Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الصحابة والمؤلفات فيهم

الكاتب

أ. د/ صالح عبد الوهاب الفقي

الصحابة والمؤلفات فيهم

الصحابة هم الذين عاشوا مع النبي  ورافقوه، وقد تميزوا بفضائل عظيمة جعلتهم رموزًا في تاريخ الإسلام، واختلف العلماء في تعريف الصحابي، لكن الغالب أن الصحابي هو من رآى النبي ولو لحظة وآمن به ومات على الإسلام.

مفهوم الصحابة

الصحابة:

إما مصدر (صَحِبَ) كـ (سَمِعَ)، وإما جمع (صاحب)، ولم يُجمع فاعل على (فعالة) سوى هذا اللفظ. ويُجمع (صاحب) على (صَحْب) كـ (راكب) و (ركب)، و (صِحَاب) كـ (جائع) و (جياع)، و (صُحْبة) بالضم، و (صُحْبان) كـ (شاب) و (شبان)، و (الأصحاب) جمع (صحب) كـ (فرخ) و (أفراخ)، و (الصحابة) الأصحاب وجمع الأصحاب (أصاحيب)، و (الصحابي) مشتق من الصحبة.

وهي – في اللغة – الاجتماع مطلقًا، قليلًا كان أو كثيرًا.

وعرفًا: من طالت ملازمته لغيره.

قال القاضي أبو بكر بن الطيِّب الباقِلَّاني:

"لا خلاف بين أهل اللغة أن الصحابي مشتق من الصحبة، جارٍ على كل من صحب غيره قليلًا أو كثيرًا، يُقال: صحبه شهرًا ويومًا وساعة، وهذا يوجب في حكم اللغة إجراء هذا على من صحب النبي -صلى الله عليه وسلم- ولو ساعة، هذا هو الأصل، ومع هذا فقد تقرر للأمة عرف في أنهم لا يستعملونه إلا فيمن كثرت صحبته" [مختار الصحاح للرازي ٣٥٦، والمفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ٤٠٥، ٤٠٦].

واصطلاحًا:

خلاف بين العلماء في حد الصحابي، ومنشأ هذا الاختلاف هو: ما يجب مراعاته في المعنى الاصطلاحي، هل يراعى فيه المعنى اللغوي أو المعنى العرفي؟

خلاصة الأقوال في تعريف الصحابي

وإليك خلاصة الأقوال في تعريف الصحابي:

القول الأول: الصحابي: كل مسلم رأى رسول الله  ولو لحظة، ومات على الإسلام.

هذا هو الصحيح في حدِّه، وهو مذهب أحمد ابن حنبل، وأبي عبد الله البخاري في صحيحه، والمحدثين كافة، قاله النووي [شرح النووي على صحيح مسلم ١/٣٦].

القول الثاني: الصحابي: كل من رأى رسول الله ، وقد أدرك الحلم فأسلم، وعقل أمر الدين ورضيه، فهو عندنا ممن صحب رسول الله  ولو ساعة من نهار.

حكاه الواقدي عن أهل العلم [أسد الغابة لابن الأثير ١/١٩، وفتح المغيث للسخاوي ٣/٩٢].

القول الثالث: الصحابي: من طالت مجالسته للنبي ، على طريق التَّبع له، والأخذ عنه.

قاله أصحاب الأصول أو بعضهم، وابن الصباغ، وأبو الحسين البصري، والكيا الهَرَّاسي الطبري، وابن فُورَك، وحكاه عنهم أبو المظفَّر السمعاني [فتح المغيث للسخاوي ٣/٨٧، ٩٢.].

القول الرابع: الصحابي: من أدرك زمنه  مسلمًا، وإن لم نقف له على رؤية.

وعلى هذا عمل ابن عبد البر في "الاستيعاب"، وابن منده في "الصحابة" [فتح المغيث للسخاوي ٣/٩٣، ٩٥، ٩٦].

القول الخامس: الصحابي هو: من لقي النبي  مؤمنًا به، ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة في الأصح. قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني.

وكل هذه التعاريف اعترض عليها العلامة السخاوي، ويمكن أن يُنتَزَع من اعتراضات السخاوي تعريفًا للصحابي يقال فيه:

الصحابي: كل مميز لقي النبي  بعد بعثته، وقبل انتقاله من الدنيا يقظة في عالم الشهادة، وآمن به، ومات على الإسلام، وإن تخللت ردة في الأصح.

شرح التعريف:

فقولنا: (كل مميز): قيد في التعريف، يُخرج به غير المميز، فإنه لا صحبة له.

وقولنا: (لقي النبي ): يشمل من لقيه ورآه، ومن لقيه ولم يره لعارض كالعمى، ومن طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يروِ، ومن غزا معه أو لم يغزُ، ومن رآه رؤية ولم يجالسه، فهؤلاء جميعًا صحابة، ويُخرج به من لم يلقه أصلًا فليس بصحابي.

وقولنا: (بعد بعثته): يُخرج به من لقيه واجتمع به قبل بعثته ، كزيد بن عمرو بن نُفيل، وبَحيرى الراهب، فإنهما ليسا من الصحابة، أما من لقيه بعد بعثته وقبل الدعوة، كورقة بن نوفل، فالصحيح أنه صحابي.

