وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
فالأسرى ليسوا غنائم شخصية لمن أسرهم، بل هم أمانة في ذمة الدولة الآسرة، تلتزم بصون أرواحهم وأعراضهم أمام الله ثم أمام المجتمع الدولي [علي صادق أبو هيف: القانون الدولي العام، دار النهضة العربية ـ القاهرة، ص ٨١٩].
إنَّ المتأمل في جوهر الرسالة المحمدية يدركُ يقينًا أنها جاءت لترسيخ أدب الاستخلاف وصون بنيان الله في الأرض، ولم يكن التعامل مع الأسرى في الإسلام مجرد تدبيرٍ فرضه واقع النزاع، بل كان تجليًا لمنظومة أخلاقية قوامها الرحمة والعدل؛ فبينما تترنح بعض المواثيق الدولية اليوم أمام بشاعة الانتهاكات، نجد أنَّ الإسلام قد شيد حصنًا منيعًا لحماية كرامة الأسير وجسده وروحه، وذلك من خلال عدة مبادئ:
لم يكن القرار النبوي في أولى غزوات الإسلام (بدر) قرارًا أحاديًّا، بل كان درسًا في الشورى التي تميلُ حيث تميلُ الرحمة والمصلحة؛ فعلى الرغم من شدة بأس صناديد قريش، آثر النبي - صلى الله عليه وسلم - الرفق واللين؛ استجابةً لمشورة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -؛ طمعًا في هدايتهم [انظر: ابن كثير: السيرة النبوية، ت. مصطفى عبد الواحد، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٦ م جـ ٢، ص ٤٥٧]، وقد تجلى هذا الرفق في تنويع سبل الفداء؛ فمنهم من افتدى بماله، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يراعي الحالة المادية لكل أسير، فمنهم من دفع أربعة آلاف درهم كأبي وداعة، وأبي عزيز واسمه زرارة بن عمير وهو أَخٌ لمصعب بن عمير- رضي الله عنه- دفعتها أُمُّه، وكانت صاحبة مال وفير، ومنهم من دفع مائة أوقية كالعباس بن عبد المطلب، ومنهم من دفع ثمانين أوقية كعقيل بن أبي طالب، وقد دفعها له العباس، ودفع بعض الأسرى أربعين أوقية فقط، [ابن سعد: الطبقات الكبرى ٤/١٤]، ومنهم من جعل فداءه تعليم غلمان المسلمين القراءة والكتابة في أسمى صور الاستثمار المعرفي في الإنسان: أي من لم يكن معه مال، وكان يعرف القراءة والكتابة فكان فداؤه أن يُعَلِّم بعض المسلمين القراءة والكتابة؛ فقد روى ابن عباس قال: "كان ناسٌ من الأسرى يوم بدرٍ لم يكن لهم فداءٌ فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فداءهم أن يعلِّموا أولاد الأنصار" [رواه أحمد في مسنده].
إنَّ الشريعة الإسلامية تقرر أنَّ القوة لا تعني الاستباحة؛ ولذا زجر سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - الفاروق عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - حين أراد نزع ثنيتي سهيل بن عمرو؛ لئلا يخطب ضد الإسلام، مقررًا قاعدة أبدية: «لاَ أُمَثِّلُ بِهِ فَيُمَثِّلُ اللهُ بِي وَإِنْ كُنْتُ نَبِيًّا» [رواه الحاكم في المستدرك]، وهذا يؤصل لحرمة الجسد البشري أسيرًا كان أو طليقًا، ويمنع كل أشكال التنكيل والتعذيب التي تأنفها الفطرة السليمة.
لقد ارتقت الرحمة النبوية لتشمل الجوانب النفسية والاجتماعية للأسير، فمنع الإسلام التفريق بين ذوي القربى، حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّه بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رواه الترمذي في جامعه].
حيث ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - أروع الأمثلة في الوفاء لأهل الفضل ولو كانوا على غير دينه، حين قال في أسارى بدر: «لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلاَءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ» [رواه البخاري في صحيحه]؛ وفاءً لمنقبة المطعم في نقض صحيفة المقاطعة.
