والآن إليك طائفةٌ من كبراء المحدثين
والحفاظ وأعيانهم، الذين مارسوا التوسل بطريقة عملية؛ لنقطع الجدل والتشغيب عن هذا
المعنى، وليثبُتَ لك بما لا خفاء فيه: أنه قد جرى عملُ الأمة سلفًا وخلفًا على
مشروعية التوسل، وقد اخترت لك المحدثين دون سواهم من الفقهاء والمفسرين واللغويين،
رغم ورود ذلك عنهم أيضًا؛ حتى ترى كيف تعامل حملة الحديث النبوي وشراح السنة مع
هذه المسألة:
١- إمام
المذهب وعالم قريش وناصر السنة، الإمام الشافعي (ت ٢٠٤)، وقد تقدم توسلُه
بالإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان.
٢- الإمام
الحافظ، الثقة، الرحّال، الجوّال، عَلم المعمَّرين، أبو القاسم سليمان بن أحمد
الطبراني، صاحب المعاجم الثلاثة (ت ٣٦٠).
٣- والإمام
الحافظ الصادق محدث أصبهان أبو محمد، عبد الله بن محمد أبو الشيخ الأصبهاني (ت
٣٦٩).
٤- والإمام
الحافظ الجوّال الصدوق، مسند الوقت، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المقرئ الأصبهاني
(ت ٣٨١).
وقد
تقدم خبرُ هؤلاء الحفاظ الثلاثة في توسلهم عند القبر الشريف
٥- قال الذهبي في سير اعلام النبلاء (٢١ /
٢٥١)، في ترجمة الإمام الحافظ الزاهد، أبي محمد محمد بن عبيد الله الحجري (ت ٥٩١):
"قال أبو الربيع بن سالم الحافظ: كان وقت وفاة أبي محمد بن عبيد الله قحطٌ،
فلما وُضع على شفير القبر، توسلوا به إلى الله في إغاثتهم، فسُقوا في تلك الليلة
مطرًا وابلًا، وما اختلف الناسُ إلى قبره مدةَ الأسبوع إلا في الوحل والطين".
٦- الإمام الحافظ المفسر المؤرخ، أبو
الفرج ابن الجوزي (ت٥٩٧)، توسل في كتابه (التذكرة في الوعظ) (ص: ١٦٢)، بقوله: "فالواجب
علينا أن نستغيث بمراحم العزيز الرحيم، ونستشفعَ إليه بجاه نبيه الكريم".
٧- الإمام الحافظ الفقيه، أبو عمرو ابن
الصلاح (ت٦٤٣)، قال في فتاویه (۱ / ۲۱۰): "وذلك أن كراماتِ الأولياء من أمته،
وإجاباتِ المتوسلين به في حوائجهم ومغوثاتهم، عَقِيبَ توسلهم به في شدائدهم،
براهينُ له قواطع، ومعجزاتٌ له سواطع ....."
٨- الإمام شيخ الإسلام، عالم الأولياء
وولي العلماء، محيي الدين النووي (ت ٦٧٦)، قال في كتابه (المجموع شرح
المهذب) (٨/٢٧٤)، في بيان آداب زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ثم
يرجع إلى موقفه قبالة وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيتوسل به، ويستشفع به
إلى ربه".
٩- الإمام الحافظ الفقيه، شيخ الحرم
المكي، محب الدين الطبري (ت ٦٩٤)، توسل في كتابه الرياض النضرة في مناقب العشرة
(۳۱/۱) بقوله: "رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين بمحمد وآله".
١٠- الإمام الحافظ المجتهد، تقي الدين
السبكي (ت ٧٥٦)، توسل في فتاويه (۱/ ۳۰۰) بقوله: "والله المسئول أن
يوفقنا لما يرضيه بمحمد وآله".
١١- الإمام الحافظ، أبو المحاسن ابن حمزة
الحسيني الدمشقي (ت ٧٦٥)، توسل في كتابه (ذيل تذكرة الحفاظ) (١ / ٣١٥)، بقوله: "فالله
تعالى يبقيه، ويمتع به الإسلام، ويديم النفع به الأنام، بجاه المصطفى سيدنا محمد
عليه أفضل الصلاة والسلام".
وفي (ذيل العبر) (٤ / ۲۰۰) توسّل بقوله: "ويجمع له ولمواليه
خير الدارين، بمحمد وآله".
١٢- الإمام الحافظ المفسر، عماد الدين
ابن كثير (ت٧٧٤)، توسل في كتابه (البداية والنهاية) (۱۳/ ۱۹۲) بقوله: "فالله يجعلها عبرة
للمسلمين، ورحمة للعالمين، بمحمد وآله الطاهرين".
١٣- الإمام الحافظ الفقيه، سراج الدین
ابن الملقن (ت ٨٠٤)، توسل في كتابه (البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار
الواقعة في الشرح الكبير) (٢ / ١٨٥)، بقوله: "جعل الله ذلك خالصًا لوجهه
بمحمد وآله".
