Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مفهوم التبرك بالصالحين بين الحفاظ والمحدثين

الكاتب

أ.د/ أحمد نبوي - الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية

مفهوم التبرك بالصالحين بين الحفاظ والمحدثين

هل التبرك بالصالحين مجرد عادة موروثة أم أنه مسلك شرعي يسلكه المحبون للتقرب إلى الله؟

تتجلى الإجابة في كونه "مشكاة محبة" استمدها العلماء والأولياء من أنوار الهدي النبوي؛ فهو وسيلة وجدانية وأصل فقهي عرف قدره أهل الإحسان من كبار أئمة الأمة، الذين رأوا في التودد إلى الله عبر عباده المقربين بابًا من أبواب القبول والوفاء، بعيدًا عن جفاء المنكرين.

مفهوم التبرك بالصالحين

التبرك هو فرع عن (التوسل)، فجماهير العلماء سلفًا وخلفًا الذين أجازوا التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبالصالحين، هم الذين استنبطوا من وقائع وأحاديث تبرك الصحابة بالنبي - صلى الله عليه وسلم: استحباب التبرك بالصالحين وبآثارهم، في حياتهم وبعد مماتهم.

والتبرك بالصالحين له صور متنوعة؛ منها: التبرك بحضور مجالسهم ورؤيتهم وطلب الدعاء منهم، والتبرك بما بقي من طعامهم وشرابهم وسؤرهم، وبحضورهم للبيوت، والتبرك بالصلاة في المواضع والمواطن التي كانوا يصلون فيها، والذهاب إلى قبورهم لزيارتهم والدعاء هناك؛ لأنها مواطن استجابة، والتبرك بالدفن بجوارهم، وغير ذلك مما ستراه منثورًا بين يديك عما قريب.

نصوص الحفاظ والمحدثين في التبرك بالصالحين

١- الإمام الشافعي يتبرك بثوب الإمام أحمد بن حنبل:

قال الربيع بن سليمان لما رجع إليه بقميص أحمد: "فلما رجعتُ إلى الشافعي أخبرته، فقال: إني لست أفجعك فيه، ولكن بله بالماء وأعطنيه حتى أتبرك به" [البداية والنهاية ١٤/ ٣٩٥].

قال الإِمام السفَّاريني الحنبلي: "قال الربيع: فغسلته، وحملت ماءه إليه، فتركه في قِنّينة، وكنت أراه كل يوم يأخذ منه فيمسح على وجهه تبركًا بأحمد بن حنبل - رضي الله عنهم - انتهى. وقد رُوِيت هذه الحكاية من عدة طرق، واشتهرت على ألسنة الخلق، وتحلت بها الكتب المدونة، واشتهرت في المحافل على الألسنة" [غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب ١/ ٣٠٤].

٢- وسبق ذكر تبرك الإمام الشافعي وتوسله عند قبر الإمام أبي حنيفة.

٣- وتبرك الإمام أحمد بن حنبل بجُبة الإمام يحيى بن يحيى الليثي:

 قال ابن مفلح: "وقال المرُّوذِيُّ في كتاب الورع: سمعت أبا عبد الله يقول: قد كان يحيى بن يحيى أوصى لي بجبته، فجاءني بها ابنه فقال لي، فقلت: رجل صالح، قد أطاع الله فيها، أتبرك بها" [الآداب الشرعية والمنح المرعية ٢/ ٢٣٥].

٤- الإمام الحافظ الكبير ابن حِبان البُستي (ت ٣٥٤)، قال في كتابه (الثقات٨/٤٥٧): "وَما حلّت بي شدَّة في وقت مقَامي بطوس، فزرت قبر علي بن موسى الرضا - صلوات الله على جده وعليه - ودعوت الله إِزالَتها عني، إلا استجيب لي وزالت عني تلك الشدة، وَهَذَا شَيْء جربته مرارًا فَوَجَدته كَذَلِك، أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته - صلى الله وسلَّم عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم أَجْمَعِينَ".

والذي يتجاسر على الطعن في اعتقاد شيخ الحفاظ والمحدثين الإمام ابن حبان فإنه يكون قد بلغ من الشطط والجور منتهاه، بل تصرفه نابع من عين المحبة والتوقير للصالحين، مع كمال الصيانة للاعتقاد الحق عنده؛ بأن الله جل جلاله هو المتفرد بالخلق والإيجاد والضر والنفع والعطاء والمنع، فالزم الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم.

