نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل، سلوك المحب للطاعة، الذي يشتاق إلى عود المناسبات، والذكريات، ومواسم الطاعات فينظر إليها في العام الجديد نظر المتأمل، المشتاق إلى بركتها، ونفحاتها، يرجو التعرض لها، ويرجو رحمة ربه.
نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل، سلوك المحب للطاعة، الذي يشتاق إلى عود المناسبات، والذكريات، ومواسم الطاعات فينظر إليها في العام الجديد نظر المتأمل، المشتاق إلى بركتها، ونفحاتها، يرجو التعرض لها، ويرجو رحمة ربه.
نسائم بداية العام تتلاقى مع روائح ختام العام المنقضي، في ثنائية متلاحمة، ممتلئة بالتجليات والإشارات، التي يقابلها المحبون بالتأمل والتفكر، المحبون فقط هم من ينتظرون التجليات ويبحثون في الإشارات، ويستخرجون ما يستبطن من الأحداث والذكريات، هم أهل الله والذكر، المصطفون لعبادة التأمل في الزمان والمكان وما يصادف أعينهم من كون الله ﴿إِنَّ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَءَایَٰتࣲ لِّأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠ ٱلَّذِینَ یَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِیَٰمࣰا وَقُعُودࣰا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَیَتَفَكَّرُونَ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلࣰا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠-١٩١].
يقف المحبون على عتبات العام وينظرون إلى العام الجديد، في أول شهوره (المحرم) فتقع أنظارهم على عاشوراء وسُنَّة صيامه، ويعودون إلى آخر العام وينظرون إلى هذا التعانق بين يوم عرفة في آخر شهور السنة المنقضية ويوم عاشوراء في أول شهور السنة الآتية، والوظيفة واحدة في ختام العام وبدايته وهي "الصيام" هنا تتعانق الطاعات، وتتواصل الرحمات، وتحل البركات، تأمل .. الختام بصيام يوم عرفة، والافتتاح بصيام يوم عاشوراء، إنه تحقيق لمقام الإخلاص وإشارة إليه، إخلاص من العبد ورحمة من الله المنبئ عنه قوله تعالى في الحديث القدسي: «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» [صحيح البخاري (٧٤٩٢) عن أبي هريرة].
إنها إشارة إلى الإخلاص الدائم من المبدأ إلى المنتهى، إشارة إلى العبادة التي لا تتعطل ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ یَأۡتِیَكَ ٱلۡیَقِینُ﴾ [الحجر: ٩٩]، عبادة وطاعة بإخلاص ما دام العبد حيًا، وهو سلوك النبيين، قال الله -تعالى- حكاية عن عيسى عليه السلام: ﴿وَأَوۡصَٰنِی بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَیࣰّا﴾ [مريم: ٣١]، فاجعل عنوان حياتك، وشعار ختام وبداية أعوامك أن تقول لنفسك: "أشرف خصالك قيامك بحقّ العبودية" [تفسير القشيري (٢/ ٢٨٣)].
تأمل معي وأنت بين عامين؛ في السابق صمت يوم عرفة، وفي اللاحق صمت يوم عاشوراء، قمت بحق العبودية فمنحك الله تعالى من فضله ونعمته ما لا يحصى، ولم تُترك هكذا دون كشف أسرار عباداتك، وتفانيك في طاعة ربك، بل كشف لنا الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه أنوارًا وأسرارًا عندما جمع بين أعوام المغفرة في حديث واحد فقال: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ" [صحيح مسلم: (١١٦٢) عن أبي قتادة].
إنها أعوام المغفرة، ثلاثة أعوام، الأول: العام الذي قبل العام الذي فيه صيام عرفة، والثاني: العام الجديد الذي بعد صيام يوم عرفة، والثالث: عام يوم عرفة نفسه، فصيام يوم عاشوراء يكفر سنة صيام يوم عرفة، وصيام يوم عرفة يكفر ذنوب السنة التي بعده التي فيها يوم عاشوراء، والسنة التي تقع قبل السنة التي فيها صيام يوم عرفة، فهي ثلاثية المغفرة التي تأتينا كل عام، مدد متواصل، ورحمات متتالية، يغفر الله فيها اللمم والصغائر، ويجنبنا الله فيها بتوفيقه من الكبائر [شرح النووي على مسلم ٨/ ٥١].
