Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مقام التوكل على الله من أنوار رحلة الهجرة ... نفحة صوفية

مقام التوكل على الله من أنوار رحلة الهجرة ... نفحة صوفية

يتجلى مقام التوكل على الله تعالى كأعظم نفحة يقتبسها أهل الله في مسيرهم، حيث تهاجر ضمائرهم عن الاعتماد على الخلائق وتفوض أمورها بالكلية إلى الحق سبحانه في تفاصيل الحركة والسعي، ويستمد هؤلاء السالكون روح توكلهم من عبق الهجرة النبوية الشريفة، تلك الرحلة التاريخية التي كانت مدرسة عليا تجسد فيها التوكل على الله بمفهومه الأسمى حين تلاشت الأسباب المادية في الغار، وصار التجرُّد والاعتماد على الله وحده هو الحصن والملجأ في قلب الحركة والبناء، ويتكامل هذا المعنى الشريف في وجدان السائر إلى ربه عبر مسلكين: مسلك يذوق غوامض هذا التوكل ويتحمل مشقته العملية اقتداءً بنفحات الهجرة كما صاغه حجة الإسلام الغزالي، ومسلك يسقط التدبير مع الخلق؛ ليعانق أنس التفويض والرضا بمجاري الأقدار كما أبدعه ابن عطاء الله السكندري في حكمه.

التوكل على الله معالي درجات المقربين عند سيدي ابن عطاء الله السكندري

يبرز التوكل على الله كأحد أسرار الهجرة النبوية ونفحاتها العظمى، وقد تجلَّى في الغار حين انقطعت التدابير البشرية، فتنزل السكون بكلمة المعية ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ﴾؛ ليكون التوكل هنا عملًا قلبيًا شاقًّا تجاوز حدود الأسباب المادية مع القيام بها، وفي هذا السياق، يصف الإمام الغزالي في كتابه الإحياء جلال هذا المقام وصعوبة التحقق به، مبينًا أنه علم وغوص ومجاهدة، حيث يقول: "فإن التوكل منزل من منازل الدين، ومقام من مقامات الموقنين، بل هو من معالي درجات المقربين، وهو في نفسه غامض من حيث العلم، ثم هو شاقٌّ من حيث العمل بوجه من الوجوه" [إحياء علوم الدين ٤/ ٢٤٣ ط دار المعرفة].

ويتحرك السالك مستلهِمًا هذا النص في خضم حياته وسيره، مدركًا أن هجرته الحقيقية هي انتقال قلبي مستمر يطلب فيه نفحات التوكل، ويتحمل مشقة الانخلاع من حوله وقوته؛ ليذوق حقيقة الاعتماد على الله، متأسيًا بنبي الهدى وصاحبه اللذين ضربا في الغار أروع الأمثلة في تحمل مشقة التوكل والتجرُّد وسط السير والحركة، فتحولت تلك اللحظات الحرجة بنفحة التوكل إلى مصدر لانتشار نور الإسلام وتأسيس دولته.

إسقاط التدبير وعناق الأنس عند ابن عطاء الله السكندري

وعلى وادٍ يفيض بنفحات التوكل الهجرية، تُشرق حِكَمُ ابنِ عطاءِ اللهِ السكندري؛ لترسم طريق التخلي عن منازعة الأقدار، فصاحب هذا المقام يهاجر بأمله من الخلق إلى الخالق، مقتديًا بأهل الهجرة الذين تركوا ديارهم وأموالهم مسقطين كل تدبير بشري أمام اختيار الحق ونصرته، ومن هنا يوجه ابن عطاء الله العبد ليريح قلبه من كدر الاختيار مع الله ويقبل على واحة التفويض، حيث يقول بيانه العذب:

"أَرِحْ نفسَك من التدبير، فما قام به غيرُك عنك لا تقم به أنت لنفسك" [الحكم العطائية، الحكمة الرابعة].

ويمد يده ببلسم الأنس؛ ليواسي السالك الذي قد توحشه الغربة بين الخلق في طريقه إلى الله، فيربط هذه الوحشة الظاهرة بأنس الفتح، تماثلًا مع تحول وحشة الغار وظلمته في رحلة الهجرة إلى أنس دائم بمعية الله ورعايته، فيقول في حكمته:

"متى أَوْحشَك من خلقه، فاعلمْ أنه يريد أن يفتح لك بابَ الأُنسِ به" [الحكم العطائية، الحكمة الثالثة والتسعون].

ويشهد السالك في إسقاطه لتدبير نفسه هجرة روحية تماثل في نفحاتها هجرة النور الأولى، حيث يثمر التوكل طمأنينةً تقلب ضيق الظروف فضاءً رحبًا يتنزل فيه الأنس الإلهي وتتحطم عنده تدابير الخلائق أجمعين.

الخلاصة

وأخيرًا: نخلص من هذا الطواف الإخباري والسلوكي إلى أن مقام التوكل عند أهل الله هو ثمرة اقتباسهم لنفحات الهجرة النبوية المباركة، حيث تحول التوكل لديهم إلى حضور كامل مع الخالق في كل حركة وسكون، وتلاحم في هذا المقال عبق البيان بين فك غوامض التوكل وتحمل مشقته العملية بنص حجة الإسلام الغزالي في إحيائه، وعذوبة التفويض وإسقاط التدبير عند ابن عطاء الله في حكمه، ليشكل المفهومان معًا شراعًا يبحر بالسالك في حياته، ويعيش المؤمن الحقيقي نفحة الهجرة في باطنه، فيهاجر بقلبه من ضيق الاعتماد على الأسباب إلى سعة الأنس بمسببها، محولًا حياته بروح التوكل إلى محراب سكينة يشع منه نور الشهود والاستقامة في السير إلى رب العالمين.

موضوعات ذات صلة

الهجرة النبوية جسدت التوكل الحق على الله تعالى.

في رحاب قلائد الزبرجد في شرح حكم الإمام الرفاعي تتجلّى أسرارُ التوكّل.

هل يغني التوكل عن السعي، أم أن العمل بالأسباب ينقص من كمال اليقين؟

التوكل: الاعتماد على الله مع بذل الجهد واتخاذ الأسباب، والتواكل: الاتكال على الله بدون عمل.

تجلَّت في الهجرة معاني التضحية والصبر والأخذ بالأسباب. 

موضوعات مختارة