لم تكن وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - « اسْتَوْصُوا بِالْأَسْرَى خَيْرًا» [رواه الطبراني في المعجم الكبير] حبرًا على ورق، بل تحولت إلى إيثارٍ عزَّ نظيره؛ فكان الصحابة يقدمون الخبز للأسرى ويأكلون هم التمر استجابةً لهذه الوصية [ابن سعد: الطبقات الكبرى، جـ ٢، ص ١٥]، ولم يقف الأمر عند الإطعام، بل شمل حق الكسوة، حيث كسا النبي - صلى الله عليه وسلم - العباس بن عبد المطلب قميصًا [انظر: صحيح البخاري، حديث رقم ٢٨٤٦]، وأمر بشراء الثياب لسبي هوازن؛ لئلا يخرجوا إلا كاسين [انظر: دلائل النبوة للبيهقي: جـ ٥، ص ٢٦٤].
٥- العفو كمنهج للتغيير
إنَّ مشهد ثمامة بن أثال المربوط في سارية المسجد يختزلُ عبقرية الإسلام في التعامل مع الأسير؛ حيث أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإحسان إليه وإطعامه من طعامه الخاص قبل أن يمنَّ عليه بالإطلاق دون قيد أو شرط، فقد كان ثمامة بن أثال زعيمًا مشهورًا من زعماء بني حنيفة، وكان قد قرَّر أن يأتي للمدينة المنورة ليقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأسره أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاءوا به إلى المسجد النبوي، فما كان من ردِّ فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ أن قال - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «أَحْسِنُوا إِسَارَهُ» وقال أيضًا: «اجْمَعُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنْ طَعَامٍ فَابْعَثُوا بِهِ إِلَيْهِ» فكانوا يُقَدِّمُون إليه لبن لقحة الرسول. [انظر: صحيح مسلم، حديث رقم ١٧٦٤] هذا الإحسان هو الذي حوّل أبغض الوجوه إلى أحب الوجوه، وهو ما يؤكد أن هدف الإسلام من الأسر هو استنقاذ الإنسان لا التنكيل به.
إنَّ هذا الموقف الإنسانيَّ الجليل لم يكن مجرَّد عفوٍ عابر، بل كان استراتيجيةً نبويةً لبناء جسور الهداية؛ لذا لم يلبث أثرُه أن تجلَّى في انشراح صدور كبار الأسرى للإسلام، فأعلنوا توحيدهم لله - عز وجل - فور إطلاق سراحهم، ومن هؤلاء الأعلام: الوليد بن الوليد [انظر: ابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١٥هـ، جـ ٦، ص ٤٨٢]، والسائب بن عبيد [انظر: ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١٥هـ، جـ ٢، ص ٣٩٨]، وسهل بن بيضاء [انظر: ابن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، دار الجيل، بيروت، ط١، ١٤١٢هـ، جـ ٢، ص ٦٦٤]، والعباس بن عبد المطلب -في أرجح الروايات - [انظر: المحب الطبري: ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، مكتبة القدسي، القاهرة، ١٣٥٦هـ، ص ١٩١].
لقد قصدَ سيدنا الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - من هذا المسلك الراقي أن يبرهن للعالمين أنَّ جوهر دعوة الإسلام ليس إراقة الدماء أو شهوة القتل، بل هي دعوةٌ تضيقُ بالدماء ذرعًا، وتتلمَّسُ كلَّ سبيلٍ لاستنقاذ النفس البشرية وصونها؛ تحقيقًا لغاية البعثة المحمدية التي لخصها الحقُّ سبحانه في قوله: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فالإسلامُ في حقيقته هو دينُ إحياء النفوس لا إفنائها، ومنهجُ بناء الإنسان لا هدمه، وهو ما يجعلُ من السيرة النبوية مرجعًا أخلاقيًّا خالدًا لكلِّ زمانٍ ومكان.
إنَّ الفلسفة التشريعية في الإسلام لم تترك أمر الأسرى للنزوات الفردية أو ردود الأفعال الغاضبة؛ بل جعلت أمرهم موكولًا لولي الأمر (الإمام) باعتباره الممثل للمصلحة العامة، حمايةً للأسرى من الافتئات، وصونًا لصورة الإسلام الحضارية.
ولقد قطع سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - الطريق على أي تصرف آحادي تجاه الأسرى، فقرر مبدأً أمنيًّا وقانونيًّا يحفظ للأسير حياته حتى يبتَّ في أمره القضاء أو الإمام؛ روى الإمام أحمد في مسنده عن سمرة بن جندب - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَتَعَاطَى أَحَدُكُمْ أَسِيرَ أَخِيهِ فَيَقْتُلَهُ» [رواه أحمد في المسند].
