Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

صون الموارد العامة شكر للنعم وبناء للوطن .. رؤية صوفية

صون الموارد العامة شكر للنعم وبناء للوطن .. رؤية صوفية

هل شكرُ النعمة كلماتٌ تُقال، أم أمانةٌ تُصان؟ فكل قطرة ماء نهدرها، وكل ورقة نُهملها، وكل مورد نستهلكه بلا حاجة، قد يكون اختبارًا حقيقيًّا لمدى إدراكنا لقيمة النعمة وشكرنا للمنعم سبحانه؛ ومن هنا جاء الإسلام ليجعل صون النعم وحفظ الموارد سلوكًا إيمانيًّا وحضاريًّا يجمع بين الشكر والإحسان وحسن الانتفاع.

صون النعم شكرٌ لله وحفظٌ للموارد

إن الشريعة الإسلامية الغراء جاءت لتنظم العلاقة بين العبد وربه في محراب العبادة، وتمتد لتبني وجدانًا حضاريًا يرى في النعمة أثرًا من آثار الجمال الإلهي يستوجب الرعاية، فصون النعم يعد سلوكًا اقتصاديًا يحفظ الموارد، وهو في جوهره مقام إحسان، وأدب رفيع مع المنعم جل جلاله، واستشعار بأن كل قطرة ماء وكل قبس من نور نعمة تستحق الشكر، وأن شكرها هو صونها.  

وهنا يحضرنا ذلك المعنى الصوفي البديع الذي صاغه العارف بالله سيدي ابن عطاء الله السكندري في حكمه الخالدة حين قال: "من لم يشكر النعم فقد تعرَّض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعِقالها" [الحكمة التاسعة والخمسون]، فالشكر عند أهل الله ليس جريانًا للسان بلفظ الحمد فحسب، ولكنه صون للجوارح عن مخالفة المنعم، وحفظ الموارد عن الإسراف والهدر؛ إذ إن رعاية النعمة هي العقال الوثيق الذي يضمن بقاءها ويمنع فرارها.

فقه عمر بن عبد العزيز في صون المال العام

ومن أبهى الصور التي سجلها التاريخ الإسلامي في فقه صون الموارد العامة والتثبت في استخدامها، ما نقله ابن سعد في الطبقات الكبرى "أن عمر بن عبد العزيز كان إذا سمر في أمر العامة أسرج من بيت مال المسلمين، وإذا سمر في أمر نفسه أسرج من مال نفسه" [ رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٥/ ٣١١) ط دار الكتب العلمية]. 

وفي مشهد آخر يجلو أعلى درجات التعظيم للموارد العامة وصون النعم الموقوفة - حتى في أدق الموارد كالورق والحبر - يبرز الموقف التاريخي المأثور عن عمر بن عبد العزيز أيضاً حين كتب إلى أبي بكر بن حزم وإلى عماله في الآفاق يوجههم في كتابة الرسائل الرسمية فقال له في توجيه بليغ: "أن أدق قلمك، وقارب بين أسطرك، واحذف عني من فضول الكلام، فإني أكره أن أخرج من أموال المسلمين ما لا ينتفعون به" [ينظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٥/ ١٣٢ط الرسالة)، فقد رأى رضي الله عنه أن تخنيق الخط وسعة الحواشي في الورق المجلوب من بيت المال يعد إهدارًا لنعمة وضعت لخدمة الأمة، فأمرهم ببري المباري لتصغر أقلامهم، وتكتفي الكتابة بالقدر الذي يؤدي المعنى بلا إسراف في الحبر أو الكاغَد، في أنموذج إداري وإيماني فريد لصون الموارد.

صون الموارد ثقافة إسلامية وحضارية

إن تأملنا لمواقف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ينقلنا إلى إدراك عميق، فقد كان المصباح والورق والقلم عنده أمانات ونعمًا لا يجوز إهدار جزء منها في غير موضعه، ومثل هذا السلوك الإحساني امتد في تاريخ حضارتنا ليشمل كل الموارد، فحين نهى النبي ﷺ عن الإسراف في الماء ولو كان المرء على "نهر جار"، كان يغرس في الروح ثقافة احترام الموارد بقطع النظر عن وفرتها، كما بلغت الحضارة الإسلامية من الرقة في صون الموارد العامة أن أنشأت "أوقافًا للأواني المكسورة"، لكي يستبدل للإماء والخدم ما كسر منهم دون أن يتعرضوا للأذى أو يهدر الإناء، وأوقافًا للرفق بالحيوانات الهرمة، في منظومة حضارية تعظم كل عين وكل مادة جاد بها الله على عباده.

إننا في هذا العصر الذي تطغى عليه أنماط الاستهلاك السريع، وتطرح فيه الأشياء وتهدر بسهولة، نرى الحكم الجلية في إحياء هذا الفقه العمري الذي يسعى إلى صون الماء في بيوتنا، وعدم هدر الورق والطعام في مرافقنا وموائدنا، والحفاظ على الموارد التي بين أيدينا، يعد توفيرًا ماديًّا وعبادة قلبية وسلوكًا راقيًا يعبر عن الامتنان. 

الخلاصة

صون النعم ليس سلوكًا اقتصاديًا فحسب، بل هو عبادة وشكر عملي لله تعالى، وقد قدم الإسلام نماذج رفيعة في ترشيد الموارد العامة، كما يظهر في مواقف عمر بن عبد العزيز؛ فالحفاظ على الماء والطعام والمال وسائر الموارد مسؤولية دينية وحضارية، وشكرٌ عمليٌّ لنعم الله تعالى.

موضوعات ذات صلة

تتجه الدولة في خططها المستقبلية للحفاظ علي كل قطرة ماء.

من أعظم النعم التي امتنَّ الله بها على عباده نعمةَ الماء.

 تهديد حقيقي للأمن القومي والبيئي. 

التوعية بقيمة نعمة الماء وأنه أصل الحياة ووجوب الحفاظ عليه.

موضوعات مختارة