١٤- الإمام الحافظ، نور الدين الهيثمي
(ت ۸۰۷)،
توسل في كتابه (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) (٩ / ٤٢٠) بقوله: "زينه الله
بالتقوى ونفعه بالعلم، بمحمد وآله".
١٥- الإمام الحافظ شيخ القراء، شمس
الدين ابن الجزري (ت۸۳۳)، قال في كتابه (الحصن الحصين) (ص ٥)، في آداب الدعاء،" وأن
يتوسل إلى الله بأنبيائه والصالحين من عباده".
١٦- شيخ الإسلام وأمير المؤمنين في الحديث،
الإمام الحافظ، ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢)، توسل في ديوانه المطبوع بالهند
المكتبة العربية بحيدر أباد الدكَّن: قال (ص (١٦):
يا سَيّدي يا رسولَ الله قد شرُفت ...
قَصائدي بمديح فيكَ قد وُصفَا
مدحتُك اليوم، أرجو الفضلَ منك غَدا ... من
الشفاعة، فالحَظْني بها طَرفَا
ببابِ جُودِك عبدٌ مذنبٌ َكِلفٌ ... يا
أحسنَ الناسِ وَجهًا مُشرِقًا وقَفَا
بكم توسَّلَ يرجو العفوَ عن زلل ... مِن
خَوفه جَفنه الهامِي لقد ذَرَفا
وقال (ص ١٨):
إصدَحْ بمدحِ المصطفى، واصدعْ به ...
قلبَ الحسود، ولا تخفْ تفنيدَا
واقصِد له، واسألْ به تعطَ المنى ...
وتعيشُ مهما عشتَ فيه سَعيدا
خيرُ الأنام، ومن لجا لجنابه ... لا
بِدْعَ أن أضحى به مسعُودا
وقال (ص ٢٦):
نبي الله يا خيرَ البرايا ... بجاهِك
أتّقي فصلَ القضاءِ
وأرجو يا كريمُ العفوَ عما ... جنتْه يداي يا ربَّ
الحِـباءِ [الحباء: العطاء
العام بلا منّ ولا جزاء. انظر: تاج العروس (٣٧/٣٩٣)].
وختم
كتابه (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) (١٣/٥٧٣) بقوله: "إلهي أتحرقُ بالنار
وجهًا كان لك مصليًا، ولسانًا كان لك ذاكرًا أو داعيًا، لا بالذي دلّنا عليك، ورغَّبنا
فيما لديك، وأمرنا بالخضوع بين يديك، وهو محمد خاتم أنبيائك، وسيدُ أصفيائك، فإن
حقَّه علينا أعظمُ الحقوق بعد حقك، كما أن منزلته أشرفُ منازل خلقك".
١٧- الإمام المحدث المؤرخ، بدر الدين
العيني (ت ٨٥٥)، توسل في افتتاح كتابه (عمدة القاري بشرح صحيح البخاري) (١/
١١) بقوله: "فها نحن نشرع في المقصود، بعون الملك المعبود، ونسأله الإعانة
على الاختتام، متوسلًا بالنبي خير الأنام، وآله وصحبه الكرام".
١٨- محدث البلاد اليمنية في عصره، الإمام
شهاب الدين الزَّبيدي (ت ٨٩٣)، توسل في مقدمة مختصره لصحيح البخاري (التجريد
الصريح لأحاديث الجامع الصحيح) (ص ٩) بقوله: "والمسؤول من الله تعالى أن ينفع
بذلك، ويجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يُصلح المقاصد والأعمال، بجاه سيدنا محمد
وآله وصحبه أجمعين".
١٩- الإمام المحدث، أحمد بن إسماعيل
الكوراني (ت ٨٩٣)، توسل في كتابه (الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري)
(١١/ ٣٢٨) بقوله: "واللهَ أسأل التجاوز عن هفوات الأقلام... وأتوسل إليه
بصاحب المقام، أن يجعل سعيي مشكورًا، وعملي مبرورًا، وأن يغفر لي ولوالدي ولمشايخي
ولأحبتي ولجميع المسلمين أجمعين".
وقال أيضًا (٢ / ٢٢٥): "وأنا أقول
- خاضعًا لجناب قدسه تعالى - إني آمنت بما قال رسولك الصادق المصدوق – صلى الله
عليه وسلم - فبحرمته لديك أن تجعلني من الفائزين برؤية جمالك، إنك على ذلك قدير،
وأنت الذي لا ترد سائِلك خائبًا"
٢٠- الإمام الحافظ المؤرخ، شمس الدين
السخاوي (ت ٩٠٢)، توسل في آخر كتابه (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث) (٤ / ٤١٠)
بقوله: "سيدنا محمد سيد الأنام كلهم، ووسيلتنا وسندنا وذخرنا، في الشدائد
والنوازل".
٢١- الإمام الحافظ المجتهد، جلال
الدين السيوطي (ت ٩١١)، توسل في مواضع عديدة من كتبه، منها قوله في (الإتقان
في علوم القرآن) (٢/ ٥٠٢): "والله أسأل أن يعين على إكماله، بمحمد وآله".