لقد تجلى ذلك المبدأ في موقف سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - من فعل خالد بن الوليد - رضي الله عنه - مع بني جذيمة، فحين أمر خالد جنده بقتل أسراهم، امتنع الصحابة الورعون كابن عمر - رضي الله عنهما-؛ لعلمهم أنَّ القتل لا يكون إلا بأمر النبوة، وحين بلغ الخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يده وقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ». [رواه البخاري في صحيحه].
ويؤكد العقل الرصين أنَّ المنع من قتل الأسرى من قِبَل الآحاد لا يقف عند حدود النص التعبدي فقط، بل يستندُ إلى جملة من العلل المعقولة والمصالح المرسلة؛ حيث يهدف التشريع إلى إقرار مبدأ المعاملة بالمثل، إذ إنَّ إكرام أسرى العدو يمثلُ رسالةً أخلاقيةً وضمانةً واقعيةً تحملهم على الإحسان للأسرى الذين في أيديهم، كما أنَّ في استبقاء حياة الأسرى فتحًا لأبواب المصلحة العامة، سواءً في فكِّ رقاب الأسرى بالمفاداة أو الحصول على المال الذي يقوي شوكة الدولة، فضلًا عن المقصد السيادي الأسمى وهو منع الافتئات على السلطة والقانون؛ صونًا لهيبة الدولة من الفوضى وتغول الأفراد على حقوق ولاة الأمر [منصور بن يونس البهوتي: كشاف القناع عن متن الإقناع، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١٨هـ - ١٩٩٧م، جـ ٣، ص ٥٢].
لم تقف أخلاق المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في معاملة الأسرى عند حدود عصره، بل غدت دستورًا حضاريًا استنَّ به أتباعه؛ فحوّلوا الأسر من قيدٍ وقهر إلى رسالة رفقٍ وإنسانية، جسّدت قيم الإسلام في أبهى صورها العمليّة، ومن هذه النماذج
يروى أنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رأى أسيراً شيخاً كبيراً من أهل الذمة أو الأسرى، فدمعت عيناه وقال: "ما أنصفناك؛ أكلنا شبيبتك ثم نضيناك في كبرك!"، وأمر له بنفقة من بيت المال [أبو يوسف: كتاب الخراج، ص ١٢٦]. وهذا يوضح أن الصحابة لم يفرقوا في حسن معاملتهم بين أسيرٍ وآخر، بل كانت رحمتهم قيمةً إنسانية شاملة لا تعترف بالفوارق أو المكانة.
سجل التاريخ لصلاح الدين الأيوبي مواقف أذهلت ملوك أوروبا؛ ففي حصار (عكا)، مرض ملك إنجلترا ريتشارد قلب الأسد (وهو العدو اللدود)، فما كان من صلاح الدين إلا أن أرسل له طبيبه الخاص، وأرسل له الفاكهة والثلج؛ لتخفيف حماه وهو في خيمته، وعندما سقطت القدس، أمر صلاح الدين بإطلاق سراح الفقراء والعجزة من الأسرى الصليبيين دون فداء، بل ودفع من ماله الخاص فداءً لعدد كبير منهم؛ ليتمكنوا من العودة لبلادهم [بهاء الدين بن شداد: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفيّة، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط٢، ١٤١٥هـ - ١٩٩٤م، ص ٢٤٦].
يُروى عن الملك العادل نور الدين محمود أنه حين وقعت في يده أسيرة من نساء الفرنجة ذات مكانة، أمر بعزلها في خيمة خاصة، ووكل بها نساءً مسلمات يخدمنها، ومنع الجنود من الاقتراب من خيمتها أو حتى مخاطبتها، ثم أرسلها إلى أهلها في حصنهم معززة مكرمة دون مقابل، حفاظًا على عرضها وكرامتها [راجع: ابن الأثير الجزري: الكامل في التاريخ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م، جـ ٩، ص ٣٢١]؛ هذا هو الرقي الأخلاقي في التعامل مع المرأة الأسيرة وحماية خصوصيتها في أصعب ظروف الحرب.
