Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مختصر زاد الأئمة (٥٨): أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان

مختصر زاد الأئمة (٥٨): أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان

الخطبة الأولى

أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

فإن الأسرة المستقرة تُنشئ إنسانًا متوازنًا في عواطفه وسلوكه، واثقًا بنفسه، قادرًا على تحمل المسئولية، مستقيمًا في أخلاقه، حيث ربط القرآن الكريم بين الحياة الزوجية السليمة وبين السكن النفسي والطمأنينة؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ [النَّحْل: ٨٠]؛ فالبيت في القرآن يعبر عن السكينة النفسية والاستقرار الإنساني فضلًا عن الراحة البدنية، يقول العلامة الطاهر ابن عاشور: "جَعَلَ فِي ذَلِكَ التَّزَاوُجِ أُنْسًا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ تَزَاوُجًا عَنِيفًا أَوْ مُهْلِكًا، وجَعَلَ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ مَوَدَّةً وَمُحَبَّةً فَالزَّوْجَانِ يَكُونَانِ مِنْ قبل التزاوج مُتَجَاهِلَيْنِ فَيُصْبِحَانِ بعد التزاوج مُتَحَابَّيْنِ، وجَعَلَ بَيْنَهُمَا رَحْمَةً فَهُمَا قَبْلَ التِّزَاوُجِ لَا عَاطِفَةَ بَينهمَا فيصبحان بعد التزاوج متحابين، وجعل بَينهمَا رَحْمَة فهما قبل التزاوج لَا عاطفة بَيْنَهُمَا فَيُصْبِحَانِ بَعْدَهُ مُتَرَاحِمَيْنِ كَرَحْمَةِ الْأُبُوَّةِ وَالْأُمُومَةِ" [التحرير والتنوير]، ، ولهذا كانت العناية باستقرار الأسرة من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية؛ لأنها الطريق إلى بناء الفرد الصالح والمجتمع المتماسك والأمة القوية.

  • الأسرة المستقرة.. أساس البناء الإيماني والإنساني

لقد جعل الإسلام مسئولية التربية الإيمانية أمانةً عظيمة في أعناق الآباء والأمهات، قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ قُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِیكُمۡ نَارࣰا﴾ [التحريم: ٦]، قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "علِّموهم وأدِّبوهم" [جامع البيان]؛ فالطفل الذي ينشأ في بيت تُتلى فيه آيات القرآن، وتُقام فيه الصلاة، وتُذكر فيه أسماء الله تعالى، ويتعامل أهله فيما بينهم بالرحمة والصدق والأمانة، يتشرب هذه المعاني دون تكلف؛ فتغدو جزءًا من تكوينه النفسي والسلوكي، ولهذا قال النبي ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه]، وقد كان لقمان الحكيم يبدأ وصاياه لابنه بتقرير أصل التوحيد قبل أي شيء آخر؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ یَعِظُهُۥ یَٰبُنَیَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِیمࣱ﴾ [لقمان: ١٣]؛ فالعقيدة هي الأساس الذي تُبنى عليه الأخلاق والسلوك وسائر الأعمال، وقال النبي : «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ ...» [رواه أبو داود].

  • الرجال قوامون على النساء

من الأمور التي أُسيء فَهمُها لدي كثير من الرجال "القوامة" حسبما نص قوله تعالى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَاۤءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲ وَبِمَاۤ أَنفَقُوا۟ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتࣱ لِّلۡغَیۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ﴾ [النساء: ٣٤]، قال العلامة الطاهر بن عاشور: "وقيام الرجال على النساء هو قيام الحفظ والدفاع، وقيام الاكتساب والإنتاج المالي" [التحرير والتنوير]، وقال الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي: "الرجال يقومون على شئون النساء بالحفظ والرعاية والنفقة والتأديب، وغير ذلك مما تقتضيه مصلحتهن" [التفسير الوسيط]، وقـال العلامـة البوطـي رحمه الله مـا خلاصتـه: "القوامـة علـى الأسـرة في نظام الإسلام وشـرعه، قوامة رعايـة وإدارة وليسـت قوامـة هيمنـة وتسـلّط.. " [المـرأة بين طغيـان النظـام الغربي ولطائـف التشـريع الرباني].

