هل تتحول عشر ذي الحجة إلى معراجٍ قلبي تشرق فيه أنوار الحق على مقامات العارفين؟
هكذا تبدو ملامح الزمن الشريف في الرؤية السلوكية؛ حيث نقتفي أثر السادة الأوائل لترقية النفس من رسوم العمل إلى حقائق الإحسان.
هل تتحول عشر ذي الحجة إلى معراجٍ قلبي تشرق فيه أنوار الحق على مقامات العارفين؟
هكذا تبدو ملامح الزمن الشريف في الرؤية السلوكية؛ حيث نقتفي أثر السادة الأوائل لترقية النفس من رسوم العمل إلى حقائق الإحسان.
إن الزمان في الرؤية السلوكية ظرف للتجلي وميدان تشرق فيه أنوار الحق على قلوب العباد، وفي خير أيام الدنيا (العشر من ذي الحجة) تزدلف الأرواح إلى بارئها؛ طمعًا في نيل نفحاتٍ خُصَّت بها هذه الأيام، فالعيش الحقيقي في هذه العشر عند علماء التصوف هو هجرة قلبية تترقى فيها النفس من مقام الإسلام إلى الإحسان؛ حيث يُعد الاجتهاد فيها معراجًا للأرواح المتشوفة للقرب الإلهي، وفي هذا المقال نقتفي أثر ساداتنا العارفين، لنستلهم من إشاراتهم كيف نُحيي هذه العشر بروحانية تجمع بين الشريعة والحقيقة، وتحمل رؤية صوفية نستطيف من خلالها اغتنام هذا الزمن الشريف.
يقوم منهج سيد الطائفة الإمام الجنيد (ت ٢٩٧هـ) في العبادة خلال الأوقات الفاضلة على أن الله مقصود الكل، فالعيش في العشر عند الجنيد يقتضي "جمع الهمّ" بمعنى استغراق القلب في مطالعة الجناب الأقدس وإعراضه عن تشتت الشواغل، ويضع الجنيد ضابطًا لصدق التوجه في هذه المواسم بقوله (طريق الحق مسدود على الخلق إلا على المقتفين آثار رسول الله ﷺ)، ومن وحي طريقته يتجلى استثمار العشر في ترك الفضول لتتفرغ الروح لمشاهدة المنة الإلهية، فالعبرة عنده بمقدار حضور القلب مع الله وخروج العبد من ضيق حظوظ نفسه إلى سعة حقوق ربه.
في مدرسة الحكم العطائية، يُعلّمنا تاج الدين ابن عطاء الله (ت ٧٠٩هـ) أن الأيام الفاضلة هي مواسم لسكون الصخب النفسي وفتح آفاق التأمل، ويضع الحكمة الذهبية لانتفاع القلب بهذه العشر بقوله (ما نفع القلبَ شيءٌ مثلُ عُزلةٍ يَدخُلُ بها مَيدانَ فِكْرَةٍ)، والعيش في العشر مع ابن عطاء الله يتحقق بجعل هذه الأيام خلوةً عن شواغل الدنيا وميدانًا للتفكر في آلاء الله وعظمة شريعته؛ لذلك فأدب الطلب عنده هو الغاية، والتوفيق للعمل هو محض فضل، وثمرة القبول تكون بالانكسار على عتبة الربوبية برؤية التقصير وملازمة العجز، مما يجعل الاجتهاد رحيلاً عن عيوب النفس، وتجديدًا للعبودية المحضة.
يضع لنا "محتسب العلماء" الإمام أحمد زروق الفاسي (ت ٨٩٩هـ) دستورًا جامعًا للسلوك في مواسم الفضل؛ حيث يؤصل ميزانًا دقيقًا بقوله: "الطريق مبنيٌّ على ثلاثة أصول: لزومُ الأدب، وصحّةُ القصد، وصدقُ العمل"؛ فبالأدب تُحفَظ الأعمال، وبصحّة القصد تُزكّى الأحوال، وبصدق العمل يحصل القبول، والعيش في العشر الأوائب من ذي الحجة عند زروق وفق هذا النص يقتضي مراعاة أدب الوقت بمتابعة السنة، وصحة القصد بأن يكون التوجه فيها لله وحده دون حظ من حظوظ النفس، وصدق العمل باستفراغ المجهود، فمن جمع هذه الأصول في عشر ذي الحجة، فقد أقام عبادته على أركانٍ متينة تضمن له صيانة عمله من الرياء، وتزكية حاله بالأنوار، وبلوغ مقام القبول عند الكريم الغفار.
يرسم لنا شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي (ت ٤٨١هـ) في كتابه (منازل السائرين) خارطة طريق للترقي الروحي، ويجعل من العزم ركيزة أساسية لاستنهاض الهمة في الأيام المباركة، ويُعرّف العزم نصًا بقوله (العزمُ هو تحقيقُ القصدِ طوعًا أو كَرهًا) والعيش في العشر عند الهروي يقتضي تحقيق القصد أي إلزام النفس بالسير إلى الله وإجبارها على الطاعة سواء وافقت هواها أو شقّت عليها، فالسالك في هذه العشر لا ينتظر نشاط النفس ليقوم بالعمل، بل يسوقها بعزمٍ صادق يستفرغ فيه وسعه، ليقطع بالتزام هذه العشر علائق الدنيا، ويحسم حال التردد في الإقبال على الله، وصولًا إلى صفاء المشاهدة.
تؤكد رحلتنا مع هؤلاء الأعلام أن خير أيام الدنيا مدرسةٌ لتجديد العهد مع الله، فبين إخلاص الجنيد، وحكمة ابن عطاء الله، وأصول زروق، وعزم الهروي، نجد منهجًا متكاملًا يبني الإنسان من الداخل، ليغدو العبد في هذه العشر ربانيًّا متصلًا بخالقه، نافعًا لخلقه، ومحققًا لمعنى العبودية في أسمى معانيها.
عشر ذي الحجة: أمهات العبادات في أعظم أيام الدنيا
موسم التجلي واستثمار الأنوار في فضائل عشر ذي الحجة
عشر ذي الحجة: نفحات قدسية في خير أيام الدنيا تعظيمًا