إنَّ إدراك ماهية الأسر في المنظور المعاصر يقتضي الوقوف أوّلًا على مفهوم (القانون الدولي الإنساني)؛ حيث عُرف بمعناه الضيق بأنه: مجموعة القواعد الدولية المستمدة من الاتفاقيات أو العُرف، الرامية إلى حل المشكلات الإنسانية الناشئة مباشرة من المنازعات المسلحة، مقيدةً حق أطراف النزاع في استخدام ما يروق لها من أساليب الحرب، صونًا للأشخاص والأعيان المتضررين [عبد الغني محمود: القانون الدولي الإنساني، دار النهضة العربية، ط١، ١٩٩٩، ص ٥٨]، وهو التعريف الذي اعتمدته اللجنة الدولية للصليب الأحمر لضمان الحماية في النزاعات الدولية وغير الدولية على حد سواء، ونريد أن نقف على بعض الأمور منها:
أولاً: شرعية الأسر وسلطة الدولة الحاجزة
يُعدُّ اتخاذ الأسرى من الأعداء (المحاربين) عملًا مشروعًا تقتضيه الضرورة العسكرية والوقاية الإنسانية؛ إذ استقر العُرف والمواثيق الدولية على جواز أسر المقاتلين أحياءً وإخضاعهم للاعتقال حتى يتقرر مصيرهم. ولا يقتصر وصف (الأسير) على المقاتل فقط، بل يمتد ليشمل كل من يقع في قبضة العدو من محاربيه بصفة عامة وإن لم يكونوا مقاتلين [محمد حافظ غانم: الأصول الجديدة للقانون الدولي العام، دار النهضة العربية، ص ٣٤٢].
وهنا تبرز قاعدة جوهرية قررتها المادة (١٢) من اتفاقية جنيف الثالثة، وهي أنَّ أسرى الحرب يقعون تحت سلطة "الدولة الحاجزة" مباشرة، لا تحت سلطان الأفراد أو الوحدات العسكرية التي قامت بأسرهم، وهو ما يقطع الطريق على أي تصرف كيدي فردي [أحمد أبو الوفا: الوسيط في القانون الدولي العام، دار النهضة العربية، القاهرة، ص ٥٦٢]، وللدولة الحاجزة -وفقاً للمادة (٢١)- حق إخضاعهم للاعتقال وفرض حدود مكانية عليهم، شريطة أن يكون الحبس إجراءً ضروريًّا لحماية صحتهم، وألا يدوم هذا الوضع الاستثنائي لأكثر مما تتطلبه الظروف التي اقتضته [علي صادق أبو هيف: القانون الدولي العام، منشأة المعارف، الإسكندرية، ص ٨١٩].
ثانياً: المرجعيات التدوينية لحقوق الأسرى
إنَّ التنظيم القانوني الخاص بحقوق أسرى الحرب قد مرَّ بمراحل تدوينية هامة، جعلت من العرف الدولي مصدرًا رئيسيًا لها، وتجسدت في وثائق دولية كبرى، منها:
كما أن الضمير العالمي، وفي سعيه الدؤوب لتأطير الحقوق الآدميَّة، لم يقف عند حدودِ الاحتفاءِ الرمزيّ، بل صاغ قواعد ملزمة تضمن حمايةَ الإنسانِ في أحلك ظروفه؛ ومن ذلك ما عُرِف بـ (قواعد نيلسون مانديلا) والتي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في السابع عشر من ديسمبر لعام ٢٠١٥م، وتمثل هذه القواعد المرجعَ العالميَّ الأسمى في المرجعية الدولية والتي تضمنت:
كما تعد (اتفاقية جنيف الثالثة) لعام ١٩٤٩م الركيزة الأساسية لحماية أسرى الحرب، ويمكن تلخيص أبرز نقاطها فيما يلي:
تمثل هذه النصوص (دستورًا عالميًا) يهدف إلى صون بشرية الإنسان وحمايتها بقوة القانون الدولي. [اللجنة الدولية للصليب الأحمر: اتفاقيات جنيف المؤرخة في ١٢ آب/أغسطس ١٩٤٩، جنيف، ص ٨٥-٩٠].
