وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
ورد من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال: «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» [سنن الترمذي: ٧٥٧ واللفظ له، صحيح البخاري: ٩٦٩]، فهو يلي مرتبة الشهادة مباشرةً، إذًا هذا الحديث يلفت نظر العلماء بقوة إلى عظيم مقدار الشرف والفضل المدخر في هذه الأيام حتى ينص عليه الصلاة والسلام أنه ليس هناك عمل صالح أبدًا يعادل فضل هذه الأيام العشر.
فبدأ العلماء يُجرون استقراءً وتتبعا لكل ما ورد في هذه الليالي والأيام الكريمة من الآيات والأحاديث فوجدنا عدة أشياء عجيبة، منها أن الله أقسم بها كما في قوله ﷻ: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، كما أن الله تعالى أقسم بالمرسلات فقال: ﴿وَٱلۡمُرۡسَلَٰتِ عُرۡفࣰا﴾ [المرسلات: ١]، وأقسم بالنازعات فقال: ﴿وَٱلنَّٰزِعَٰتِ غَرۡقࣰا﴾ [النازعات: ١]، وأقسم بالذاريات، وأقسم بالعصر ﴿وَٱلۡعَصۡرِ* إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِی خُسۡرٍ﴾ [العصر: ١-٢]، أقسم بحياته ﷺ فقال ﷻ: ﴿لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِی سَكۡرَتِهِمۡ یَعۡمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، (لعمرك) كأن الله يقول للجناب النبوي المعظم وبحق حياتك عندي، كأن الله يقسم بحياته، ولذلك سيدنا عبد الله بن عباس يقول ما أقسم الله بحياة أحد قط إلا بحياة سيدنا محمد ﷺ، فالذي يقسم الله به هو شيء عظيم، ومن ذلك هذه الليالي العشر، فجمهور المفسرين على أنه الليالي العشر هي الليالي العشر الأوائل من ذي الحجة، إذًا فقد أقسم الله تعالى بها.
الأمر الثاني جاء في حديث آخر من حديث سيدنا جابر بن عبد الله عليه رضوان الله تعالى أنه عليه الصلاة والسلام سماها باسم آخر يشير إليه أنه عليه الصلاة والسلام قال: «أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ»، يعني: عَشْرَ ذِي الْحَجَّةِ، قِيلَ: وَلا مِثْلُهُنَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: «وَلا مِثْلُهُنَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ عُفِّرَ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ» [كشف الأستار عن زوائد البزار: ١١٢٨]، فالأمر هنا ليس فقط أن العمل الصالح فيها مفضل على بقية الأعمال فالأيام أيضا هي أفضل أيام الدنيا، ومن ملامح العظمة فيها أن فيها يوم عرفة، اليوم الممجد الخالد العظيم الشأن في الملأ الأعلى، والذي يتجلى الله فيه على أهل وقفة عرفات وتفيض المراحم والمغفرة وتتجلى ألوف وملايين من ملائكة الرحمن ويغفر الله لكل أهل موقف عرفات ولكل أهل موسم الحج، يعني يوم من أعظم أيام الله على الإطلاق يتجلى الله فيه برحمة غامرة وعظيمة على العباد جميعًا وخصوصًا من جاءوا إلى موسم الحج، ففيه يوم عرفة.
في هذه الأيام أيضا يوم النحر، اليوم الفاضل الذي قال الله تعالى فيه ﴿إِنَّاۤ أَعۡطَیۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ -* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ﴾ [الكوثر: ١-٢]، فيه يوم النحر الذي هو يوم عيد الأضحى لما اجتمعت فيه هذه الأعمال، وأيضًا تمارس فيه أعمال الحج هناك، وفيه الصدقات وفيه الأضحية وفيه يوم العيد والفرح للناس وفيه النسك وغيرها من الفضائل والطاعات، فجاء الحافظ ابن حجر في فتح الباري ووضح أن هذه الليالي العشر اجتمع فيها من الأعمال ما لم يجتمع في غيرها قط، فقال رحمه الله: "وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي امْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمَكَانِ اجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَجُّ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ" [فتح الباري لابن حجر (٢/ ٤٦٠ ط دار المعرفة)]، ففيها الحج وفيها الصيام وفيها الصدقة وفيها الزكاة وفيها النسك وفيها التكبير وفيها تعظيم الشعائر وفيها نحر الأضاحي وفيها الصدقة والتوسيع على الفقراء، فالحافظ ابن حجر التقط هذا الملمح العبقري أنه عندما نرى مقدار ما أودعه الله في هذه الأيام، نجد أنه لم يوجد له مثيل في غيرها.
تتجلى عظمة العشر الأوائل من ذي الحجة في عدة جوانب ذكرتها النصوص الشرعية، فقد فضّل النبي ﷺ العمل الصالح فيها على العمل في غيرها، وأقسم الله تعالى بها في سورة الفجر دلالةً على شرفها، كما صرحت الأحاديث النبوية بأنها أفضل أيام الدنيا، وتكتسب هذه الأهمية الاستثنائية من احتوائها على يوم عرفة الذي تتنزل فيه الرحمات وتُغفر فيه الذنوب، ويوم النحر الذي تُعظم فيه الشعائر، والسر الأكبر في تفضيل هذه الأيام هو اجتماع أمهات العبادات فيها كالصلاة والصيام والصدقة والحج، وهو ما لا يتأتى مجتمعًا في غيرها من أيام السنة.
فَهَا نَحْنُ نعِيشُ نَفَحَاتِ أَيَّامٍ مُبَارَكَاتٍ، أَهَلَّتْ عَلَيْنَا كَغَيْثٍ يَرْوِي الْقُلُوبَ الظَّامِئَةَ
الحجّ هو قصد بيت الله الحرام لأداء المناسك في وقت مخصوص بشرائط مخصوصة.
لماذا يشعر الإنسان براحة نفسية عميقة في العشر الأوائل من ذي الحجة؟