تجلّت في غار ثور ورحلة الهجرة أسمى صور الرعاية الإلهية والمعجزات النبوية، التي أبطلت تدبير قريش وأعمت أبصارهم عن الحق.
تجلّت في غار ثور ورحلة الهجرة أسمى صور الرعاية الإلهية والمعجزات النبوية، التي أبطلت تدبير قريش وأعمت أبصارهم عن الحق.
كان متعذرًا على القائف أن يعرف مصيرَ الرسول ﷺ بعد وصوله إلى ذلك المكان، فلقد أحاط الله تعالى الغارَ بما يُبعد الظنَّ أنه ثَوَى إليه، فقد أنبتَ الله شجرةً ببابه وسخَّر العنكبوت فنسجتْ عليها وعلى باب الغار -كما رواه البزار [مسند البزار، حديث رقم: (٤٣٤٤). (المجلة)] وغيره- وأرسل حمامتين فَعَشَّشَتَا وبَاضَتَا على وجه الغار، وبذلك بدا أنه مكانٌ مهجورٌ منذ زمان قديم.
ولَمَّا أقبل فتيانُ قريشٍ بِعِصِيِّهِم وسيوفهم تابعين للأثر جعل بعضُهم ينظر في الغار فرأى تلك الظواهر التي أخفى الله بها رسوله ﷺ فاستبعد دخوله فيه، وأخبر رفقته بما رأى وأنه يستبعدُ أن يكون محمدٌ وصاحبه في الغار، وقال أمية بن خلف: وما حاجتكم إلى الغار؛ إن فيه لعنكبوتًا أقدم من ميلاد محمد، وقال آخر: لو دخل لكسر البيض وقطع العنكبوت، وصدق البوصيري إذ قال:
وَقَايَةُ اللهِ أَغْنَتْ عَنْ مُضَاعَفَةٍ *** مِنَ الدُّرُوعِ وَعَنْ عَالٍ مِنَ الأُطُمِ
[ديوان البوصيري، تحقيق: محمد سيد كيلاني، طبع مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط١، ١٣٧٤هـ = ١٩٥٥م، ص ١٩٥ (المجلة)]
وفي الحديث الصحيح عن أنس قال أبو بكر: "يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى مَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا" فقال: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ، اللهُ ثَالِثُهُمَا، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا» [صحيح البخاري برقم: (٣٦٥٣)، وصحيح مسلم برقم: (٢٠٠٩) (المجلة)]، ورُوِيَ أن أبا بكر قال: "نَظَرْتُ إِلَى قَدَمَيْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي الْغَارِ وَقَدْ تَقَطَّرَتَا دَمًا فَاسْتَبْكَيْتُ وَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَعَوَّدَ الْحَفَاءَ وَالْجَفْوَةَ".
ولله در البوصيري حيث قال:
وَيْحَ قَوْمٍ جَفَوْا نَبِيًّا بِأَرْضٍ *** أَلْفَتْهُ ضِبَابُهَا وَالظِّبَاءُ
وَسَلَوْهُ وَحَنَّ جِذْعٌ إِلَيْهِ *** وَقَلَوْهُ وَوَدَّهُ الْغُرَبَاءُ
أَخْرَجُوهُ مِنْهَا وَآوَاهُ غَارٌ *** وَحَمَتْهُ حَمَامَةٌ وَرْقَاءُ
وَكَفَتْهُ بِنَسْجِهَا عَنْكَبُوتٌ *** مَا كَفَتْهُ الْحَمَامَةُ الْحَصْدَاءُ
[ديوان البوصيري، ص ٥. (المجلة)].
أقام رسول الله ﷺ وصاحبه في الغار ثلاث ليال [سيرة ابن هشام ١ / ٤٨٦. (المجلة)]، حتى ينقطع الطلب وكان يبيتُ عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو شابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ فَيُدْلِجُ من عندهما بِسَحَرٍ فَيُصْبِحُ مع قريش بمكة كبائتٍ بها فلا يسمع أمرًا يكتادون به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبره حين يختلط الظلام، وكان عامر بن فهيرة يروح عليهما بقطيع من الغنم كان يرعاه حين تذهب ساعة من العشاء ويغدو به عليهما، فإذا خرج من عندهما عبد الله بن أبي بكر تبع أثره عامر بالغنم كيلا يظهر لقدميه أثر.
