خطبة عيد الأضحى المبارك
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإن يوم عيد الأضحى المبارك، يومٌ عظيم، حديثه متشعب الأطراف، ففيه دروس وعبر، مواقف ومواعظ، أخلاق وسلوكيات، فتاوى وأحكام، وسوف نختصر لك أهم دروسه وفوائده لترى شرف هذا اليوم الذي هو من أعظم أيام الله تعالى.
يوم النحر من أفضل أيام الدنيا على الإطلاق
يشهد لذلك قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ وَهُوَ الَّذِى يَلِيهِ» [رواه أبو داود]، ويوم القَرّ هو اليوم الحادي عشر، وهو اليوم الذي يستقر فيه الحجاج بمنى بعد أداء المناسك، ويُسمى بيوم الحج الأكبر، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم وهو واقف بين الجمرات في حجة الوداع: «هذا يومُ الحجِّ الأكبرُ» [رواه البخاري]، وفيه يطوفون طواف الإفاضة بالبيت العتيق، ويسعون بين الصفا والمروة، فاجتماع هذه العبادات الجليلة في يوم واحد هو ما أعطاه هذه المكانة العظيمة، وجعله يوم الحج الأكبر، قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: «يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهُنَّ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» [رواه أبو داود والترمذي والنسائي].
من أسرار مناسك الحج
لقد أفاض حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي في بيان هذه الأسرار في «إحياء علوم الدين» وإليك خلاصتها، الإحرام: خلع الدنيا كما يُخلع الثوب، ودخول في حضرة الله، وهو يشبه لباس الكفن وفيه إشارة للزهد والموت عن الشهوات، والخروج من الوطن: يمثل الهجرة إلى الله، وترك ما يشغل عن لقائه، وتذكير بالرحيل من الدنيا والقدوم على الله، والطواف: دوران حول مركز التوحيد، على مثال طواف الملائكة حول العرش؛ فالقلب يجب أن يطوف مع الجسد، متذكّرًا عظمة الله، والسعي بين الصفا والمروة: تذكير بسعي السيدة هاجر في طلب الماء، وتمثيل للسعي بين الرجاء والخوف، وكذلك السعي بين كفتي الميزان يوم الحساب، وفيه كذلك درس على اليقين والثقة بالله رغم قسوة الابتلاء، والوقوف بعرفة: لُبُّ الحج، وهو يرمز إلى الوقوف بين يدي الله يوم القيامة، والدعاء فيه تجلٍّ لذل العبودية، ويُطلب فيه العتق من النار والتوبة النصوح، ورمي الجمرات: إشارة إلى رجم الشيطان ومحاربة وساوس النفس، وهو إعلان عداوة بينك وبين إبليس، والهَدْي/ الذبح: تمثيل للفداء، كما فدى الله سيدنا إسماعيل بذبح عظيم، وفيه درس على التضحية والخضوع الكامل لأمر الله، والحلق أو التقصير: رمز لتجديد الحياة والتطهر، كأن الحاج يولد من جديد بعد تطهيره.
منحة تولدت من محنة
يذكرنا عيد الأضحى بسبب مشروعيته وهو أن سيدنا إبراهيم الخليل أمره الله تعالى أن يذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام، أمره الله تعالى أن يذبح ولده الوحيد الذي بُشِّر به على الكِبَر، قال سبحانه وتعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} أي: العمل، وبلغ مبلغ التكليف، وصار محبوبًا لأبيه {قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى} فكان جواب الولد لا يقل عن تسليم الوالد {قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: ١٠٢]، وعَنْ سيدنا أَبِيّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ إِلَّا أَبْدَلَهُ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَلَا تَهَاوَنَ بِهِ عَبْدٌ، فَأَخَذَ مِنْ حَيْثُ لَا يَصْلُحُ إِلَّا أَتَاهُ اللَّهُ بِمَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِ" [الزهد والرقائق لابن المبارك].
إِلَهي فَجُدْ واصْفَحْ وَأَصْلِحْ قُلُوبَنَا ... فَأَنْتَ الذِي تُولِي الجَمَيلَ وَتُكْرِمُ
يوم الفرح والبهجة والتوسعة على النفس والأهل والناس كافة
لقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوسع على نفسه في العيدين والجمعة، ويخصهما بمزيد من الاهتمام، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما، قَالَ: «كَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُبَّةٌ يَلْبَسُهَا فِي الْعِيدَيْنِ، وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ» [رواه ابن خزيمة في صحيحه]، ولا يغفل حق أهله في الترويح عنهم، وإشباع حاجتهم النفسية من المباحات، فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: "جَاءَ حَبَشٌ يَزْفِنُونَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى مَنْكِبِهِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ، حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ" [رواه مسلم]، والتوسعة على الأهل تشمل الطعام والشراب وغيرها، فليس السعيد من يُسعد أهله وينسى جيرانه وأقاربه، بل عليه أن يتفقد القريبين منه ويساعدهم بما يقدر عليه من ألوان المعروف، وينظر الفقراء واليتامى، وليوسع عليهم كما وسع على أهله، قال سيدنا أبو سعيد الخدريّ رضي الله عنه: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ»، فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنْ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ" [صحيح مسلم]، وسئل سيدنا ابن عمر: ما حقّ المسلم على المسلم؟ قال: "ألّا يشبع ويجوع، وألّا يلبس ويعرى، وأن يواسيه ببيضائه وصفرائه".