وقوله في (تاريخ الخلفاء) (ص ٣٦٩): "وأسأل
الله تعالى أن يقبضنا إلى رحمته قبل وقوع فتنة المئة التاسعة!! بجاه محمد - صلى
الله عليه وسلم - وصحبه أجمعين، آمين".
٢٢- الإمام المحدث الحجة، شهاب الدين
القسطلاني (ت ٩٢٣)، توسل في شرحه الفريد الماتع لصحيح البخاري المسمى: (إرشاد
الساري) بقوله (٣/ ٣٣٦): "يا سيدي يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربك في ذلك
وفي جميع أموري، اللهم شفعه فيَّ وفي سلفي".
وقال في كتابه (المواهب اللدنية بالمنح
المحمدية) (٣/ ٦٠٦): "وأما التوسل به - صلى الله عليه وسلم - بعد موته في
البرزخ فهو أكثر من أن يحصى أو يدركَ باستقصاء، وفي كتاب (مصباح الظلام في
المستغيثين بخير الأنام) للشيخ أبي عبد الله بن النعمان طرفٌ من ذلك.
ولقد كان حصل لي داءٌ أعيا دواؤُه
الأطباءَ، وأقمت به سنين، فاستغثتُ به ليلة الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة
٨٩٣ بمكة - زادها الله شرفًا ومَنَّ عليَّ بالعود في عافية بلا محنة - فبينا أنا
نائمٌ إذ جاء رجلٌ معه قِرطاٌس يكتب فيه: هذا دواء لداء أحمد بن القسطلاني
من الحضرة الشريفة بعد الإذن الشريف النبوي، ثم استيقظتُ فلم أجد بي – والله -
شيئًا مما كنت أجدُه، وحصل الشفاء ببركة النبي - صلى الله عليه وسلم -".
٢٣- عالم بلاد الحجاز في زمانه الإمام
المحدث، محمد بن عَلّان الصدّيقي الشافعي (ت ١٠٥٧)، توسل في آخر
كتابه النافع (دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين) بقوله (٤/ ٧٦٧): "بجاه نبيك
سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - كل وقت وحين".
٢٤- خاتمة المحدثين بالديار المصرية الإمام
المحدث الفقيه محمد بن عبد الباقي الزُّرقاني (ت ١١٢٢)، توسل في شرحه على
الموطأ (٢/ ٢٩٧) بقوله: "وأسأله الإعانة على التمام، خالصًا لوجهه بجاه أفضل
الأنام".
٢٥- محدث الشام في زمانه وعالمها، الإمام
المحدث، إسماعيل بن محمد العَجْلوني الجراحي (ت ١١٦٢)، توسل في كتابه (كشف
الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس) (٢/ ٤٣) بقوله:
يا رب فارحمني بجاهِ المصطفى ... كنزِ
الوجودِ وذي الهباتِ الباهرة
وبخير خلقِك لم أزلْ متوسلًا ... ذي
المعجزاتِ وذي العلومِ الفاخرة
٢٦- الإمام الحافظ اللُّغوي، محمد
مرتضى الزَّبيدي (ت ١٢٠٥) توسل في (إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم
الدين) (٥/ ٤١١) بقوله: (وصلى الله على سيدنا محمد سيد الكائنات، وعلى آله وأصحابه
الأئمة الهداة، وقد توسلت بهم وبمصنف هذا الكتاب [الغزالي] أن يشفي الله مرضانا
ومرضى المسلمين...". وبقوله (١٠/ ٥٥٧) عن حجة الإسلام الغزالي: "وقد كان
مجابَ الدعوة مقبولَ الشفاعة، وذكر غير واحد أن من توسل به إلى الله تعالى في حاجة
قضيت له، وها أنا متوسل به إلى المولى جل شأنه: أن يعيد عليَّ وعلى سائر المؤمنين
من بركات هذا الكتاب ومؤلفه...".
وقال في (تاج العروس من جواهر القاموس)
(١٩/ ٥١١)، وهو يتحدث عن غَرناطة التي كانت ببلاد الأندلس: "وآثارها جليلة
كثيرة لا يسعها هذا المختصر، والله يردها دار إسلام، بمحمد وآله عليهم السلام".
وألّف في (ضبط أسماء أهل الصُّفّة)
تأليفًا صغيرًا سماه: (تحفة أهل الزلفة، في التوسل بأهل الصُّفّة)، أوصل فيه
أسماءهم إلى اثنين وتسعين اسمًا.
وكان نقشَ خاتم الحافظ الزبيدي الذي
كان يطبع به إجازاته ومكاتيبه - كما في (فهرس الفهارس) (٢/ ٥٤٩) - بيتُ شعرِ نصًّه:
محمدُ المرتضى يرجو الأمانَ غدًا ...
بجدَّه وهو أوفى الخلقِ بالذممِ
فهل هؤلاء الحفاظ والمحدثون، مطعون في
عقائدهم، أو عباد قبور، كما يتخرص بذلك المتخصرون؟!