وعلاوةً على ذلك، كفلت الاتفاقيةُ للأسرى الحقَّ في:
إن ما يشهده العالم اليوم من صراعات وتطاحن تحت ذريعة الردع والنفوذ ليس إلا نذيرًا بهلاك البشرية، ومسلكًا لاستباحة الكرامة ونهب الثروات، وفي ظل هذا التردي، نؤكد أن قانون إعدام الأسرى يمثل انتهاكًا صارخًا للقيم الإنسانية والمواثيق الدولية، وارتدادًا حضاريًّا يحوّل التشريع إلى أداة للقتل الممنهج.
إننا نعلنها ديانةً وعقلًا: لا شرعية للاحتلال، ولا لسياسات تهدر حرمة النفس الإنسانية التي عظمها الخالق؛ فكل استهداف للوجود البشري هو طعن في صميم الفطرة السوية، وإن الأزمة بلغت ذروتها في إغلاق المسجد الأقصى، وهو اعتداء سافر على حرية العبادة، ومحاولة بائسة لطمس الحقوق التاريخية والدينية، فالعدوان على بيوت العبادة هو عدوان على حرية الإنسان في أسمى صورها.
لقد تحولت مواثيق جنيف ولاهاي إلى حبر على ورق أمام آلة القتل التي وصلت بالجرائم بحق الأسرى إلى التعذيب الوحشي وسرقة الأعضاء، في سقوط أخلاقي جعل من الإذلال واستهداف العرض أداة للضغط السياسي، وهو خزي أبدي يوصم جبين الحضارة المعاصرة.
إن صمت المؤسسات الدولية المطبق عما يجري من تنكيل ممنهج ليس مجرد عجزٍ، بل هو تواطؤ سافر وإقرار ضمني بالطغيان؛ فالعالم الذي يغض الطرف عن ذبح الأسرى واستباحة الأعراض قد حكم على منظومته الأخلاقية بالإعدام.
إننا نعلنها صريحةً مدوية: إن الحق الذي لا تحميه القوة يُهضم ويُستباح، والقوة التي تتجرد من الحق والرحمة هي محض إجرام منظم وعصابات تلبس ثوب الدول.
ومن قلب مصر الأبية، قلعة السلام والحرية، نؤكد أن العلم الذي يُسخر لصناعة الموت وهندسة الإبادة هو ضلال مبين، وخيانة للأمانة الإنسانية، كما نؤكد أن صون الدماء، وحفظ الأعراض، وحماية الأسرى من سادية الجلادين، هي فرائض دينية وضرورات إنسانية مقدسة لا تقبل المساومة، ولا تخضع لموازنات السياسة المنحرفة، ولا تُعرض في مزادات المصالح الدولية.
إن قانون إعدام الأسرى وإغلاق المسجد الأقصى ليسا إلا صرخة احتضار لقيم المجتمع الدولي الذي ترك آلة القتل تعبث بكل المحرمات، ونحن من منطلق المسئولية الدينية والتاريخية، لا نهيب بضمير العالم الفاقد للوعي، بل نحذر من غضبة المظلوم ومن مآل حضارة بُنيت على الظلم والبطش؛ فالبطش مهما علا، لا يمنح احتلالًا شرعيًّا، وإن الدم المسفوك بغير حق سيظل صرخة في وجه القتلة والمستبيحين للذمم والعهود إلى يوم الدين.
إن حراسة كرامة الأسرى وصون الأعراض ليست خيارًا دبلوماسيًّا أو ترفًا سياسيًّا، بل هي ثوابت دينية ومقومات حضارية تأبى المقايضة؛ فالحق الأعزل من القوة مآله الضياع، والقوة المستكبرة بلا حق هي محض إجرام منظم ووصمة عار ستلاحق القتلة والمتواطئين بلفح لعنتها إلى يوم الدين.
الحماية هي تأمين المقومات الضرورية لحياة الإنسان وهي الضرورات الخمس: الدين- النفس- العقل- العرض- المال
الميثاق لفظ مشتق من وثق وأصل الياء في الكلمة واو وهي تدل على الإحكام والربط
الحضارة الإسلامية تمثل نموذجًا متجددًا يمكن الاستفادة منه في الحاضر والمستقبل، إذ تجمع بين القيم الروحية والتقدم المادي
من قلب حضارةٍ عريقة، تنبثق من مصر اليوم بوصفها منارة حضارية وسياحية معاصرة
الرحمة صفة عظيمة تعني التلطف بالغير والإحسان إليه ونزع الشر والسوء من النفس