  • تحديات تهدد استقرار الأسرة

لقد وجَّه القرآن الكريم إلى أن مواجهة الشدائد لا تكون بالخصام والتنازع، وإنما بالصبر والرحمة وحسن العشرة؛ فقال سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، والمعروف كلمة جامعة لكل خلق كريم من رحمةٍ ولينٍ وصبرٍ وإحسان.

ومن أبرز التحديات المعاصرة:

١- ما أفرزته وسائل التواصل من مقارناتٍ مستمرة بين الناس: حيث تُعرض الحياة في صورٍ منتقاة تخفي المتاعب وتُظهر الزينة؛ فيتوهم المرء أن السعادة مقصورة على ما يراه عند الآخرين؛ فتضعف في قلبه مشاعر الرضا، ويرتفع سقف توقعاته من الحياة وشريكها وأسرته، قال رسول اله ﷺ: «انْظُرُوا إلى من هو أسْفلَ مِنْكُمْ، ولا تَنظُروا إلى من فَوْقَكُمْ، فإنَّهُ أجْدرُ أنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمةَ اللهِ عليكُم» [رواه الترمذي]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَیۡنَیۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦۤ أَزۡوَٰجࣰا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا﴾ [طه: ١٣١]، وأوصى النبي أبا هريرة رضي الله عنه قائلًا: «وارْضَ بِما قَسمَ اللهُ لكَ تكُنْ أغْنى النَّاسِ» [رواه الترمذي].

٢- التهاون في حفظ أسرار الحياة الزوجية: حتى أصبح بعض الناس يُخرجون ما ينبغي أن يبقى مستورًا إلى دائرة النشر والحديث والتداول، ومتى فُقدت الثقة بين الزوجين، وتبددت الخصوصية التي تقوم عليها العلاقة الزوجية، تصدعت أركان المودة واهتز بنيان الأسرة، قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» [رواه مسلم]، وفي رواية أخرى: «إِنَّ أَعْظَمَ الْأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» [رواه أبو داود]؛ فتظل الأسرة كما أرادها الله تعالى موطنًا للسكن، ومصدرًا للأمن، وحصنًا يحفظ الأفراد والمجتمعات من أسباب الاضطراب والتفكك.

  • عوامل استقرار الأسرة

١- حسن اختيار الزوجين: دعا الإسلام إلى حسن اختيار الزوجين، وجعل معيار ذلك قائمًا على الدين والخُلُق وصلاح الظاهر والباطن، مع التأكيد على دور الولي في اختيار الأصلح والأنسب، قال ﷺ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ» [متفق عليه]، وقال : «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ» [رواه الترمذي]، مع الأخذ في الاعتبار بأن الكفاءة في الزواج معتبرة عند الفقهاء، من الناحية المادية والعلمية والاجتماعية؛ لأن هذا أبقى لاستمرار الحياة الأسرية، قال الموصلي الحنفي: "والكفاءة تعتبر في النكاح في النسب، وفي الدين والتقوى، وفي الصنائع، وفي الحرية، وفي المال، وإذا تزوجت غير كفء فللولي أن يفرق بينهما" [الاختيار لتعليل المختار].

٢- التقارب بين الشريكين من أهم معايير الاختيار الصحيح: إن التقارب الفكري والثقافي والبيئي من أهم الأسس التي ينبغي مراعاتها عند اختيار شريك الحياة، لما له من أثر كبير في تحقيق الاستقرار والسعادة الزوجية؛ فعندما يتقارب الزوجان في طريقة التفكير والقيم والمبادئ والعادات الاجتماعية، يصبح التفاهم بينهما أكثر سهولة، وتقلّ الخلافات الناتجة عن اختلاف وجهات النظر أو أنماط الحياة، كما أن التقارب في البيئة الاجتماعية والثقافية يساعد على بناء لغة مشتركة في التعامل مع مختلف المواقف والتحديات، ويُسهم في تربية الأبناء ضمن رؤية متقاربة.

