معرفة طبقات الرواة والعلماء خاصة
الصحابة من المهمات التي افتضح بسبب الجهل بها غير واحد من المصنفين وغيرهم، ولهذا
قال الحاكم: "ومن تبحر في معرفة الصحابة فهو حافظ كامل الحفظ، فقد رأيت جماعة
من مشايخنا يروون الحديث المرسل عن تابعي عن النبي- صلى الله عليه وسلم -يتوهمونه
صحابيًا، وربما رووا المسند عن صحابي فيوهمونه تابعيًا" [معرفة علوم الحديث للحاكم ١/٢٢].
ومما تجدر الإشارة إليه أن الطبقة في
اللغة: عبارة عن القوم المتشابهين.
وفي اصطلاح المحدثين: عبارة عن جماعة متعاصرين اشتركوا في
السن أو تقاربوا فيه، أو اشتركوا في الأخذ عن المشايخ، وقيل: التشابه في الأسنان
والإسناد، وربما اكتفوا بالتشابه في الإسناد، فالطبقة تشتمل على ذكر الشيوخ
وأحوالهم ورواياتهم طبقة بعد طبقة، وعصرًا بعد عصر إلى زمن المؤلف.
وعلى هذا فرب شخصين يكونان من طبقة
واحدة لتشابههما بالنسبة إلى جهة، ومن طبقتين بالنسبة إلى جهة أخرى لا يتشابهان
فيها، فأنس بن مالك الأنصاري - رضي الله عنه - وغيره من أصاغر الصحابة، مع العشرة
وغيرهم من أكابر الصحابة من طبقة واحدة إذا نظرنا إلى تشابههم في أصل صفة الصحبة،
وعلى هذا فالصحابة بأسرهم طبقة أولى، والتابعون طبقة ثانية، وأتباع التابعين طبقة
ثالثة، وهلم جرا.
وإذا نظرنا إلى تفاوت الصحابة في سوابقهم
ومراتبهم كانوا على ما سبق ذكره بضع عشرة طبقة، ولا يكون عند هذا أنس رضي الله عنه
وغيره من أصاغر الصحابة من طبقة العشرة من الصحابة – رضي الله عنهم -، بل دونهم
بطبقات [قفو الأثر للذهبي ١/١١٠]
فوائد العلم بطبقات الصحابة - رضي الله
عنهم:
من فوائد العلم بالطبقات ما يلي:
١ - الأمن من تداخل المشتبهين
كالمتفقين في اسم أو كنية أو نحو ذلك.
٢ - معرفة الحديث المرسل من الحديث
الموصول؛ لأن من لا يعرف الراوي الذي يضيف الكلام إلى النبي - صلى الله عليه وسلم
- في منتهى الإسناد أهو صحابي أم تابعي، لا يستطيع معرفة ذلك الحديث أموصول أم
مرسل؟
٣ - تحديد مقدار زمن الصحبة، الأمر
الذي يمكن أن يساعد في الترجيح عند التعارض وعدم إمكان الجمع.
عدد طبقات الصحابة - رضي الله عنهم:
اختلف العلماء في عدد طبقات الصحابة ما
بين مُقلٍ ومكثرٍ، واختلافهم في ذلك مبني على اختلاف أنظارهم فيما يتحقق به معنى
الطبقة عندهم؛
فمنهم من ذهب إلى أن الصحابة طبقة
واحدة.
وممن جرى على هذا القول ابن حبان
ومن رأى رأيه، ووجهتهم فيما ذهبوا إليه: أن للصحابة من الشرف العظيم والفضل الكبير
ما يفوق كل ملحظ، ويعلو فوق كل اعتبار، فهم نظروا إلى مطلق الصحبة، قاطعين النظر
عن غيرها من سائر الاعتبارات الأخرى، ومن ثم جعلوا الصحابة كلهم طبقة واحدة، إذ
جميعهم فيها متساوون لا فضل في ذلك لأحدهم على الآخر.
ومنهم من جعل الصحابة خمس طبقات، وهي:
الأولى: البدريون، ومنهم: أبو بكر الصديق،
وعلي بن أبي طالب، وبلال بن رباح – رضي الله عنهم أجمعين – وغيرهم
ممن حضر غزوة بدر.
الثانية: من أسلم قديمًا ممن هاجر عامتهم إلى
الحبشة، وشهدوا أحدًا فما بعدها، منهم عثمان بن عفان، وزوجته رقية بنت الرسول صلى
الله عليه وسلم، والزبير بن العوام وغيرهم – رضي الله عنهم-.
الثالثة: من شهد الخندق فما بعدها، منهم سلمان
الفارسي، وسعد بن معاذ – رضي الله عنهما – وغيرهما.
الرابعة: مسلمة الفتح فما بعدها، منهم أبو
سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام – رضي الله عنهم – وغيرهم.
الخامسة: الصبيان والأطفال الذين رآهم النبي-
صلى الله عليه وسلم -ممن لم يغزُ، سواء حفظ عنه أو لم يحفظ.
وممن جرى على هذا القول ابن سعد في
كتابه "الطبقات الكبرى"، ووجهته فيما ذهب إليه: أن الصحابة – رضي
الله عنهم – وإن تساووا في شرف الصحبة لرسول الله- صلى الله عليه وسلم -إلا أنهم
متفاوتون بالنظر إلى اعتبارات أخرى، كالسبق إلى الإسلام، والغزو، وما إلى ذلك،
فيكون قد نظر إلى أمر زائد على أصل الصحبة.
ومنهم من جعلها اثنتي عشرة طبقة،
كالحاكم النيسابوري، فقد ذكر الطبقات على النحو التالي:
الأولى: قوم أسلموا بمكة كالخلفاء الأربعة.
الثانية: أصحاب دار الندوة، وهم الذين اجتمعوا
بدار الندوة لمبايعة الرسول- صلى الله عليه وسلم -حين أسلم عمر - رضي الله عنه.
الثالثة: مهاجرة الحبشة.
الرابعة: أصحاب العقبة الأولى.
الخامسة: أصحاب العقبة الثانية.
السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إليه- صلى
الله عليه وسلم -بقباء قبل أن يدخلوا المدينة.
السابعة: أهل بدر.
الثامنة: الذين هاجروا بين بدر والحديبية.
التاسعة: أهل بيعة الرضوان.
العاشرة: من هاجر بين الحديبية وفتح مكة.
الحادية عشرة: مسلمة الفتح.
الثانية عشرة: صبيان وأطفال رأوه- صلى الله عليه
وسلم -يوم الفتح في حجة الوداع وغيرها [معرفة علوم الحديث
للحاكم ٢٢-٢٤.]
ووجهة الحاكم فيما ذهب إليه: أنه نظر
إلى أمر زائد على أصل الصحبة، وقد لاحظ اعتبارات أخرى زيادة على ما لاحظه ابن سعد
في طبقاته.
ومنهم من ذهب في عد طبقات الصحابة إلى
أكثر من ذلك، كالإمام أبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي، فقد جعلها
سبعة عشر طبقة، ووجهة نظر الإمام أبي منصور البغدادي فيما ذهب إليه: أنه نظر إلى
أمر زائد على أصل الصحبة، ولاحظ اعتبارات أخرى لم يلاحظها غيره.
والمشهور عند العلماء في عد طبقات
الصحابة، هو ما ذهب إليه الحاكم من أنها اثنتا عشرة طبقة [الباعث الحثيث. تعليق
أحمد شاكر ١٨٤].
وهذا التقسيم هو الذي جرى عليه أكثر الذين كتبوا
في طبقات الصحابة – رضي الله عنهم.