٥- الإمام الكبير أبو الحسن ابن بطَّال (ت ٤٤٩)، في شرح صحيح البخاري قال (٢/٧٧): "قال المُهَلَّب: وفيه التبرك بمصلى الصالحين ومساجد الفاضلين، وفيه أن من دُعي من الصالحين إلى شيء يتبرك به منه، فله أن يجيب إذا أمن الفتنة من العُجب".

وقال (٢/١٢٦): "ولم يزل الناس يتبركون بمواضع الصالحين وأهل الفضل".

وقال (٣/١٧٨): "وأما من أراد الصلاة في مساجد الصالحين والتبرك بها متطوعًا بذلك، فمباحٌ له قصدُها بإعمال المَطِيّ وغيره، ولا يتوجه إليه النهيُ في هذا الحديث".

 وقال (٩/ ١٠٠): "وفيه أنه ينبغي التبركُ بثياب الصالحين ويتوسل بها إلى الله في الحياة والممات".

٦- الإمام ابن عبد البر، حافظ المغرب في زمانه (ت ٤٦٣)، قال في (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد) (١٣/٦٧): "وفي هذا الحديث دليل على التبرك بمواضع الأنبياء والصالحين ومقاماتهم ومساكنهم".

 وقال في الاستيعاب في معرفة الأصحاب، عن قبر سيدنا أبي أيوب الأنصاري الموجود عند سور القسطنطينية: "وقبر أبي أيوب قرب سورها معلوم إلى اليوم مُعظَّم يستسقون به فيسقون".

٧- الإمام الحافظ المؤرخ الأديب، الأمير أبو نصر ابن ماكولا (ت ٤٧٥)، قال في كتابه (الإكمال ١/ ٢٦٧): "قبر أبي علي بن بيَّان الزاهد: قبره يتبرك به، قد زرته".

٨- الإمام الحافظ القاضي عياض المالكي، عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته (ت ٥٤٤)، في (إكمال المعلم بفوائد مسلم٢/١١١) قال: "فيه التبرك بأهل الفضل، والتماس دعائهم، والاقتداء بهذا الأدب والسيرة من حمل المولودين إلى الفضلاء عند ولادتهم وعرضهم عليهم ليدعوا لهم".

وقال (٢/٦٣١): "فيه التبرك بالفضلاء، ومشاهد الأنبياء، وأهل الخير ومواطنهم، ومواضع صلاتهم"، وقال (٧/٢١): "فيه التبرك بالصالحين ودعائهم".

٩- الإمام الحافظ، أبو سعد السمعاني (ت ٥٦٢)، قال في (الأنساب١/٢٢٥) في ترجمة الإمام الأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني: "ودفن في مشهده، وهو اليوم ظاهر، والناس يتبركون به، ويزورونه، ويستجاب عنده الدعوة، زرت قبره بأسفرايين".

١٠- الإمام المحدث، أبو العباس القرطبي (ت ٦٥٦)، قال في (المفهم لما أَشْكَل من تلخيص كتاب مسلم٧/٣٥٥): " التبرك بآثار الأنبياء والصالحين، وإن تقادمت أعصارهم وخفيت آثارُهم".

١١- الإمام شيخ الإسلام محيي الدين النووي (ت ٦٧٦)، في (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ٤/٢١٩) قال: "وقد جاء مبينًا في الحديث الآخر (فرأيت الناس يأخذون من فضل وضوئه) ففيه التبرك بآثار الصالحين واستعمال فضل طهورهم وطعامهم وشرابهم ولباسهم".

وقال (٥/١٦١): "وفيه التبرك بالصالحين وآثارهم، والصلاة في المواضع التي صلَّوا بها، وطلب التبريك منهم".

وقال (١١/٥٥): "وفيه: التبرك بآثار الصالحين وفضل طعامهم وشرابهم ونحوهما وفضل مؤاكلتهم ومشاربتهم، ونحو ذلك، وفيه ظهور آثار بركة رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -".

وقال (١٤/٤٤): "وفي هذا الحديث: دليل على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم".

وقال (١٤/١٠٠): "ومنها: حملُ المولود عند ولادته إلى واحد من أهل الصلاح والفضل، يحنّكه بتمرة؛ ليكون أولَ ما يدخل في جوفه ريقُ الصالحين، فيتبرك به".

