]، وقد ارتبط هذا الميقات بلحظة برء السموات والأرض ليدل على ثبات الناموس التعبدي المرتبط بحركة الأجرام [تفسير ابن كثير].

(٢)  تحديد الأشهر الحرم وحكمة توزيعها:

بيّنت الآية أن أربعة أشهر منها لها مزية التشريف والتعظيم لدرجة تحريم القتال فيها [تفسير البغوي]، وقد حددها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ». [صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في سبع أراضين].

والحكمة في هذا التوزيع (ثلاثة سرد وواحد فرد) هي تأمين الناس في ممارسة شعائرهم؛ فذو القعدة لتأمين السير إلى الحج، وذو الحجة لأداء النسك، والمحرم للرجوع إلى الديار، ورجب في وسط الحول لأجل العمرة المضرية [تفسير ابن كثير].

(٣)  مفهوم الدين القيم:

قوله {ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} إشارة إلى أن هذا التقسيم هو الشرع السديد والمذهب المستقيم الذي لا عوج فيه، والموافق لملة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بعد أن حرفها أهل الجاهلية [تفسير الزمخشري، (الكشاف)].

(٤)  فلسفة النهي عن ظلم النفس وتغليظ الذنب:

قوله: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} ورد فيه وجهان؛ الأول: أن المعاصي والآثام في هذه الأشهر الأربعة أعظم وزرًا وأشد عقابًا من غيرها، كما أن الطاعات فيها أعظم أجرًا تعظيمًا للمكان والزمان، وهذا قول قتادة. [تفسير الطبري].

والوجه الثاني: أن النهي عام في جميع شهور السنة والضمير يرجع للاثني عشر شهرًا وهذا قول ابن عباس [تفسير القرطبي]، لكن خُصت الأربعة بالذكر لزيادة حرمتها، مثل قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: ٢٣٨] [تفسير الشوكاني، (فتح القدير)].

(٥) وجوب المقابلة الشاملة والمعية المشروطة:

قوله {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} أمر للمؤمنين بالاتحاد والشمول في حرب أعدائهم؛ أي: احتشدوا جميعًا ولا تختلفوا ما دام الكفار يقاتلونكم ككتلة واحدة مستهدِفين بيضة الإسلام [تفسير ابن عاشور، (التحرير والتنوير)]، ثم ذيَّلَها بقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} للإشارة إلى أن النصر ليس بالكثرة المادية الصرفة، بل بالمعية الإلهية التي لا تُنال إلا بلزوم التقوى والوقوف عند حدود الشرع [تفسير السعدي].

النسيء والتلاعب بالزمن مدخل لزيادة الكفر

قال الله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكاَفِرِينَ}.

(١)  تفكيك ظاهرة النسيء الجاهلية:

النسيء: في لغة العرب هو التأخير والمُنَسَّأ هو المؤخَّر، وكان القائمون على هذا التشريع المبتدع يُدعَون (القَلامِس) من بني كنانة، حيث كان يقف خطيبهم في مواسم الحج فيقول: "أنا الذي لا أُرد، ولا أُعاب" فيؤخِّر حرمة المحرم إلى صفر إذا أراد قومه حربًا، فيستحلون القتال في المحرم ويحرمون صفر بدلًا منه [تفسير الطبري].

(٢) العلة في كونه زيادة في الكفر:

وصف الله النسيء بأنه {زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ}؛ لأن المشركين كان لديهم كفر الشرك والعبودية للأصنام، فأضافوا إليه كفرًا تشريعيًا جديدًا وهو ممارسة سلطة التحليل والتحريم ومنازعة الله في أخص صفات ربوبيته وحُكمه [تفسير البغوي]، فضلًا عن جهلهم وتبديلهم للحقائق الكونية والشرعية [تفسير القرطبي].

(٣) التحايل اللفظي والرقمي:

قوله: {لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} يبيّن خبث تحايلهم؛ إذ كانوا يظنون أن الحرمة متعلقة بمجرد المحافظة على الرقم (أربعة أشهر في السنة) دون اعتبار لأعيان الشهور ومواقيتها الحقيقية التي عظمها الله بذاتها، فكانوا يحلون عامًا ويحرمون عامًا آخر للمحافظة على التوازن العددي فقط [تفسير ابن كثير].

