الخطبة الأولى
فقه الهجرة إلى الله تعالى
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإن الهجرة النبوية مدرسة متجددة، ومنهج حياة، ومشروع بناء للأفراد والأمم، فما كانت الهجرة مجرد انتقالٍ جغرافيٍّ من مكة إلى المدينة فحسب، بل كانت انتقالًا من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين، ومن ضيق الاضطهاد إلى سعة الدعوة.
مفهوم الهجرة في الإسلام
لقد بيَّن شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر رحمه الله أن الهجرة في الأصل تعني الترك والانتقال، وفي الشرع: ترك ما نهى الله عنه، وقد وقعت في الإسلام على صورتين: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن؛ كهجرة الصحابة إلى الحبشة ثم إلى المدينة، والانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان بالهجرة إلى النبي ﷺ في المدينة، واستمر هذا المعنى العام للهجرة بعد فتح مكة، وإن انتهى اختصاصها بالانتقال إلى المدينة [فتح الباري]، وقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: سُئل رسول الله ﷺ عن الهجرة فقال: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» [رواه مسلم].
الهجرة الباقية
رغم انقطاع الهجرة إلى المدينة بفتح مكة، فإن الهجرة الحقيقية باقية لا تنقطع؛ فهي هجرة القلوب إلى الله تعالى، بالانتقال من الذنوب إلى التوبة، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الهوى إلى الاستقامة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠]، قال الطبري: "فاهْربُوا أيُّها الناسُ من عقابِ اللَّهِ إلى رحمتِه بالإيمانِ به، واتِّباعِ أمْرِه، والعملِ بطاعتِه" [جامع البيان]، ومن هنا يتبين أن الهجرة هي انتقال من حال إلى حال، ولهذا وسَّع النبي ﷺ مفهومها لتشمل هجرة المعاصي والآثام، فقال: «وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» [رواه البخاري].
الهجرة النبوية نقطة فارقة في تاريخ الإنسانية
بعد ثلاثة عشر عامًا من الدعوة في مكة، تحمل خلالها النبي ﷺ وأصحابه ألوان الأذى والاضطهاد، أذن الله تعالى بالهجرة إلى المدينة، فكانت انتقالًا مدروسًا نحو مرحلة جديدة من تبليغ الرسالة، وقد حفظت لنا كتب السيرة مشاهد خالدة من هذا الحدث العظيم؛ فمنها: خروج النبي ﷺ مع صاحبه أبي بكر رضي الله عنه، واختباؤهما في غار ثور، حتى وصل المشركون إلى باب الغار، عندها قال أبو بكر رضي الله عنه: "لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا"، فقال النبي ﷺ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» [متفق عليه].
الهجرة وبناء العقيدة والإيمان
لقد علمتنا الهجرة أن المؤمن قد تضيق به الأسباب، ولكن لا تضيق به رحمة الله، وعلمتنا أن النصر يبدأ من الثبات على المبدأ، لا من كثرة العدد والعدة، قال تعالى: ﴿وَمَن یَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥۤۚ﴾ [الطلاق: ٣]، وعلمتنا الحفاظ على الأوطان: قال العلامة الدكتور البوطي: "لقد كانت -أي الهجرة- بحسب الظاهر تركًا للوطن وتضييعًا له، ولكنها كانت في واقع الأمر حفاظًا عليه وضمانة له، ورُبَّ مظهرٍ من مظاهر الحفاظ على الشيء يبدو في صورة الترك له والإعراض عنه، فقد عاد بعد بضع سنوات من هجرته هذه- بفضل الدين الذي أقام صرحه ودولته- إلى وطنه الذي أُخرِج منه، عزيزَ الجانب منيع القوة، دون أن يستطيع أحد من أولئك الذين تربصوا به ولاحقوه بقصد القتل أن يدنوَ إليه بأي سوء" [فقه السيرة].