١٢- وقال الإمام الحافظ المجتهد، ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢)، في (إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ١ /٢٠٥): "يؤخذ من الحديث: التماس البركة بما لابسه الصالحون بملابسته، فإنه ورد في الوضوء الذي توضأ منه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويعود بالمعنى إلى سائر ما يلابسه الصالحون".

١٣- الإمام المفتي علاء الدين ابن العطار (ت ٧٢٤)، قال في (العُدة في شرح العُمدة:١/٣٨٠): "وفي الحديث فوائدُ كثيرةٌ: منها: إتيان أهل القدوة وأهل الفضل إلى أماكنهم، في السفر والحضر؛ للتبرك بهم، والاقتباس منهم، وحكاية حالهم، وذكر منازلهم. ومنها: خدمتهم؛ كإحضار ماء الوضوء، ونحوه، ومنها استعمال فضل طهورهم وطعامهم، وشرابهم، ولباسهم، والتبرك بآثارهم".

١٤- الإمام ابن الحاج (ت ٧٣٧)، قال في (المدخل:٣/٢٥٨): "وينبغي لولي الميت أن يختار له الدفن عند العلماء والأولياء والصالحين؛ للتبرك بهم".

١٥- الإمام الحافظ الحجة، تاج الدين السبكي (ت ٧٧١)، في (طبقات الشافعية الكبرى:٤/٣٥): "قال في ترجمة الحافظ الكبير، الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣): "لما حج الخطيب البغدادي شرب من ماء زمزم ثلاث شَرَبات: وسأل الله ثلاث حاجات: الأولى: أن يحدث بتاريخ بغداد بها، والثانية: أن يمليَ بجامع المنصور، والثالثة: أن يدفن إذا مات عند بشر الحافي. فحصلت الثلاثةُ".

وقال (٤/١٣٠) في ترجمة الإمام الجليل الأستاذ، أبي بكر بن فُورك (ت ٤٠٦): "وقبره ظاهر، قال عبد الغافر: يُستسقى به، ويستحب الدعاءُ عنده".

وقال (٤/٩٠) في ترجمة الشيخ أبي حامد الغزالي (القديم الكبير: ت ٤٣٥)؛ وهو عم حجة الإسلام الغزالي: "حكى لي سيدنا الشيخ الإمام العلامة، ولي الله جمال الدين، عمدة المحققين، محمد بن محمد بن محمد الجمالي، حياه الله وبياه وأمتع ببقياه: أن قبر هذا الغزالي القسيم معروف مشهور، بمقبرة طوس، وأنهم يسمونه الغزالي (الماضي) وله جرب من أمره: أنه من كان به همٌ ودعا عند قبره استجيب له".

وقال (٥/٣٥٣) في ترجمة الإمام الفقيه الزاهد، نصر بن إبراهيم المقدسي (ت ٤٩٠): "قال النووي: سمعنا الشيوخ يقولون: الدعاء عند قبره يوم السبت مستجاب".

وقال (٨/٥٥) في ترجمة الإمام الفقيه الزاهد، أبي الطاهر المحلي (ت ٦٣٣): "قال ابن القليوبي: وقبره مشهور بإجابة الدعاء عنده، والناس يقصدونه لذلك، سمعت والدي يقول: قبر الشيخ التِّرياق المجرَّب".

وقال (٨/٣٢٨) في ترجمة الإمام الحافظ ابن الصلاح (ت ٦٤٣): "وقبره على الطريق في طرفها الغربي ظاهر يُزار ويُتبرك به. قيل: والدعاء عند قبره مستجاب".

١٦- الإمام شمس الدين الكِرماني (ت ٧٨٦)، قال في (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري: ٢١/٩٩): "وفيه التبركُ بآثار الصالحين، ولُبسِ لباسِهم".

١٧- الإمام الحافظ الفقيه، سراج الدين ابن الملقِّن (ت ٨٠٤)، في (التوضيح شرح الجامع الصحيح:٤ /١٠٢) قال عن قبر سيدنا أبي أيوب الأنصاري في القسطنطينية: "فقبره عند سور القسطنطينية يُتبرك به ويُستشفَى". وقال (٤/٣٠٥): "وفيه: التبرك بآثار الصالحين، سيما سيد الصالحين، واستعمال فضل طهورهم وطعامهم وشرابهم"، وقال (٤/٣٢٧): "وفيه: التبرك بآثار الصالحين لا سيما سيد الصالحين - صلى الله عليه وسلم"، وقال (٦/٢٣): "ولم يزل الناس يتبركون بمواضع الصالحين وأهل الفضل"، وقال (٢٧/٦٤١): "وفيه: أنه ينبغي التبرك بثياب الصالحين ويتوسل بها إلى الله تعالى في الحياة والممات".

