Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الحب في ميزان التصوف الإسلامي.. إكسير الاستقرار الأسري وبناء الأسرة السعيدة

الحب في ميزان التصوف الإسلامي.. إكسير الاستقرار الأسري وبناء الأسرة السعيدة

يُعدّ الحب بين الزوجين أساس الاستقرار الأسري وركيزة بناء الأسرة المسلمة، وقد أولى علماء التصوف مقام المحبة عناية خاصة بوصفه مصدر السكينة والمودة والرحمة داخل البيوت، وفي هذا المقال نتعرف على رؤية الإمام الغزالي والقشيري وابن عطاء الله لدور الحب في تحقيق التماسك الأسري وصناعة السعادة الزوجية.

الحب ركيزة الاستقرار الأسري في الرؤية الصوفية

في رحاب السلوك الروحي، والتزكية الإيمانية، يُعد الإنسان البُنية الأساسية التي يدور حولها فلك التكليف وعمارة الكون، وعجز الإنسان عن النهوض بأعباء الخلافة في الأرض يزول عندما ينبت في تربة صالحة، ومحضن آمن يمدُّه بالقوة والسكينة، ومن هنا، يبرز الاستقرار الأسري كحاجة اجتماعية ضرورية، ومقام سلوكي يشيد شخصية الإنسان، ويزكي روحه.

وفي طليعة المقامات الروحية التي تؤسس لهذا الاستقرار، وتصهر النفوس في بوتقة البناء القويم، يأتي مقام "الحب" الذي يراه أهل الله والتربية المحرك الأساس، والمادة الجوهرية؛ لصياغة العلاقات الإنسانية،  فـ "الحب" بين الزوجين سرٌّ قدسي، ونهرٌ عذب يستمد مياهه من نبع المحبة الإلهية الأعظم، فيتحول عن طريق الرباط الروحي من مجرد جدران صامتة إلى محاريب للسكينة، ويحمي الأسرة من علل التنافر، والأنانية، والشقاق، ونحن إذ نقتفي أثر ساداتنا الأعلام نستلهم من نصوصهم وإشاراتهم كيف يكون مقام "الحب" ركيزة الاستقرار الأسري، ومنطلقًا لبناء الإنسان المتكامل

"الحب" جوهر العلاقة الزوجية (رؤية الإمام الغزالي (ت: ٥٠٥هـ)

يضع حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي يده على جوهر العلاقة الزوجية في كتابه "إحياء علوم الدين" (كتاب آداب النكاح)، مبيِّنًا أن التلاحم والود بين الزوجين ليس مجرد ترتيب دنيوي، بل هو تدبير إلهي ممتد من مقام المحبة واللطف الرباني بالعباد، يقول الإمام الغزالي موضحًا عظمة هذه الرابطة: (فإنَّ النكاحَ مُعِينٌ على الدِّين، ومُهينٌ للشياطين، وحِصنٌ دُونَ عدوِّ اللهِ حصين، وسببُ التلاحُمِ والتآلُفِ الذي جَعَلَ اللهُ عُقْدتَهُ بمحكمِ كِتابه، وأَظْهَرَ رَوابِطَهُ في سُنَّةِ نبيِّه). أ.هـ. [إحياء علوم الدين (٢/٢٣) ط: دار المعرفة – بيروت].

ويُظهر هذا النص بدقة أن أصل الود الساكن في البيوت هو "عقدة إلهية" ومكرمة ربانية تخلق التآلف في القلوب، وبناءً على هذا التأصيل يرى الإمام الغزالي أن المحبة المتبادلة هي الحصن الروحي الذي يحمي الإنسان من الغواية، ويمنحه الاستقرار النفسي، فحين يمتلئ قلب رب الأسرة بمحبة الله تعالى، تفيض تلك المحبة على أهل بيته رفقًا وحنانًا، فيتحول البيت إلى جنَّة معجَّلة يعلو فيها العطاء والتضحية، ويتحقق بمقام "الحب" سلامة السريرة من النزاعات الهدامة، ويقتلع جذر الجفاء، مستأنسًا بالهدي النبوي؛ فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» [رواه الترمذي في "سننه" رقم (٣٨٩٥) ط: مصطفى البابي الحلبي]، فيغدو حبه لأهله رعاية لوديعة الحق سبحانه.