الهجرة وبناء المجتمع المتماسك
من أعظم ثمار الهجرة أنها أسست مجتمعًا جديدًا قائمًا على الإيمان والأخوة، فقد آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، "آخى بينهم على الحق والمواساة، وعلى أن يتوارثوا بينهم بعد الممات، بحيث يكون أثر الأخوة الإسلامية في ذلك أقوى من أثر قرابة الرحم، فجعل جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أخوين، وجعل حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة أخوين، وجعل أبا بكر الصديق رضي الله عنه وخارجة بن زهير أخوين، وعمر بن الخطاب وعِتْبان بن مالك أخوين" [فقه السيرة]، ومن هنا أثنى الله على المهاجرين والأنصار في قوله: ﴿لِلۡفُقَرَاۤءِ ٱلۡمُهَٰجِرِینَ ٱلَّذِینَ أُخۡرِجُوا۟ مِن دِیَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ یَبۡتَغُونَ فَضۡلࣰا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنࣰا وَیَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۤۚ أُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ٨ وَٱلَّذِینَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِیمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ یُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَیۡهِمۡ وَلَا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمۡ حَاجَةࣰ مِّمَّاۤ أُوتُوا۟ وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ وَمَن یُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [الحشر: ٨، ٩].
الهجرة في حياة الأنبياء والأولياء
إن منهج الأنبياء والصالحين إذا وجدوا من يعيقهم عن طريق الوصول إلى الله تعالى شرعوا في الأخذ بالأسباب وانتقلوا إلى بلاد الله تعالى الواسعة؛ قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ﴿فَآمَنَ لَهُۥ لُوطࣱۘ وَقَالَ إِنِّی مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّیۤۖ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّی ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّی سَیَهۡدِینِ﴾ [الصافات: ٩٩] قال الزمخشري: "أراد بذهابه إلى ربه: مهاجرته إلى حيث أمره بالمهاجرة إليه من أرض الشام" [الكشاف]، وقال ﷺ: «لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرأً مِنَ الأَنْصارِ، وَلَوْ أَنَّ النَاسَ أَخَذُوْا وادِياً وَشِعْباً، وَسَلَكَتِ الأَنْصارُ وادِيًا وَشِعْبًا، لَسَلَكْتُ وادِيَ الأَنْصارِ وَشِعْبَهُمْ» [رواه الشيخان]، ولقد هاجر سيدنا محمد ﷺ، وأمر أصحابه بالهجرة، وهاجر قبله أبوه إبراهيم عليه السلام، وقال: ﴿إِنِّی مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّیۤۖ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وقال: ﴿وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُوا۟ رَبِّی عَسَىٰۤ أَلَّاۤ أَكُونَ بِدُعَاۤءِ رَبِّی شَقِیࣰّا﴾ [مريم: ٤٨]، وهاجر معه ابن أخيه لوط عليهما السلام، وهاجر موسى عليه السلام من مصر إلى مَدْين، وهذه سنة الأنبياء والصالحين..." [حسن التنبه].
الهجرة إلى الله تعالى باقية إلى يوم القيامة
إن الهجرة إلى الله تعالى واجبة على الدوام، وعن الفضل بن موسى، قال: "كان الفضيل بن عياض شاطرًا يقطع الطريق... وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليًا يتلو ﴿أَلَمۡ یَأۡنِ لِلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]، فلما سمعها قال: بلى يا رب قد آن، فرجع فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها سابلة، فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نصبح، فإن فضيلًا على الطريق يقطع علينا، قال: ففكرت، وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين ههنا يخافوني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام" [سير أعلام النبلاء].