(٤) الانتكاس النفسي والحرمان التوفيق:

قوله: {زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ} إشارة إلى الانتكاس الفطري حيث رأوا المنكر معروفًا والباطل حسنًا بدافع الهوى والتحريض الشيطاني [تفسير الزمخشري]، ولذا جاء الحرمان مطلقًا: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} أي: يسلبهم التوفيق ويلجئهم إلى ضلالهم لعدم طلبهم للحق أصلًا [تفسير الشوكاني].

التوبيخ الإلهي على التثاقل عن الجهاد

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ}.

(١)  السياق التاريخي وملابسات غزوة تبوك:

نزلت هذه الآية الكريمة معاتِبة للمسلمين حين استنفرهم النبي صلى الله عليه وسلم لغزوة تبوك (وتسمى غزوة العُسرة) في رجب من العام التاسع للهجرة، وكان الوقت قاسيًا؛ فالحر في غايته، والمسافة بعيدة جدًا لمواجهة الروم، والثمار بالمدينة قد طابت وحان وقت جنيها والجلوس في ظلالها، فَشَقَّ الخروجُ على النفوس [أسباب النزول للواحدي].

(٢) البلاغة القرآنية في تصوير التثاقل:

الإتيان بلفظ {اثَّاقَلْتُمْ} بالإدغام (وأصلها تثاقلتم) يجسد بهيئته الصوتية ثقل الجسد البشري المائل إلى الالتصاق بالأرض والخلود إلى الراحة الفانية [تفسير الزمخشري]، والاستفهام في {مَا لَكُمْ} هو استفهام إنكاري وتوبيخي تقريعي غرضه شحذ الهمم وتنبيه القلوب المؤمنة من الغفلة [تفسير الطبري].

(٣)  موازنة الفناء بالخلود:

أنكر الله عليهم هذا الرضا بالمرتبة الدنيَّة: {أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ}؟ أي: أبدلتم النعيم المقيم باللعاعة الزائلة؟ [تفسير القرطبي]، ثم جاءت الحقيقة الكونية: {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ}؛ ويصدق هذا ما حديث المستورد بن شداد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلَّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحَدُكُمْ إصْبَعَهُ هذِهِ فِي اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بمَ تَرْجِعُ؟». [مسند الإمام أحمد].

التحذير من عاقبة النكوص وسنة الاستبدال

قال الله تعالى: {إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

(١)  طبيعة العذاب المتوعد به:

العذاب هنا مشروط بعدم النفير؛ وقد فسره مجاهد بأنه حبس المطر والجدب العام في الدنيا وعذاب النار في الآخرة [تفسير الطبري]، وقيل: هو تسليط الأعداء وسلب العزة والكرامة؛ لأن الأمة التي تترك الجهاد وتخلد للراحة تلبس ثوب الذل صغارًا [تفسير ابن كثير].

(٢) سنة الاستبدال الإلهي:

قوله: {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} تهديد وجودي للأمة؛ فالله غني عن جهاد خلقه وعن نصرتهم، فإن تقاعس جيل من البشر، أذهبهم الله وأتى بآخرين يملكون العزيمة الصادقة والامتثال المطلق لشرعه [تفسير البغوي]، وقد ورد عن ابن عباس أنهم قوم آخرون من غير أهل المدينة [تفسير القرطبي].

(٣) التأكيد على قدرة الخالق وعجز المخلوق:

قوله: {وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا} أي: بتخلفكم لن تنقصوا من قدرة الله ولا من عزة دينه، ولن تضروا رسوله؛ فالإسلام منصور بكم أو بدونكم [تفسير الزمخشري]، وختم بقوله: {وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لبيان كمال القدرة على الإهلاك، والإيجاد، والنصر بشتى الأسباب الخفية [تفسير الشوكاني].

النصر الإلهي وتحقق المعجزة

قال الله تعالى: {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

(١)  قطع توهم الحاجة لغير الله:

يبطل الله في هذه الجملة الشرطية {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} أيَّ مِنَّة أو تَوَهُّمٍ من المؤمنين بأن قيام الدين مُرتَهِن بجهودهم؛ فيُذكِّرهم الله بأضيق الأوقات يوم الهجرة المباركة حينما تخلت الأرض كلها عن النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه النصر من السماء [تفسير الطبري].