٣- الشعور بالمسئولية:  عن عبد الله بن عمر، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: «وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه]، وكان السلف الصالح يدركون هذا المعنى؛ فكان عبد الله بن عمر يقول: "أدِّب ‌ابنَك؛ ‌فإنَّك ‌مسئولٌ ‌عنه، ‌ماذا ‌أدَّبتَهُ؟ ‌وماذا ‌علَّمتَه؟ وهو مسؤولٌ عن بِرِّكَ وطَوَاعِيَتهِ لكَ" [رواه للبيهقي]؛ فقد سمعوا النبي يقول: «أَكْرِمُوا أَوْلَادَكُمْ ‌وَأَحْسِنُوا ‌أَدَبَهُمْ» [رواه ابن ماجه]، وقال ابنُ المسيِّبِ لابنِهِ: "يا بني، ‌إني ‌لأزيدُ ‌في ‌صلاتِي من أجلِكَ، رجاءَ أن أُحفَظَ فيكَ، وتلا هذه الآية: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحࣰا﴾ [الكهف: ٨٢] [تفسير ابن رجب].

٤-  غرس القيم الدينية في نفوس الأبناء: إنَّ من أجلِّ الرسائل التي تضطلع بها الأسرة، وأعظم الأمانات التي حمَّلها الله للآباء والأمهات، أن تُنشئ أبناءها على الإيمان والتقوى، وأن تغرس في قلوبهم معاني العبودية لله تعالى؛ فتربطهم بخالقهم منذ نعومة أظفارهم، وتُحبِّب إليهم الصلاة والقرآن، وتُعوِّدهم الصدق والأمانة والعفة وبرَّ الوالدين والإحسان إلى الناس؛ فالأبناء صفحة بيضاء، وما يُغرس فيها في الصغر يثمر صلاحًا واستقامةً في الكبر، ولذلك وجَّه القرآن الكريم إلى رعاية الأبناء دينيًّا وتربويًّا فقال سبحانه عن وصية لقمان لابنه: ﴿یَٰبُنَیَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِیمࣱ﴾ [لقمان: ١٣] ﴿یَٰبُنَیَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ﴾ [لقمان: ١٧].

٥-  العشرة بالمعروف: يقول الإمام الأكبر محمد سيد طنطاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [النساء: ١٩]، وقال الحافظ ابن كثير: "وقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ أي: طيّبوا أقوالكم لهن، وحسّنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها؛ فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] وقال رسول الله ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُم لأهْلي»، وكان من أخلاقه ﷺ: أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك ، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾" [الأحزاب: ٢١] [تفسير القرآن العظيم]، وعَنْ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ التَّمِيمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «إِنَّ الرَّجُلَ ‌إِذَا ‌سَقَى ‌امْرَأَتَهُ الْمَاءَ أُجِرَ» قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَسَقَيْتُهَا مِنَ الْمَاءِ، وَأَخْبَرْتُهَا بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ" [رواه ابن أبي شيبة]، وعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا سُئِلَتْ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَلَا فِي بَيْتِهِ؛ فقَالَتْ: "كَانَ ‌أَلْينَ ‌النَّاسِ وَأَكْرَمَ النَّاسِ، كَانَ رَجُلًا مِنْ رِجَالِكُمْ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ ضَحَّاكًا بَسَّامًا" [رواه إسحاق بن راهوية]، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عز وجل بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا ‌أَدْخَلَ ‌عَلَيْهِمُ ‌الرِّفْقُ» [رواه أحمد].