١٨- الإمام شمس الدين البِرْماوي (ت ٨٣١)، قال في (اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح: ٣/٢٧٩): "إنما كان ابن عمر يصلي في هذه المواضع للتبرك، فلم يزل الناس يتبركون بمواضع الصالحين".

١٩- الإمام الحافظ، شمس الدين ابن الجزري (ت ٨٣٣)، قال في كتابه (غاية النهاية في طبقات القراء: ٢/٢٣)، عن قبر الإمام الشاطبي إمام القراءات (ت ٥٩٠): "وقبره مشهور معروف، يُقصد للزيارة، وقد زرته مرات، وعرض عليَّ بعض أصحابي الشاطبية عند قبره، ورأيت بركة الدعاء عند قبره بالإجابة، رحمه الله ورضي عنه".

٢٠- الإمام شهاب الدين ابن رسلان (ت ٨٤٤) قال في (شرح سنن أبي داود:١٢/١٤٧): "وفيه التبرك بآثار الصالحين من فضل طهور وأكل ولبس وغير ذلك مما ترتجى به البركة؛ ولأنه مما يتداوى به".

٢١- الإمام العلامة بدر الدين العيني (ت ٨٥٥)، في (عمدة القاري شرح صحيح البخاري:٣/١٢٢) قال: "ويستنبط منه حكم آخر وهو: استحباب خدمة الصالحين وأهل الفضل والتبرك بذلك"، وقال (٤/٢٧٥): "ولم يزل الناس يتبركون بمواضع الصالحين".

وقال (٩/٢٤١): "وأما تقبيل الأماكن الشريفة على قصد التبرك، وكذلك تقبيل أيدي الصالحين وأرجلهم فهو حسن محمودٌ باعتبار القصد والنية".

٢٢- الإمام أحمد بن إسماعيل الكُوراني (ت ٨٩٣)، في (الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري:٢/٦٢) قال: "وفيه دلالة على استحباب التبرك بآثار الصالحين من ماء وطعام وغيرهما".

 وقال (٢/١٦٨): "وإلا فالتبرك بآثار الصالحين لا سيما سيد المرسلين، لا يشكُّ أحدٌ في حُسنه".

٢٣- الإمام المحدث الحجة، شهاب الدين القَسْطَلَّاني (ت ٩٢٣)، في (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري: ١/٤٣٠) قال: "أما مَن اتخذ مسجدًا في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه لا للتعظيم له ولا للتوجه إليه، فلا يدخلُ في الوعيد المذكور".

 وقال (١/٤٦٧): "واستُنبط منه: التبركُ بما يلامِسُ أجسادَ الصالحين".

٢٤- الإمام شيخ الإسلام، زكريا الأنصاري (ت ٩٢٦)، في (منحة الباري بشرح صحيح البخاري:٢/٧٩) قال: "وفي الحديث: جواز ضرب الخيام والقباب والتبرك بآثار الصالحين".

 وقال (٢/١٣١): "وفيه: التخلف عن الجماعة لعذر، والتبرك بمصلَّى الصالحين".

وقال (٢/٢١٣): "وفيه التبرك بما يلامس أجساد الصالحين".

٢٥- خاتمة المحدثين بالديار المصرية الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني (ت ١١٢٢)، في (شرحه على الموطأ:٢/٧٢) قال: "وهو أصل في التبرك بآثار الصالحين".

٢٦- العلامة المحدث الفقيه محمد عابد السّنْدي (ت ١٢٥٧)، في (حاشيته على سنن النسائي:١/٢٢٢) قال: "وهذا أصل كبير في تتبع آثار الصالحين والتبرك بها والعبادةِ فيها".

٢٧- العلامة الشيخ محمود خطاب السُّبكي (ت ١٣٥٢)، في (المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود:٤/١٨٦) قال: "ودلت بقيةُ الحديث على جواز التبرك بآثار الصالحين".

٢٨- شيخ شيوخنا العلامة الدكتور موسى شاهين لاشين (ت ١٤٣٠)، في (فتح المنعم شرح صحيح مسلم:٣/٩٢) قال: "وفيه: التبرك بآثار الصالحين، واستعمال فضل وضوئهم وطعامهم وشرابهم ولباسهم. ذكره النووي".

