قال
الله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ
الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ
الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ
كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ
الْمُتَّقِينَ}.
(١) تأصيل الميقات الشرعي والكوني:
يقرر
الله أن نظام الزمن مبني على الحساب القمري وجعل شهور السنة كونيًّا وشرعيًّا اثني
عشر شهرًا في اللوح المحفوظ والقدر الأزلي [تفسير
الطبري]، وفي هذا إبطال للمكوس والحسابات العشوائية التي كانت تسير عليها
الأمم الأخرى كالأعاجم واليهود في التلاعب بالسنوات الكبيسة [تفسير القرطبي]، وقد ارتبط هذا الميقات بلحظة برء
السموات والأرض ليدل على ثبات الناموس التعبدي المرتبط بحركة الأجرام [تفسير ابن كثير].
(٢) تحديد الأشهر الحرم وحكمة توزيعها:
بيّنت
الآية أن أربعة أشهر منها لها مزية التشريف والتعظيم لدرجة تحريم القتال فيها [تفسير البغوي]، وقد حددها النبي صلى الله عليه وسلم
في الحديث الذي رواه أبو بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الزَّمَانُ
قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ،
السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثَةٌ
مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ،
الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ». [صحيح
البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في سبع أراضين].
والحكمة
في هذا التوزيع (ثلاثة سرد وواحد فرد) هي تأمين الناس في ممارسة شعائرهم؛ فذو
القعدة لتأمين السير إلى الحج، وذو الحجة لأداء النسك، والمحرم للرجوع إلى الديار،
ورجب في وسط الحول لأجل العمرة المضرية [تفسير ابن
كثير].
(٣) مفهوم الدين القيم:
قوله {ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}
إشارة إلى أن هذا التقسيم هو الشرع السديد والمذهب المستقيم الذي لا عوج فيه،
والموافق لملة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بعد أن حرفها أهل الجاهلية [تفسير الزمخشري، (الكشاف)].
(٤) فلسفة النهي عن ظلم النفس
وتغليظ الذنب:
قوله: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ
أَنفُسَكُمْ} ورد فيه وجهان؛ الأول: أن المعاصي والآثام في هذه الأشهر
الأربعة أعظم وزرًا وأشد عقابًا من غيرها، كما أن الطاعات فيها أعظم أجرًا تعظيمًا
للمكان والزمان، وهذا قول قتادة. [تفسير الطبري].
والوجه الثاني: أن النهي عام في جميع شهور السنة
والضمير يرجع للاثني عشر شهرًا وهذا قول ابن عباس [تفسير
القرطبي]، لكن خُصت الأربعة بالذكر لزيادة حرمتها، مثل قوله تعالى: {حَافِظُوا
عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: ٢٣٨] [تفسير الشوكاني، (فتح القدير)].
(٥) وجوب المقابلة الشاملة والمعية
المشروطة:
قوله {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا
يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} أمر للمؤمنين بالاتحاد والشمول في حرب أعدائهم؛ أي:
احتشدوا جميعًا ولا تختلفوا ما دام الكفار يقاتلونكم ككتلة واحدة مستهدِفين بيضة
الإسلام [تفسير ابن عاشور، (التحرير والتنوير)]،
ثم ذيَّلَها بقوله: {وَاعْلَمُوا
أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} للإشارة إلى أن النصر ليس بالكثرة المادية
الصرفة، بل بالمعية الإلهية التي لا تُنال إلا بلزوم التقوى والوقوف عند حدود
الشرع [تفسير السعدي].