المهاجر عند الله تعالى من هجر ما نهى الله تعالى عنه
إن الهجرة الحقيقية هي حركة الروح من مستنقع الذنوب إلى آفاق الطاعات، ورحيل القلب من ضيق المعصية إلى سعة المغفرة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ ويَدِهِ، والمُهاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» [رواه البخاري]، وعن عمرو بن عَبسة، قال: جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الإسلامُ؟ قال: «أنْ تُسْلِمَ قلبَكَ للهِ، وأنْ يسلمَ المسلمونَ مِنْ لِسَانِكَ ويَدكَ»، قال: فأي الإسلام أفضلُ؟ قال: «الإيمان» قال: وما الإيمان؟ قال: «أنْ تُؤْمِنَ باللهِ، وملائكته، وكُتبهِ، ورُسلِه، والبعثِ بعدَ الموتِ»، قال فأيُّ الإيمانِ أفضلُ؟ قال: «الهِجْرَةُ»، قال: فما الهجرةُ؟ قال: «أن تَهجُر السُّوءَ»، قال: فأيُّ الهِجْرةِ أفضلُ؟ قال: «الجهاد» [رواه أحمد]، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ» [رواه النسائي]، وعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذُّنوبَ» [رواه ابن ماجه].
الصبر على العبادة عوض عن الهجرة
الهجرة إلى الله تعالى هي انتقال القلب من البعد إلى القرب، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الكسل إلى العمل، ومن الجهل إلى العلم؛ فهي ليست انتقالًا بالأبدان، بل تحولٌ في السلوك والإيمان يقود العبد إلى رضا الله تعالى، ﴿فَفِرُّوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّی لَكُم مِّنۡهُ نَذِیرࣱ مُّبِینࣱ﴾ [الذاريات: ٥٠]، وعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْعِبَادَةُ فِي الْفِتْنَةِ كَالْهِجْرَةِ إِلَيَّ» [رواه أحمد]، وعَنْ سيدنا مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» [رواه أبو داود]، وعن عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ، أَخِي بَنِي مَازِنِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الْمُتَمَسِّكُ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ لَهُ كَأَجْرِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ»، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَوَ منْهُمْ؟ قَالَ: «بَلْ مِنْكُمْ»، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَوَمِنْهُمْ؟ قَالَ: «لَا، بَلْ مِنْكُمْ» ثَلَاثُ مَرَّاتٍ أَوْ أَرْبَعًا" [رواه الطبراني].
من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: "مَا تَرَكَ عَبْدٌ شَيْئًا لَا يَتْرُكُهُ إِلَّا لِلَّهِ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ مِمَّا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَلَا تَهَاوَنَ عَبْدٌ أَوْ أَخَذَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَصْلُحُ لَهُ إِلَّا أَتَاهُ اللَّهُ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ، مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ" [الزهد والرقائق لابن المبارك]، وقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وذُكر لِي عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النهْدي أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ صُهيبًا حَيْنَ أَرَادَ الْهِجْرَةَ قَالَ لَهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: أَتَيْتنَا صُعلوكًا حَقِيرًا، فَكَثُرَ مالُك عِنْدَنَا، وبلغتَ الَّذِي بلغتَ، ثُمَّ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ بِمَالِكَ ونفسِك، وَاَللَّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ؛ فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْب: أَرَأَيْتُمْ إنْ جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي أَتُخْلُونَ سَبِيلِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «رَبِحَ صُهَيْبٌ رَبِحَ صُهَيْبٌ» ونزلت فيه: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَشۡرِی نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۗ﴾ [السيرة النبوية لابن هشام].
كيف نوظف معنى الهجرة في واقعنا المعاصر؟
يمكن توظيف معنى الهجرة في واقعنا المعاصر من خلال الهجرة من المعصية إلى الطاعة؛ فيهجر الكذب إلى الصدق، والغش إلى الأمانة، والتقصير إلى الإحسان؛ فقد قال النبي ﷺ: «وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السُّوء» [رواه أحمد]، والهجرة من السلبية إلى الإيجابية، ومن الفرقة إلى الوحدة، قال تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِیعࣰا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ۚ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ومن العادات السيئة إلى القيم الرفيعة، والهجرة إلى معالي الأمور؛ هذه بعض منارات حقيقة هجرتنا لله ولرسوله في زماننا هذا، وبها نسلك طريق السابقين.