لعلك فطنت أن العام الهجري ليس مجرد مناسبة إسلامية ولكنه رحمة تدرك العبد وتلاحقه، ونفحة من نفحات الله تعالى فيها عطاء ورحمات، ومدد وبركات.
وقفة تأمل كشفت هذا العطاء والمدد بين الختام والبدء دون تعطيل أو تأجيل، إنه العطاء الإلهي المتواصل، والنفحات التي لا تنقطع عن المحبين، ففي آخر العام تتطلع القلوب المؤمنة إلى عود أيام البركة في العام الجديد، وتشتاق إلى بلوغ الأزمنة المشرفة والأيام العامرة بالرحمات، يعلم المحبون أن المناسبات عائدة ببركتها، هجرة الجناب الأعظم ﷺ في المحرم وما فيها من قيم روحية وحضارية، ومولد شريف يتلألأ نوره في ربيع الأول، وإسراء ومعراج فيه الدروس المتجددة في شهر رجب، وليلة النصف من شعبان التي تعلن عن المغفرة والرحمة للعباد، وشهر القرآن وأيامه المباركات يبلغه المؤمنون باشتياقهم على عتبات العام ودرته ليلة القدر، وبعده شوال وفي صدارته التكبير على ألوان الهدايات ﴿وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وتتم الهداية بصيام الست من شوال، ثم تتواصل العطاءات والبركات في ذي القعدة باستنهاض الهمم وعقد النوايا على حج بيت الله الحرام، وتلامس التلبية القلوب المؤمنة في ذي الحجة، كل هذه البركات يراها العاشقون والمحبون في كل عام يودعونه وفي كل عام يستقبلونه، يرون العطاء الدائم، وهذه الرؤية تحفزهم على التعرض لنفحات الله "إِنَّ لِرَبِّكُمْ عز وجل فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهَا، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ مِنْهَا نَفْحَةٌ لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا"[المعجم الأوسط للطبراني٣/ ١٨٠، قال الهيثمي فيه من لم أعرفهم، ومن عرفتهم قد وثقوا. المجمع: ١٠ /٢٣١].
هذا السلوك من التطلع للخير في العام الجديد سنة من السنن حث سيدنا محمد ﷺ بقوله: «افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ» [المعجم الكبير للطبراني ١/ ٢٥٠، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. المجمع ١٠ /٢٣١].
إنه عطاء إلهي متواصل ينتهي في عام ويعود في آخر، فتتلاحم النفحات دون انتهاء، ويشمر الصالحون عن سواعد الجد في الطاعة، ويخزى الشيطان وتفشل خططه ﴿قَالَ رَبِّ بِمَاۤ أَغۡوَیۡتَنِی لَأُزَیِّنَنَّ لَهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِیَنَّهُمۡ أَجۡمَعِینَ ٣٩ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِینَ﴾ [الحجر: ٣٩-٤٠].
إن الطاعة سبب ليأس الشيطان من أصحابها، فيبتعد عنهم مقهورًا ذليلًا، هنيئًا لمن ختم عامه واستقبل العام الآخر بتجديد النية بمواصلة الصالحات، ومراقبة البركات، والتعرض للنفحات، والسعي إلى سمو نفسه ببركة الزمان، ونمو روحه بالتعلق بالرحمن، ناشرًا للخير وناثرًا للأخلاق فيعمر المكان بالقيم التي تتوج بطاعة الله وذكره.
التأمل بين وداع عام واستقبال آخر يوقظ الشوق للطاعات ونفحات المواسم، ويجعل القلب متطلعًا لبركات العام الجديد، راجيًا رحمة الله وفرص الخير التي تجدد الإيمان.
يُعتبر دور المرأة في الهجرة النبوية مثالاً يُحتذى به في التاريخ الإسلامي
تولى سيدنا عبد الله بن أبي بكر مهمة جمع الأخبار ورصد تحركات قريش ونقل المعلومات إلى سيدنا النبي ﷺ وسيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه
الهجرة النبوية كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان: عقله، وقلبه، وسلوكه، ومكانته في المجتمع؛
استسلام النبي ﷺ وصاحبه أبو بكر لله تعالى من أسباب تنزل السكينة عليهما في غار ثور
يتجلى الإيثار، السر الأعظم من أسرار الهجرة النبوية