Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التجلي الإلهي وحقيقة التوكل

الكاتب

أ.د/ علي جمعة

التجلي الإلهي وحقيقة التوكل

هل يغني التوكل عن السعي، أم أن العمل بالأسباب ينقص من كمال اليقين؟

تكمن الإجابة في "فقه التجلي"؛ فالمؤمن يشهد بقلبه أن الله هو المتصرف الأوحد في الكون، لكنه يتأدب مع ربه بالوقوف عند أسبابه التي خلقها، فيتحرك ببدنه سعيًّا ويطمئن بقلبه يقينًا، مقتديًّا بالمنهج النبوي الذي خالف بين الدرعين ليعلمنا أن حقيقة التوكل هي حركة الجوارح مع سكون القلوب.

التجلي الإلهي: حقيقة التوكل بين يقين القلب وسعي الجوارح

التجلِّي الإلهي هو شهود أن الله -سبحانه وتعالى- متصرِّفٌ في كل شيء: ﴿فَعَّالࣱ لِّمَا یُرِیدُ﴾ [هود: ١٠٧]، ﴿لَا یُسۡءَلُ عَمَّا یَفۡعَلُ وَهُمۡ یُسۡءَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] .

وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ .. تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ

فالتجلِّي الإلهي يجعل الإنسان مستحضرًا لله في كل شيء، في كل سكنة، في كل حركة، وعندما تقرأ كتاب الحِكَم للإمام ابن عطاء الله السكندري - رحمه الله - تجدها كلها مبنية على هذا، على أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن الأمر كله بيد الله، ومع ذلك فإن الاعتماد على الأسباب استقلالًا عن الله شرك، وترك الأسباب جهل.

 ولما أراد النبي - ﷺ - أن يخرج إلى أُحُد خالف بين درعين [أبو داود] أخذًا بالأسباب، فأخذ - ﷺ - بالأسباب ليعلِّمنا المنهج الأمثل في التعامل مع كون الله – تعالى - حتى علَّمنا أن حقيقة التوكل لا تنافي الأخذ بالأسباب، فقال لنا - ﷺ: «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا» [الترمذي]، قال العلماء: فهي تغدو وتروح أخذًا بالأسباب، لم تمكث في وكناتها، بل أخذت بالسبب، فراحت ورجعت، فرزقها المولى -سبحانه-. فقوله: (تغدو وتروح) يشير إلى وجود حركة، فهي إذن لا تترك الأسباب، وكأن الحق – سبحانه - يربِّي الأكوان كلها على التأدب بأدب الله في الأخذ بأسبابه التي أوجدها وخلقها في كونه، ويعلِّمنا – أيضًا - أن المؤمن، رغم أخذه بالأسباب، لا يعتمد عليها، فالفلاح يلقي الحَب، ثم يدعو ويقول: يا رب، هذا هو المسلم الذي أقام حضارة يؤمن فيها بالتجلِّي الإلهي.

أسماء الله وطريق تزكية القلوب

والتجلِّي الإلهي مبني - أيضًا - على أن الحق سبحانه له أسماء، وأسماء الله الحسنى قد استخرج العلماء منها ما ورد في القرآن الكريم وما ورد في السنة المطهرة، وهي تمثِّل منظومة القيم التي عاشها المؤمنون؛ بعضها للجمال، وبعضها للجلال، وبعضها للكمال. فالجمال مثل: الرحمن، الرحيم، العفو، الغفور، الرؤوف.

والجلال مثل: المنتقم، الجبار، العظيم، شديد المحال.

والكمال مثل: الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الضار، النافع، المعز، المذل، السميع، البصير.

وهناك - أيضًا - ما يسمونه بالأسماء المتقابلة، مثل: الأول والآخر، والضار والنافع، والظاهر والباطن؛ إذ يظهر باقترانها كمال المعنى في حق الله رب العالمين.

هذه المنظومة هي التي توصلك إلى: التخلِّي، والتحلِّي، والتجلِّي؛ فأول ذلك أن تُخلِّي قلبك من القبيح، ثم تُحلِّيه بالصحيح، ثم يحدث التجلِّي، فيتجلَّى الله بأنواره وأسراره على قلبك، فتخرج من دائرة الحيرة إلى دائرة الرضا: ﴿أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] 

الخلاصة

إن طريق التجلي الإلهي يبدأ بتطهير القلب من القبيح (التخلي) وملئه بالصحيح (التحلي)، لتشرق فيه أنوار المعرفة. وهي رحلة توازن بين غيب الله وشهادة كونه؛ فلا اعتماد على السبب بجهل، ولا ترك له استكبارًا، فالمؤمن الحق يلقي بذره في الأرض وعينه على السماء، ليعيش في دائرة الرضا والطمأنينة التي لا تهزها رياح الأقدار، مستحضرًا عظمة الله في كل حركة وسكنة.

موضوعات ذات صلة

التجلي الصوفي: أنوار الغيوب ومقامات كشف القلوب.

الجمال الإلهي: ثنائية الجلال والكمال في الوجود.

تجلِّيات الجمال: مرآة الوجود وجذب الأرواح للحق.

موضوعات مختارة