ثقافة الترشيد هي الترياق الذي يسبق النهوض الاجتماعي، فهي تبني الروح المعنوية للأمة من خلال تعزيز الرقابة الذاتية قبل أن تنمي مقدراتها المادية.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
ثقافة الترشيد هي الترياق الذي يسبق النهوض الاجتماعي، فهي تبني الروح المعنوية للأمة من خلال تعزيز الرقابة الذاتية قبل أن تنمي مقدراتها المادية.
إنَّ استقراء التاريخ الحضاري للأمم يبرهنُ لنا أن الموارد حين تُسلبُ قيمتها التدبيرية وتتحولُ إلى مرتعٍ للهدر، تصبحُ معولاً للتبديد يضربُ جدار الاستقرار الاقتصادي، فالإسراف في حقيقته هو جنايةٌ على حق الأجيال، وردّةٌ عن قيم الترسيد والاقتصاد التي أرساها الوحيين الشريفين، حيث يستحيلُ الاستهلاك المنفلت في واقعنا المعاصر استنزافًا ينخر في جسد الدولة، فيقلبُ الوفرة عجزاً، ويُحيلُ رخاء الشعوب ضيقاً، مما يستوجبُ علينا استحضار البصيرة الدينية والمعرفية لصيانة مقدرات المجتمع من هذا العبث في خاصة في ظل الظروف الحالية التي يحيها الوطن، وإليك تجليات هذا الأثر النهضوي من خلال عيون نظريات علم الاجتماع.
يقرر هيربرت بلومر في كتابه "التفاعلية الرمزية: المنظور والمنهج " أن الفعل الإنساني هو وليد المعاني التي يمنحها الفرد للأشياء، والترشيد تكمن قوته في كونه إعادة صياغة لرمزية الطاقة، من كونها موردًا مستباحًا إلى كونها "أمانة" ومسؤولية أخلاقية، حيث يتبنى المجتمع رموزًا ثقافية تقدّر الاكتفاء، يبني الفرد واقعه على وعيٍ بالنتائج، مما يُنتج سلوكاً جمعياً منضبطاً، ويأتي هذا الكلام متواكبًا مع التوجيه الإلهي الذي يضبط حركة الاستهلاك بمعيار التوازن: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [ سورة الفرقان: الآية ٦٧]
يفصّل تالكوت بارسونز في أطروحته "النظام الاجتماعي" كيف تنتقل القيم عبر مؤسسات المجتمع لضمان استقرار البناء، فثقافة الترشيد ليست مجرد توفير مالي، ولكنها سلوكٌ يُغرس في الوعي الجمعي عبر التنشئة، حيث تصبح المحافظة على الطاقة قيمة أخلاقية مغروسة في الوجدان، حينها تذوب النزعات الاستهلاكية الفردية لصالح الاستدامة العامة، وهذا يتفق مع الهدي النبوي الذي جعل الاقتصاد في المورد منهجاً تربوياً ثابتا: «لا تُسرف في الماء ولو كنت على نهرٍ جار» [ رواه أحمد في مسنده]
يؤكد إميل دوركايم في كتابه " تقسيم العمل الاجتماعي" أن بقاء المجتمع مرهونٌ بقوة التماسك القيمي وكفاءة أداء الوظائف؛ وتفشي ثقافة الترشيد يُحدث حالةً من التوازن البنائي، حيث يقل الضغط على البنية التحتية، وتتوجه الموارد نحو الإنتاج بدلاً من التبديد.
إن الترشيد هنا يعمل كمنظمٍ يحمي جسد الأمة من "الأنوميا" أو الانفلات الاستهلاكي، وقد أرشدنا الوحي إلى أن التبديد هو مدخلٌ للخلل الوجودي: {إنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [ سورة الإسراء: الآية ٢٧]
يبرهنُ ماكسويل ماكومبز ودونالد شو في دراستهما التأسيسية " وظيفة وضع الأجندة لوسائل الإعلام" أن القوى الاتصالية هي التي ترسمُ اهتمامات العامة؛ فحين تضع الوسائل الإعلامية "الترشيد" على رأس أولوياتها، فإنها توجه وعي الأمة نحو البناء الحضاري بدلاً من الانشغال بالاستهلاك المفرط، فتحويل الترشيد إلى أجندة وطنية يحمي المجتمع من الغرق في وحل الترف، واصفاً إياه بسبيل المترفين الذين يقودون المجتمعات نحو الهلاك: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [ سورة الإسراء: الآية ١٦]
إن ثقافة الترشيد هي الترياق الذي يسبق النهوض الاجتماعي، فهي تبني الروح المعنوية للأمة من خلال تعزيز الرقابة الذاتية قبل أن تنمي مقدراتها المادية.
وقد تظافرت حقائق علم الاجتماع مع أنوار الوحي لتؤكد أن نهضة المجتمعات تبدأ من استعادة هيبة شكر النعمة وإرساء ثقافة التدبير، ليبقى المجتمع حصيناً في وجه التبديد، متصلاً بأنوار الحكمة التي هي عِماد الاستخلاف في الأرض.
تعد الممتلكات العامة من أهم مظاهر التقدم والازدهار في أي مجتمع.
الإسراف هو تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان.
الإسلام لم يترك مجالاً للإسراف أن ينتشر بين الناس.
تعد ظاهرة الإسراف في استهلاك المياه من المعضلات التي تواجه كثيرًا من المتجمعات.
الإسراف والتبذير لا يؤثران فقط على المال، بل يهددان سلامة الأسرة واستقرارها النفسي والاجتماعي.