عسى أن ننتظم في سربهم، ونكون ممن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، آمين
۞۞۞
الخطبة الثانية
الغش في الامتحانات
إن الغِش في الامتحانات من أخطر السلوكيات السلبية في البيئة التعليمية؛ لأنه يرسخ قيم الخداع ويهدر الأمانة، مما يضعف البناء الأخلاقي والمعرفي للمجتمع.
حُرمة الغِشِّ بجميع صُورِه وأشكاله
لقد حرم الإسلام الغش بجميع صوره؛ لما فيه من خيانة للأمانة وإهدار للحقوق، وجعله من الأخلاق المذمومة التي لا تليق بأهل الإيمان، قال النبي ﷺ: «مَن غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» [رواه مسلم]، أي أن الغش ليس من أخلاق المسلمين القائمة على الصدق والنصح والأمانة.
الغش في الامتحانات من أعظم الجرائم الأخلاقية
يُعدّ الغشِّ في الامتحانات من المعاصي المتعدية التي يتجاوز ضررها صاحبها إلى المجتمع؛ إذ يُضعف مستوى التعليم، ويُفقد الشهادات قيمتها، ويُخرج أفرادًا غير مؤهلين ينافسون المجتهدين بغير حق، مما يضر بمصالح الأوطان، وتتعدد صوره بين الغش التقليدي والوسائل الرقمية الحديثة، وقد تصل إلى تسريب الأسئلة أو التواطؤ في الامتحانات، وهو ما يشكل جريمة أخلاقية وتعليمية خطيرة.
لا تظنّ أنَّك ستُفلح في حياتك أو ستنجحُ بالغشِّ
قال ابن حجر الهيتمي: "وَالْأَحَادِيثُ فِي الْغِشِّ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ كَثِيرَةٌ... فَمَنْ تَأَمَّلَهَا وَوَفَّقَهُ اللَّهُ لِفَهْمِهَا، وَالْعَمَلِ بِهَا انْكَفَّ عَنْ الْغِشِّ، وَعَلِمَ عَظِيمَ قُبْحِهِ، وَخَطَرِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَمْحَقَ مَا حَصَّلَهُ الْغَاشُونَ بِغِشِّهِمْ" [الزواجر]؛ فمن يسمح بالغشِّ لطُلابنا فإنه يهمل واجباته الوظيفية، وفي "صحيح البخاري": «مَا مِنْ وَالٍ (مطلق الولاية) يَلِي رَعِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ».
الغاشُّ ومساعدُه في الوِزر سواء
ولا يقتصر الإثم على الغاشِّ وحده، بل يشمل من يُعين على الغش أو يتهاون في منعه والإبلاغ عنه، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: ٢]، وقال تعالى: ﴿فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضࣰا فَلۡیُؤَدِّ ٱلَّذِی ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡیَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقال أيضًا: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤا۟ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]، وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ» [رواه مسلم].
الغاشُّ في الامتحان يعاقِبه اللهُ بضد قَصدِه
يربي الإسلام على الصدق والاجتهاد وبذل الأسباب، لا على الكسل والاعتماد على الغير؛ ولذلك فإن الغش يتنافى مع مقاصد طلب العلم، إذ يسعى صاحبه إلى النجاح بغير استحقاق، ومن آثار الغش حرمان التوفيق والبركة، كما أن طلب العلم لأغراض دنيوية أو بوسائل غير مشروعة يُعرِّض صاحبه للوعيد الشديد في الآخرة؛ فعن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ العُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ» [رواه الترمذي وابن ماجه]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يَعْنِي رِيحَهَا [رواه أبو داود].
الأضرار الفردية والمجتمعية للغش
الغِش يُعد بوابة إلى ضعفِ الضَّمير، وتشويه التَّنافس الشَّريف، وغياب العدالة، وتكريس قِيم الزَّيف والأنانية، وتنعكس آثارُه على الفرد في صورة فِقْدانِ الثِّقة بالنَّفس، واعتياد الالتفاف على القانونِ، بينما يؤدي، على مستوى المجتمع، إلى إنتاج جيلٍ يحمل شهادات بلا كفاءة، ويفتقر إلى الجَدارة والنزاهة.