وقال (٨/٤٤٩): "فيه: التبرك بآثار الصالحين وريقهم، وكل شيء منهم. قاله النووي".


التبرك بالصالحين عند الحافظ الإمام شمس الدين الذهبي

وقد أَفْرَدْتُ الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي بالذكر؛ لأن ما ذكره في كتبه، وخصوصًا الكتاب النافع الحافل الفريد (سير أعلام النبلاء) من التبرك بالصالحين وآثارهم، وزيارة قبورهم، والدعاء عندها: أمر لو صدر من غيره؛ لفُوّقت إليه سهام الإكفار بَلهَ التبديع، فالسير منجم زاخر، وبحر ليس له ساحل، فإليك منه بعضَ الدرر والجواهر:

١- قال (٤/٤٣) تعليقاً على قول عَبيدة السلماني: "لأن يكون عندي منه شعرة - صلى الله عليه وسلم، أحب إليَّ من كل صفراء وبيضاء على ظهر الأرض".

"قلت: هذا القول من عبيدة هو معيار كمال الحب، وهو أن يؤثر شعرة نبوية على كل ذهب وفضة بأيدي الناس، ومثل هذا يقوله هذا الإمام بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بخمسين سنة، فما الذي نقوله نحن في وقتنا لو وجدنا بعض شعره بإسناد ثابت، أو شِسع نعل كان له، أو قُلامة ظفر، أو شَقَفة من إناء شرب فيه، فلو بذل الغني معظم أمواله في تحصيل شيء من ذلك عنده، أكنتَ تعده مبذرًا أو سفيهًا؟ كلا.

فابذل مالك في زَورة مسجده الذي بنى فيه بيده، والسلامِ عليه عند حجرته في بلده، والتذَّ بالنظر إلى أُحُدٍ وأحبَّه، فقد كان نبيك - صلى الله عليه وسلم - يحبه، وتملأ بالحلول في روضته ومقعده، فلن تكون مؤمنًا حتى يكون هذا السيدُ أحبَّ إليك من نفسك وولدك وأموالك والناس كلهم، وقبل حجرًا مكرّمًا نزل من الجنة، وضعْ فمك لاثما مكانا قبّله سيد البشر بيقين، فهنأك الله بما أعطاك، فما فوق ذلك مفخر، ولو ظَفِرنا بالمِحجن الذي أشار به الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الحجر ثم قبَّل محجنه لحُق لنا أن نزدحم على ذلك المحجن بالتقبيل والتبجيل، ونحن ندري بالضرورة أن تقبيل الحجر أرفع وأفضل من تقبيل مِحْجَنه ونعله، وقد كان ثابت البناني إذا رأى أنس بن مالك أخذ يده، فقبلها، ويقول: يد مست يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنقول نحن إذ فاتنا ذلك: حجر معظَّم بمنزلة يمين الله في الأرض مسته شفتا نبينا - صلى الله عليه وسلم - لاثما له، فإذا فاتك الحج، وتلقيت الوفد، فالتزم الحاج، وقبِّل فمه، وقل: فم مس بالتقبيل حجرًا قبله خليلي - صلى الله عليه وسلم".

٢- وقال (١١/٢١٢): قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيضعها على فيه يقبلها، وأحسب أني رأيته يضعها على عينه، ويغمسها في الماء ويشربه يستشفي به، ورأيته أخذ قَصعة النبي - صلى الله عليه وسلم - فغسلها في حُب الماء، ثم شرب فيها، ورأيته يشرب من ماء زمزم يستشفي به، ويمسح به يديه ووجهه".

 ثم قال الذهبي ما نصه: "قلت: أين المتنطع المنكر على أحمد، وقد ثبت أن عبد الله سأل أباه عمن يلمس رمانة منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ويمس الحجرة النبوية، فقال: لا أرى بذلك بأسًا. أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع".

٣- وذكر (١١/٢٣٠) عن فاطمة بنت أحمد بن حنبل أنها قالت: "وقع الحريق في بيت أخي صالح، وكان قد تزوج بفَتيّة، فحملوا إليه جهازًا شبيهًا بأربعة آلاف دينار، فأكلته النار، فجعل صالح يقول: ما غمَّني ما ذهب إلا ثوبٌ لأبي كان يصلي فيه أتبرك به وأصلي فيه، قال: فطفئ الحريق، ودخلوا، فوجدوا الثوب على سرير قد أكلت النار ما حوله وسلِم".