مقام الحب وتماسك الأسرة عند الإمام القشيري (ت: ٤٦٥هـ)

وينقلنا إمام الطريقة أبو القاسم القشيري في كتابه الحافل "الرسالة القشيرية" إلى تحرير دقيق لمقام "المحبة" كاشفًا عن جوهرها السلوكي الذي يضمن استقرار البيوت، ويبني النفوس على الصبر والاحتمال؛ حيث يربط بين الحب الحقيقي وبين تآلف القلوب، وسقوط الكلفة بين أفراد الأسرة، ناقلًا عن الإمام الجُنَيْد البغدادي رضي الله عنه قوله في حد المحبة: (المحبة: دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المحب). أ.هـ. [الرسالة القشيرية (٢/ ٦١٣) ط: دار المعارف].

ومن هذا المنطلق التربوي يرى الإمام القشيري أن الحب إذا تغلغل في أركان الأسرة، تلاشت الأنانيات، وحلت الصفات النبيلة، فيرى الزوج صلاح نفسه في إسعاد زوجته، وترى الزوجة قرة عينها في سكون زوجها، ويتربى الأبناء على المروءة والوفاء،  فالإنسان يُصاغ بنور المحبة التي تورث العبد خروجًا من ضيق "الأنا" إلى سعة "النحن"، وحين يستقر هذا مقام في وجدان الأسرة، يثمر السكون عند توالي الأزمات المعيشية، وتضمحل الرغبة في الخصام، ويتحقق بصدق قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: ٢١].

سر الاستقرار الأسري عند سيدي ابن عطاء الله (ت: ٧٠٩هـ)

يكشف سيدي ابن عطاء الله  سر الاستقرار الأسري  وهو ما  بعرف بـ "دوام الحب بين الزوجين"، وإنه مشروط بقطع الموانع والعلل التي تكدر القلوب، وفي هذا المعنى يقرر حكمة بليغة ترشد إلى حفظ الوداد فيقول: (مَنْ وَجَدَ ثَمَرَةَ عَمَلِهِ عَاجِلاً فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ القَبُولِ آجِلاً). أ.هـ.[الحكم العطائية، الحكمة ١٤٨]، فالمعاملة الطيبة، والكلمة الحانية، والخدمة المتبادلة بين الزوجين هي ثمرات عاجلة؛ لغرس المحبة الصادقة، ووجود هذه الثمار الودية في البيت علامة واضحة على رضا الله تعالى وقبوله لهذه الأسرة.

الخلاصة

إن الاستقرار الأسري ثمرة طيبة من ثمار مقام "الحب الإلهي" الذي يفيض على القلوب سكينة ومودة، فحين يدرك الزوجان أن حبهما مستمد من مشكاة المحبة الربانية، تذوب بينهما الأنانية، ويحل التغافر بدلاً من الشقاق، ويصبح بيتهما واحة من الطمأنينة ومحضنًا تربويًا آمنًا، ولذلك جعل أئمة السلوك "الحب" أصل المقامات؛ لأنه يبني الإنسان بناءً متوازنًا من الداخل، ويجعل من الأسرة حصنًا يترعرع فيه الفرد على العطاء، والوفاء، والإخلاص، محقِّقًا لعمران الأرض بطاعة الله جل وعلا، والرحمة بخلقه.

موضوعات ذات صلة

الاستقرار الأسري يمنح الإنسان القوة لمواجهة تحديات الحياة

الزواج في الإسلام هو سنة نبوية كريمة تهدف إلى تحقيق السكينة والاستقرار النفسي والعاطفي

حسن الاختيار هو الركيزة الأولى لتحقيق السلام الأسري

الأسرةُ هي الدرعُ الحصين، وهي أهلُ الرجل وعشيرته

موضوعات مختارة