جاءهما الدليل عبد الله بن أُرَيقط بالراحلتين صبح الليلة الثالثة، وقد انقطع الطلب عنهما فارتحلا وأردف أبو بكر عامر بن فُهَيرة [ليقوم بخدمتهما]، وسار الدليل أمامهما، وعين الله تكلؤهما، وكان المشركون قد جعلوا لمن يدل عليهما أو جاء بهما دية (مئة من الإبل) لكل واحد منهما، فجَدَّ الناس في الطلب، والله غالب على أمره، واتجه الدليل بهم نحو الساحل، فمروا على أم معبد عاتكة بنت خالد الخزاعية بقديد، وكانت ضخمة عفيفة جليلة قوية، تجلس بفناء الخيمة، وتطعم وتسقي مَن يمر بها، وكان القوم مجدبين (أصابتهم شدة أي مجاعة) فطلبوا منها شيئًا: لبنًا أو لحمًا أو تمرًا يشترونه منها، فلم يجدوا عندها شيئًا، وقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزناكم القِرى [أي: ما أحوجناكم الطعام]، فنظر -صلى الله عليه وسلم- إلى شاة في كسر الخيمة خلفها الجهد (أي: الهزال) عن الغنم، فسألها النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟» فقالت: هي أجهد من ذلك. فقال: «أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلِبَهَا؟» فقالت: بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا (أي: لبنًا في الضرع) فاحلبها، فدعا الشاة ومسح ضرعها فتفاجت ودرت، ودعا بإناء يربض الرهط (أي: يشبع الجماعة) فحلب فيه ثَجًّا [ثَجًّا (بالثاء)] (أي: حلبًا قويًّا) وسقى القوم (أي: بعد أن سقى هذه السيدة وتُدعى أم معبد، وسقى مَن معها) حتى رووا، ثم شرب آخرهم، ثم حلب فيه مرة أخرى فشربوا عَلَلًا بعد نَهَلٍ [أي: شربًا ثانيًا بعد الأول]، ثم حلب فيه آخر وغادره عندها، وقال لها: «ارْفَعِي هَذَا لِأَبِي مَعْبَدٍ إِذَا جَاءَكِ».
ثم ركب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومَن معه وذهبوا، فما لبث أن جاء أبو معبد زوجها يسوق عنزًا عجافًا يتساوكن [أي: يتمايلن من الهزال] هزلًا، مخهن قليل [أي: مخ عظامهاقليل لهزالها]، فلما رأى اللبن أبو معبد عجب وقال: ما هذا يا أم معبد أنَّى لك هذا والشاة عازب حيال [عازب: أي بعيدة المرعى، حيال: جمع حائل وهي التي ليس بها خمل] ولا حلوب بالبيت؟! فقالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا (وصفته له أجهل وصف) فقال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش، لو رأيته لتبعته، هذه خلاصة حديث أم معبد الذي رواه الحاكم [المستدرك: رقم (٤٢٧٤) (المجلة)] وغيره، وصححه البيهقي [دلائل النبوة ١/٢٧٩(المجلة)].
مِمَّا حدث للرسول ﷺ في الطريق تعرض بُريدة بن الحُصَيب له طمعًا في الجائزة ولكن الله هداه فأسلم، أخرج البيهقي عنه قال: "لَمَّا جَعَلَتْ قُرَيْشٌ مِئَةً مِنَ الْإِبِلِ لِمَنْ يَرُدُّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- حَمَلَنِي الطَّمَعُ فَرَكِبْتُ فِي سَبْعِينَ مِنْ بَنِي سَهْمٍ فَلَقِيتُهُ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: بُرَيْدَةُ، فَالْتَفَتَ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَقَالَ: «بَرَدَ أَمْرُنَا وَصَلَحَ»، ثُمَّ قَالَ: «مِمَّنْ أَنْتَ؟» قُلْتُ: مِنْ أَسْلَمَ، قَالَ: «سَلِمْنَا»، ثُمَّ قَالَ: «مِمَّنْ؟» قُلْتُ: مِنْ بَنِي سَهْمٍ، قَالَ: «خَرَجَ سَهْمُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ»، فَقَالَ بُرَيْدَةُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَسُولُ اللهِ»، فقال بريدة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأسلمَ مَن كان معه جميعًا، قال بريدة: الحمد لله الذي أسلم بنو سهم طائعين غير مكرهين، فلما أصبح قال بريدة: "يَا رَسُولَ اللهِ لَا تَدْخُلِ الْمَدِينَةَ إِلَّا وَمَعَكَ لِوَاءٌ"، فحل عمامته ثم شدها في رمح ثم مشى بين يديه حتى دخلوا المدينة [ينظر: سبل الهدى والرشاد ٣/٢٥٢، الأنوار في شمائل المختار١/٧٠٩(المجلة)].
برهنت أحداث الغار وقصة أم معبد على أن معيّة الله تحرس أولياءه وتُبارك في قليلهم، لينطلق الإسلام من ضيق الحصار إلى سعة التمكين.
تأثير الله تعالى في العالم وتوجيهه نحو غايات معينة بإرادته، وحفظه لنظامه، وإحاطة علمه بالوجود.
ملكة تمنع من الوقوع في المعاصي أو الخطأ والنسيان في أمور الوحي.
هل يغني التوكل عن السعي، أم أن العمل بالأسباب ينقص من كمال اليقين؟
الهجرة النبوية جسدت التوكل الحق على الله مقترنًا بالأخذ الكامل بالأسباب والتخطيط الدقيق.
رسّخت الهجرة معالم اليقين وصنعت الأمل وسط الأزمات بمعجزاتها ودلالاتها الإيمانية.