٤- وقال (١٠/١٠٧) في ترجمة السيدة نفيسة بنت الحسن: "من الصالحات العوابد، والدعاء مستجاب عند قبرها، بل وعند قبور الأنبياء والصالحين".

٥- وقال (٩/٣٤٣) وعن إبراهيم الحربي: "قبر معروف - أي الكرخي - التِّرياق المجرَّب، يريد إجابة دعاء المضطر عنده؛ لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء".

٦- وقال (١٢/٦٠٣) في ترجمة بكار بن قتيبة (ت ٢٨٠): "العلامة، المحدث، الفقيه الحنفي، قاضي القضاة بمصر... قال ابن خَلِّكان: وكان بكار تاليًا للقرآن، بكاء، صالحًا، دَيِّنًا، وقبره مشهور قد عرف باستجابة الدعاء عنده".

٧- وقال (١٦/٥١٩) في ترجمة أبي الفضل ابن الكوملاذي (ت ٣٨٠): "الإمام، العالم، الحافظ، الثبت... ويستجاب الدعاء عند قبره".

٨- وقال (١٧/٧٥) في ترجمة أبي بكر ابن لال (ت ٣٩٨): "وكان إمامًا مُفَنَّنَّا قال شيرويه: كان ثقة، أوحد زمانه، مفتي البلد، وله مصنفات في علوم الحديث، غير أنه كان مشهورًا بالفقه... والدعاء عند قبره مستجاب".

٩- وقال (١٧/٢١٥) في ترجمة ابن فُورك (ت ٤٠٤): "الإمام العلامة الصالح، شيخ المتكلمين... قال عبد الغافر في (سياق التاريخ): الأستاذ أبو بكر قبره بالحيرة يستسقى به، وقال ابن خلِّكان: ومشهده بالحِيرة يزار، ويستجاب الدعاء عنده".

١٠- وقال (١٧/٤٢٨) في ترجمة أبي بكر الأرْدَستاني محمد بن إبراهيم (ت ٤٢٤): "الإمام الحافظ الجوال الصالح العابد، قال شيرويه: كان ثقة يحسن هذا الشأن، سمعت عدة يقولون: ما من رجل له حاجة من أمر الدنيا والآخرة يزور قبره ويدعوه إلا استجاب الله له، قال: وجربت أنا ذلك".

١١- وقال (١٩/٧٧) في ترجمة أبي الحسن الخِلَعي؛ علي بن الحسين (ت ٤٩٢): "الشيخ الإمام الفقيه القدوة، مسند الديار المصرية... قال ابن الأنماطي: قبر الخلعي بالقرافة يعرف بقبر قاضي الجن والإنس، يعرف بإجابة الدعاء عنده".

١٢- وقال (١٨/٤٣٤) في ترجمة ابن زِيرَك؛ محمد بن عثمان بن أحمد القومساني (ت ٤٧١): "العلامة، شيخ همذان... قال شيرويه: وقبره يزار، ويتبرك به".

١٣- وقال (١٨/١٠١) في ترجمة أبي الحسن الذُّهلي؛ علي بن حميد (ت ٤٥٢): "إمام جامع همذان، وركن السنة... وكان ورعًا، نقيًا، محتشمًا، يُتبرك بقبره".

١٤- وقال (١٩/٥٩٨) في ترجمة الإمام، العارف، أبي عبد الله محمد بن حمويه (ت ٥٣٠): "كان ذا تأله وتعبد ومجاهدة وصدق... له في التصوف تأليف، وقبره يزار بقرية بحيراباذ".

١٥- وقال (٢١/٤٧٥) في ترجمة عبد الملك بن عيسى بن دِرْباس الماراني (ت٦٠٥): "قاضي الديار المصرية، الإمام الأوحد... روى عنه: الحافظ زكي الدين المنذري، وقال: كان مشهورًا بالصلاح والغزو، وطلب العلم، يتبرك بآثاره للمرضى".

١٦- وقال (٢٢/١٤٠) في ترجمة السلطان خوارزم شاه: "قال عز الدين علي ابن الأثير: وكان فاضلًا، عالمًا بالفقه والأصول، مكرمًا للعلماء يحب مناظرتهم، ويتبرك بأهل الدين، قال لي خادم الحجرة النبوية: أتيته فاعتنقني، ومشى لي، وقال: أنت تخدم حجرة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قلت: نعم، فأخذ يدي، وأمَرّها على وجهه، وأعطاني جملة".