املأ عيدك بألوان الطاعات
إن هذا اليوم من جملة الأيام الفاضلة، أيام العشر الأول من ذي الحجة، فلا تنشغل فيه باللذات عن الطاعات، وهو وما بعده من أيام التشريق مما يستحب فيه الإكثار من ذكر الله تعالى وطاعته، مع الانبساط والفرح والسرور، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا وإنَّ هذِهِ الأيامَ أيَّامُ أكلٍ وشُرْبٍ وذِكرٍ للهِ عزَ وجلَّ» [رواه أبو داود]، وفي الصحيحين: "أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم أمرَ الحُيَّضَ بالخروج يومَ العيد ليشهدن الخيرَ ودعوةَ المُسْلِمِينَ"، وقال سيدنا عليّ رضي الله عنه لما رأى زينة النبط (فلاحو الأرض) بالعراق يوم عيدهم: "ما هذا الذي أظهروه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، هذا يوم عيد لهم، فقال: كل يوم لا يُعصي اللهُ فيه فهو عيد لنا" [قوت القلوب]، وعَنْ سيدنا سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا لَقِيَ أَخَاهُ فَأَخَذَ بِيَدِهِ تَحَاتَّتْ عَنْهُمَا ذُنُوبُهُمَا، كَمَا يَتَحَاتُّ الْوَرَقُ الْيَابِسُ مِنَ الشَّجَرِ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ، وَإِلَّا غُفِرَ لَهُمَا وَإِنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُمَا مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» [رواه الطبراني بسند حسن].
من أحكام الأضحية
لقد شُرعت الأضحية طاعةً لله تعالى وشكرًا له سبحانه على نعمه التي لا تحصى، وكونها إحياءً لسنة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام حين أمره الله عز وجل بذبح الفداء عن ولده إسماعيل عليه السلام، وكونها وسيلةً للتوسعة على النفس وأهل البيت، وإكرامًا للجيران والأقارب والأصدقاء والتصدق على الفقراء، قال تعالى مخاطبًا رسوله الكريم: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: ٢]، وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: "ضَحَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ، وَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، وَسَمَّى وَكَبَّرَ" [رواه مسلم]، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِفَاطِمَةَ رضي الله عنها: «قَوْمِي إِلَى أُضْحِيَّتِكَ فَاشْهَدِيهَا فَإِنَّ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا يُغْفَرُ لَكِ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبُكَ» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ خَاصَّةً أَوْ لَنَا وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَالَ: «بَلْ لَنَا وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً» [رواه الحاكم]، وعَنْ سيدتنا عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا، وَأَنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا» [رواه الترمذي وحسنه، وابن ماجه].
وقد أمر الله تعالى بالأكل من الأضحية، والتصدق منها على جهة الإجمال فقال سبحانه: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: ٢٨]، ويستحب تقسيمها ثلاثة أجزاء: «للفقراء– للإهداء – للمضحي»؛ حيث صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ أُضْحِيَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: «وَيُطْعِمُ أَهْل بَيْتِهِ الثُّلُثَ، وَيُطْعِمُ فُقَرَاءَ جِيرَانِهِ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى السُّؤَال بِالثُّلُثِ»؛ وهذا التقسيم فيه تعميم التكافل بحيث لا يحرم أحد من الأكل منها.
ويجب على الـمُضحِّي الالتزام بالذبح في الأماكن المعدة لذلك، لما فيه من رعاية للمصلحة؛ فلا تترك مخلفات الذبح في الشوارع وتتسبب في إيذاء الناس ونشر الأوبئة والأمراض، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، وقال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الجُودَ، فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ» [رواه الترمذي]، وقال: «تَنَظَّفُوا بِكُلِّ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّ اللَّهَ بَنَى الإِسْلامَ عَلَى النَّظَافَةِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ إِلا كُلُّ نَظِيفٍ» [رواه الرافعي في "التدوين في أخبار قزوين"].
حفِظَ اللهُ مصرَ وأهلَهَا منْ كلِّ مكروهٍ وسوءٍ، وأدامَ عليها بِساطَ الأمنِ والسلامِ
اللهم ارزقنا حج بيتك الحرام، وزيارة سيد الأنام صلى الله عليه وسلم، واكتب لنا أجر الحاج هذا العام، وتقبل أعمالنا واقبلنا بفضلك يا كريم، وأنزل السكينة والطمأنينة على بيوتنا وأهلينا وبلادنا، واحفظنا بحفظك، واسترنا بسترك الجميل إنك جواد كريم.