٦-  التغافل والتغافر: عن مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الخُزَاعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثمانَ بْنَ زَائِدَةَ، يَقُولُ: "الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي ‌التَّغَافُلِ"، قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ؛ فقَالَ: "الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ كُلُّهَا فِي ‌التَّغَافُلِ" [رواه البيهقي]، وكان عمر بن عبد العزيز إذا دخل بيته ترك هموم الحكم، وأقبل على أهله بوجهٍ طلق وكلمة طيبة [سيرة عمر بن العزيز لابن عبد الحكم]، قال تعالى: ﴿وَأَن تَعۡفُوۤا۟ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلۡفَضۡلَ بَیۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧].

  • أثر استقرار الأسرة على الفرد والمجتمع

كلما سادت المودة والرحمة والتفاهم أرجاء الأسرة، انعكس ذلك خيرًا على أفرادها وعلى المجتمع بأسره، إذ إن استقرار الأسرة ليس مصلحةً خاصة بأفرادها فحسب، بل هو أساسٌ لاستقرار الأمة وقوتها.

١-  بناء الشخصية النفسية المتوازنة:  فال تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَایَٰتِهِۦۤ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجࣰا لِّتَسۡكُنُوۤا۟ إِلَیۡهَا وَجَعَلَ بَیۡنَكُم مَّوَدَّةࣰ وَرَحۡمَةًۚ﴾ [الروم: ٢١].

٢-  غرس القيم والأخلاق: قال النبي ﷺ: «مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدَهُ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ» [رواه أحمد].

٣-  بناء روح المسئولية والانضباط: فالأسرة الواعية لا تكتفي بتوفير الرعاية المادية، بل تُعوِّد أبناءها على الانضباط الذاتي ومحاسبة النفس، وتغرس فيهم قيمة الالتزام بالطاعة والعبادة، قال تعالى: ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَیۡهَاۖ﴾ [طه: ١٣٢].

٤-  التحصيل والنجاح العملي: فالبيت الهادئ المطمئن يوفر للأبناء بيئةً مناسبة للتعلم والتفكير والإبداع، ويمنحهم الدعم النفسي الذي يعينهم على الاجتهاد وتحقيق الإنجازات.

٥-  حماية الأبناء من الانحرافات: قال النبي ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» [رواه مسلم].

٦- بناء المجتمع وتماسكه: إن الاستقرار الأسري يَـحُدُّ من مظاهر الجريمة والعنف والتفكك الاجتماعي، ويعزز قيم التكافل والتراحم بين أفراد المجتمع.

۞۞۞

الخطبة الثانية

خطورة غياب التواصل بين الآباء والأبناء

إن التواصل الفعّال بين الآباء والأبناء هو حجر الأساس لبناء علاقات أسرية صحية ومستقرة، لكن في العصر الحديث، تعاني بعض الأسر من غياب التواصل أو على الأقل ضعف جودة التواصل بين أفرادها، مما يؤدي إلى مشكلات نفسية وسلوكية، ويفتح الباب أمام تأثيرات سلبية خارجية:

  • غياب التواصل بين الآباء والأبناء ... جدارٌ صامت يهدم الأسرة من الداخل

وقد ضرب القرآن أروع الأمثلة في التواصل الأسري؛ فجاءت قصص الأنبياء مليئةً بالحوار الهادئ والكلمة الحانية؛ فهذا لقمان الحكيم يخاطب ابنه بقوله: ﴿یَٰبُنَیَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ﴾ [لقمان: ١٣]، ويكرر هذا النداء المفعم بالمحبة والشفقة: ﴿یَٰبُنَیَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [لقمان: ١٧]، وذاك إبراهيم الخليل عليه السلام، وهو مأمور بأمرٍ عظيم، لا يغفل عن محاورة ابنه واستشارته؛ فيقول: ﴿یَٰبُنَیَّ إِنِّیۤ أَرَىٰ فِی ٱلۡمَنَامِ أَنِّیۤ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ﴾ [الصافات: ١٠٢]، إنها مدرسة القرآن في بناء الأجيال؛ مدرسة الحوار لا الإهمال، والقرب لا الجفاء.