١٧- وقال (٢٩/٢١٨) في ترجمة الشيخ علي البَكّاء (ت٦٧٠): "من كبار أولياء الله تعالى، أقام مدة ببلد الخليل، وكان مقصودًا بالزيارة والتبرك، ويقال: إنه قارب مئة سنة، وقبره ظاهر يزار".

١٨- وقال في كتابه (تاريخ الإسلام ٦/ ٧٥٩): "صالح بن يونس أبو شعيب الواسطي الزاهد، كان من سادات الصوفية، وَرَدَ عنه أنه رأى الحق في النوم، وحج على قدميه سبعين حجة، توفي سنة اثنتين وثمانين بالرملة، كان يعرف بالمقنع، والدعاء عند قبره مستجاب".


التبرك بالصالحين عند شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني

وقد أَفْرَدْتُ الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، قاضي القضاة، وشيخ الإسلام، وأمير المؤمنين في الحديث؛ لأنه نص على جواز التبرك بالصالحين في مواضع كثيرة من كتابه الفريد العُجاب (فتح الباري) الذي هو أعظم شروح كتب السنة على الإطلاق:

١- قال (١/٥٢٢): "وفيه التبرك بالمواضع التي صلى فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو وَطِئَها، ويستفاد منه أن من دُعي من الصالحين ليتبرك به أنه يجيب إذا أمن الفتنة".

٢- وقال (١/٦٢٣): "وفيه اجتماع أهل المحلة على الإمام أو العالم، إذا ورد منزل بعضهم؛ ليستفيدوا منه، ويتبركوا به".

٣- وقال (١/٦٧٨): "وقد تقدم حديث عتبان، وسؤاله النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي في بيته؛ ليتخذه مصلى، وإجابة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك، فهو حجة في التبرك بآثار الصالحين".

٤- وقال (١/٦٨٤): "وفي الحديث من الفوائد: التماسُ البركة مما لامسه الصالحون".

٥- وقال (٣/١٣٨): "وفي هذه الأحاديث: جوازُ تقبيل الميت تعظيمًا وتبركًا".

٦- وقال (٣/٢٩٩): "وفي هذا الحديث: استحباب التكفين في الثياب البيض وتثليث الكفن، وطلب الموافقة فيما وقع للأكابر؛ تبركًا بذلك".

٧- وقال (٣/٣٠٤): "وفيه الحرص على مجاورة الصالحين في القبور؛ طمعًا في إصابة الرحمة إذا نزلت عليهم، وفي دعاء من يزورهم من أهل الخير".

٨- وقال (٤/١١٢): "وكل مؤمن له من نفسه سائقٌ إلى المدينة؛ لمحبته في النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيشمل ذلك جميع الأزمنة؛ لأنه في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - للتعلم منه، وفي زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم للاقتداء بهديهم، ومن بعد ذلك؛ لزيارة قبره - صلى الله عليه وسلم -، والصلاة في مسجده، والتبرك بمشاهدة آثاره، وآثار أصحابه".

٩- وقال (٥/٣٤١): "وفيه طهارة النخامة والشعر المنفصل، والتبرك بفضلات الصالحين الطاهرة".

١٠- وقال (٦/٣٥٣): "ويؤخذ منه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين تبركًا بهم".

١١- وقال (٦/٦٠٠): "وفيه التبرك بطعام الأولياء والصلحاء".

١٢- وقال (١٠/٣٣٠): "وفيه استعمال آثار الصالحين ولباس ملابسهم على جهة التبرك والتيمن بها".

١٣- وقال (١٠/١٩٨): "وفي الحديث: التبرك بالرجل الصالح وسائر أعضائه، وخصوصًا اليد اليمنى".

١٤- وأفرد شيخ الإسلام ابن حجر في كتابه (المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية) بابًا بعنوان: (باب التبرك بآثار الصالحين).

١٥- وقال في (الدرر الكامنة: ٢/٤١٩) في ترجمة عبد الله المنوفي (ت ٧٤٩): "اشتهر بالديانة والصلاح والعبادة والزهادة، وحكيت عنه الكرامات الكثيرة... وحلَّ ابن الحاجب مرارًا، قبل أن يظهر له شرح، وكان يفتح عليه فيه بما لم يفتح لغيره، وكان إذا تكلم يخرج من فيه نور... وقبره مشهور يتبرك بزيارته".