(٢)  إثبات الصحبة والمنزلة العظمى للصديق:

قوله: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} فيه توثيق تاريخي وشرعي لصحبة أبي بكر الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم في غار ثور [تفسير ابن كثير]، ولذا صرح الحافظ ابن كثير ونقله القرطبي أن من أنكر صحبة أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقد كفر صراحة لأنه رادّ للنص القرآني القطعي بخلاف سائر الصحابة [تفسير القرطبي].

(٣)  مفهوم الحزن وعمق المعية الخاصة:

قوله -تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} يحكي ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي بكر -رضي الله عنه- قال: «قُلْتُ للنَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- وأَنَا في الغَارِ: لو أنَّ أحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنا، فقالَ: ما ظَنُّكَ يا أبا بَكْرٍ باثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما؟».

ولم يكن حزن الصديق جبنًا بل كان مشفقًا على حياة رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وشخصه الشريف أن يُصاب بسوء فتنطفئ دعوة الإسلام [تفسير البغوي].

و(المعية) هنا هي معية الحفظ والنصرة والتأييد الخاص بالأنبياء والأولياء [تفسير السعدي].

(٤)  تحليل الضمائر ونزول السكينة:

قوله: {فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} اختلف المفسرون في عود الضمير في "عليه"؛ فقال ابن عباس وجماعة: إن السكينة نزلت على أبي بكر الصديق؛ لأن روعه كان شديدًا، أما النبي فالسكينة متنزلة عليه دائمًا [تفسير الزمخشري]، وقال آخرون: بل نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم لزيادة الطمأنينة والثبات في ذلك الموقف العصيب [تفسير الطبري]. أما الجنود في قوله تعالى: {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} فهي الملائكة التي أهبطت لتصرف وجوه المشركين وتبث الرعب في قلوبهم وتكف أيديهم [تفسير الشوكاني].

(٥) إعلاء كلمة الله:

قوله: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا}؛ "كلمة الذين كفروا" هي الشرك والتدبير والمكر السيئ وقد جعلها الله مدحورة صاغرة مغلوبة [تفسير الطبري]، أما "كلمة الله" فهي دعوة التوحيد وقول: "لا إله إلا الله"، وقد جاءت مرفوعة بالاستئناف (ولم تُعطف منصوبة) تنبيهًا على أن كلمة الله ثابتة أزلية عليا بذاتها فوق كل قوة كفرية، وليست خاضعة لتقلبات المعارك البشريَّة [تفسير القرطبي]، وختم الآية بـ {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} عزيز في ملكه وسلطانه فلا يُغلب ناصره، حكيم في تدبير الأسباب ووضع الأمور في نصابها وتوقيت نصرة أوليائه [تفسير ابن كثير].

الخلاصة

تؤصل الآيات الميقات الشرعي الكوني القائم على اثني عشر شهرًا قمريًّا، ومنها أربعةٌ حُرُمٌ عُظِّمَت فيها الطاعات وغُلِّظت الآثام، وتُبطل الآيات ظاهرة "النسيء" الجاهلية القائمة على التلاعب بالزمن والتحايل التشريعي، واصفةً إياها بزيادةٍ في الكفر والضلال، وتُوَبِّخ الآيات المتثاقلين عن الجهاد في غزوة تبوك، وتُحذرهم من سُنّة الاستبدال الإلهي وعاقبة النكوص عن نصرة الدين، وتُخلِّد الآيات معجزة النصر الإلهي للنبي ﷺ وصاحبه الصديق في الغار، مُثبِتةً معية الله الخاصة وفضل الصحبة وأحقيتها، وتَختم الآيات ببيان كمال القدرة الإلهية بإعلاء كلمة التوحيد ذاتيًا وأزليًّا، ودحر خطط الكافرين تحت مظلة العزة والحكمة.

موضوعات ذات صلة

شكلت الهجرة إلى الحبشة ملاذًا آمنًا للمسلمين الأوائل فرارًا بدينهم من بطش قريش وتنكيلها

لم تكن الهجرة إلى المدينة مجرد مغادرةٍ للأوطان، بل كانت ملحمةً إيمانية

أرسله الحبيب النبي المصطفى - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى المدينة قبل الهجرة