  • آثار الغياب.. حين يبحث الأبناء عن آذانٍ أخرى تسمعهم

لقد حمَّل الإسلام الوالدين مسئولية الرعاية والتوجيه؛ فقال سبحانه: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ قُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِیكُمۡ نَارࣰا﴾ [التحريم: ٦]، وقال النبي ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، ومن أعظم الرعاية أن يعرف الأب أحوال أبنائه، وأن تدرك الأم ما يدور في نفوس أولادها، وأن يكون البيت ملاذًا آمنًا يجد فيه الأبناء الفهم قبل اللوم، والنصح قبل العقاب.

  • جسور التواصل... طريق العودة إلى دفء الأسرة

إن النبي ﷺ، مع عظم مسئولياته، كان يخاطب الصغار ويجالسهم ويعلمهم؛ فيقول لابن عباس رضي الله عنهما: «يَا غُلَامُ إنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ...»، وعن كُليب بن منفعة، عن جده، أنه أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، من أبَرُّ؟ قال: «أُمَّكَ، وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ، وَأَخَاكَ، وَمَوْلَاكَ الَّذِي يَلِي ذَلِكَ، حَقًّا وَاجِبًا، وَرَحِمًا مَوْصُولَةً» [رواه أبو داود]، فما أحوج الآباء إلى هذا الهدي النبوي الكريم؛ أن يتحول البيت من مكانٍ للسكن فقط إلى مدرسةٍ للمحبة والحوار والتربية، وأن يجعلوا بينهم وبين أبنائهم جسورًا من الثقة؛ فإن الكلمة الطيبة تبني ما لا تبنيه الأموال، والإنصات الصادق يصلح ما قد تعجز عنه العقوبات.

  • لا تقطعوا الصلة حتى وإن أساء أحدكما إلى الآخر

قد يسيء الأب إلى ولده بصور كثيرة، وقد يسيء الولد إلى أبيه كذلك، ولكن لا يمنع ذلك الولد من بره بوالديه؛ فقد أمر الله تعالى بمصاحبتهما حتى مع الشرك فقال تعالى: ﴿وَصَاحِبۡهُمَا فِی ٱلدُّنۡیَا مَعۡرُوفࣰاۖ﴾ [لقمان: ١٥]، وَقَالَتْ السيدة أَسْمَاءُ رضي الله عنها: قَدِمَتْ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَبِيهَا فاَسْتَفْتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهاَ؟ قَالَ: «نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ» [متفق عليه]، وعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنهم، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّكَ ثُمَّ أُمَّكَ ثُمَّ أُمَّكَ ثُمَّ أَبَاكَ ثُمَّ الْأَقْرَبَ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ].

اللهم أصلح أحوالنا، واهد شبابنا، واجمع قلوبنا على الحق، واصرف عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن
اللهم طهّر قلوبنا من الكبر والرياء، واملأها رضا ويقينًا، واجعلنا من عبادك الشاكرين القانعين
اللهم احفظ مصر وأهلَهَا منْ كلِّ مكروهٍ وسوءٍ، وأدامَ عليها بِساطَ الأمنِ والسلامِ آمين

موضوعات ذات صلة

التواصل الفعال بين الزوجين ضرورة أساسية لبناء علاقة زوجية ناجحة ومستدامة.

غياب هذا التواصل يعد فجوة عاطفية تهدد استقرار القيم.

المودة والرحمة والسكن بين الزوجين هي الأسس التي تبني أجيالاً سوية، وتحول المنزل إلى واحة من السكينة

في عالم تتعدد فيه التحديات وتتشابك فيه العلاقات تبقى الأسرة الملاذ الأول للإنسان، ومصدر طمأنينته وسكينته

حسن الاختيار هو الركيزة الأولى لتحقيق السلام الأسري

موضوعات مختارة