١٦- وقال في (الدرر الكامنة: ٤/٢٥٢) في ترجمة محمد بن الفرات الحجازي (ت ٧٠٦): "ولا يأخذ من أحد شيئًا إلا إن جاع، فيأخذ درهمًا أو نصيفًا أو فلوسًا فيعطي ذلك لطباخ أو خباز فيعطيه مما بين يديه فيأكل فيذهب، ويتبرك الناس بما يفضل منه. ذكر ذلك كله شمس الدين الجزري في تاريخه وقال: كان لي منه نصيب وافر".

وأخيراً أقول:

إن التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبالصالحين والتبرك بهم وبآثارهم: من مسائل (الفروع) وليس العقيدة، وأول من نقلها من كونها أمرًا فرعيًا إلى اعتبارها أصلًا عقديًا هو الشيخ: تقي الدين ابن تيمية رحمه الله، فشذّ في جعلها من الأصول، وشذ في قوله بالمنع بعد أن كانت محل اتفاق بين العلماء قبله، وشذ في اعتبارها شركًا، ثم تابعه على ذلك (الشذوذ) السلفية الوهابية في هذا العصر ومن تأثر بهم.

وإن من يريد تحسين الظن بالحافظ: ابن تيمية، عليه أن يعتمد رأيه بجواز التوسل الذي نقله عنه تلميذه الحافظ: ابن كثير، لا أن ينشر كلامه الذي يلزم عليه تكفير كبار وجماهير علماء الأمة الذين نقلنا أقوالهم سابقًا متوسلين صراحة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وبآل بيته، والصالحين، ومتبركين بهم وبآثارهم!!

وقد ترتب على هذا (الضجيج الوهابي السلفي في الخمسين سنة الأخيرة: تفزيع الناس وتخويفُهم من مجرد التفكير في زيارة الأولياء والصالحين أحياءً وأمواتًا)، مما ترتب عليه خروج أجيال من عوام الناس وحملة العلم بينهم وبين الأولياء وأهل الله الصادقين جفاءٌ وقطيعة (وقلة أدب) في كثير من الأحيان، مما ترتب عليه خلوُّ الروح والنفس من عبق الصالحين وأنفاسهم ونفحاتهم، وانتشار المادية في المجتمع، والاستهانة بالأحوال الشريفة لأهل الله الصادقين.

وأوهموا (الأغرار) أنهم بذلك يحاربون البدع والشركيات، وكأننا نعيش في عهد ما قبل البعثة النبوية، وكأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يثبت عنه إخباره بأنه لا يخاف على أمته الشرك بعده.

وأؤكد هنا أننا جميعًا ضد البدع والمنكرات، لكن لا بد من التدقيق في ثبوت أنها من البدع والمنكرات اتفاقًا أو رجحانًا!

أما إدراج المباحات والمندوبات في المنكرات، ثم الحمل على الناس بالتكفير والتبديع بعد ذلك، فهذا عين الشطط والعدوان.

الخلاصة

إنَّ عمارة الأرواح في القرب من مَواطنِ الصلاح هي الأمانة التي استودعها الأكابرُ قلوبَ المحبين، لتبقى حجةً بالودِّ والولاء على كلِّ مَن حُرِم ذوقَ الوصل، فلزوم مَحجَّة الأكابر والاغتنام من نفحاتهم، ودّ ومداد، فما قست القلوبُ إلا حين جَفّت عن مَعينِ أولي الفضل، وانحبست في غياهب المادية المظلمة بعيدًا عن أنوار أهل الله.

موضوعات ذات صلة

ما هو التوسل إلى الله تعالى مفهومه وأنواعه؟ وهل يجوز التوسل بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم- في حياته وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى؟

التوسل بجناب الأنبياء والصالحين هو أدبُ المحبين ومسلك الموحدين.

التوسل والاستغاثة برسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لقضاء الحوائج من الأمور جائزة شرعًا باعتبارها وسيلة وشفاعة مقبولة عند الله تعالى.

يتساءلون: ما هو السرُّ الكامن في سيدتنا السيدة فاطمة عليها السلام؟

إن شكر النعمة بمولد الجناب الأنور صلى الله عليه وآله وسلم هو استمداد للطاقة الروحية، وهداية القلوب نحو سر المحبة الإلهية.

موضوعات مختارة