وقولنا: (يقظة): يُخرج به من اجتمع بالنبي ﷺ بعد وفاته عن طريق الكشف، يقظة أو منامًا، فهؤلاء جميعًا غير معدودين في الصحابة.

وقولنا: (في عالم الشهادة): يُخرج به من لقيه ﷺ في عالم الغيب، كالأنبياء –عليهم الصلاة والسلام– ليلة المعراج، فليسوا بصحابة إلا عيسى ابن مريم –عليه السلام– فإنه ﷺ رآه رؤيةً عرفيةً حيًا بجسده، بناءً على المشهور من أنه رُفِع إلى السماء ولم يَمُت، فهو إذًا صحابي.

وقولنا: (وآمن به): يدخل فيه جميع من آمن به، سواء كان من الإنس، أو من الجن، أو من الملائكة، ويُخرج به: من لقيه  ولم يؤمن كيهود المدينة ومشركي مكة، فهؤلاء ليسوا بصحابة.

وقولنا: (ومات على الإسلام): يخرج به من آمن به في حياته، ثم ارتد عن الإسلام ومات على الكفر، كعبيد الله بن جحش، وعبد الله بن خطل، وربيعة بن أمية بن خلف الجُمَحي، وغيرهم، فليسوا بصحابة.

وقولنا: (وإن تخللت ردة في الأصح):

يدخل فيه من لقيه  مسلمًا ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام ثانية، ولم يلقه بعد إسلامه الثاني، كالأشعث بن قيس بن معد يكرب الكوفي، وعطارد بن حاجب التميمي، وغيرهما، فإن الراجح أنهما من الصحابة، بدليل عَدِّ المحدثين لهم في الصحابة، وبدليل إخراج أحاديثهم في المسانيد وغيرها، والردة أحبطت ثواب العمل فقط [نخبة الفكر لابن حجر ١/٢٣٠، والإصابة ١/٧، ونزهة النظر ص ٢٩، وفتح المغيث للسخاوي ٣/٩١، ٩٢، والصحابة وجهودهم في خدمة الحديث النبوي للدكتور السيد محمد نوح. مطابع الوفاء المنصورة. (هذا الكتاب من أبدع الكتب التي نقلت منها بتصرف)].

عدالة الصحابة

عدالة الصحابة:

خصَّ الله – سبحانه وتعالى – الصحابة – رضي الله عنهم – بخصيصة ليست لطبقة من الناس غيرهم، وهي أنهم لا يُسأل عن عدالة أحدٍ منهم، فهم جميعًا عدول ثبتت عدالتهم بالكتاب والسنة.

أما الكتاب فقوله تعالى: {كُنتُمۡ ‌خَيۡرَ ‌أُمَّةٍ ‌أُخۡرِجَتۡ ‌لِلنَّاسِ} [آل عمران: ١١٠] وقوله: {‌وَكَذَٰلِكَ ‌جَعَلۡنَٰكُمۡ ‌أُمَّةٗ ‌وَسَطٗا ‌لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ} [البقرة: ١٤٣] 

ومما ذُكِر في فضلهم من القرآن الكريم:

قول الله تعالى {وَٱلسَّٰبِقُونَ ‌ٱلۡأَوَّلُونَ ‌مِنَ ‌ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ[التوبة: ١٠٠] وقوله تعالى: {لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا * ‌وَمَغَانِمَ ‌كَثِيرَةٗ ‌يَأۡخُذُونَهَاۗ ‌وَكَانَ ‌ٱللَّهُ ‌عَزِيزًا ‌حَكِيمٗا } [الفتح: ١٨-١٩] 

أما السنة فما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَه» [والمد بالضم في الأصل: ربع صاع، وإنما قدره به لأنه أقل ما كانوا يتصدقون به في العادة. ورُوي مد بالفتح وهو الغاية من قولهم: لا يبلغ فلان مَدَّ فلان أي لا يلحق شأوه، وقيل: إن أصل المد مقدر بأن يمد الرجل يديه فيملأ كفيه طعامًا. والنصيف: النصف كالعشير والخميس. راجع: الفائق في غريب الحديث لابن الأثير ٣/٣٥٣، ولسان العرب ٣/٤٠٠، (غريب الحديث للخطابي ١/٢٤٨) والحديث أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل الصحابة: باب قول النبي- صلى الله عليه وسلم -(لو كنت متخذًا خليلًا) ٣/١٣١٣ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وكتاب الشهادات: باب لا يشهد على شهادة جور إذا أُشهد ٢/٩٣٨ عن عبد الله رضي الله عنه، وكتاب فضائل الصحابة: باب فضائل أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم -ورضي الله عنهم ومن صحب النبي- صلى الله عليه وسلم -أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه ٣/١٣٣٥ عنه.]

وروى البخاري أيضًا بسنده عن عبد الله -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «خَيْرُ الناسِ قَرْنِي، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونَهم، ثم يَجِيءُ أقوامٌ تَسْبِقُ شَهادةُ أحدِهم يمينَه، ويَمِينُه شهادَتَه» [أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق: باب ما يُحذَّر من زهرة الدنيا والتنافس فيها ج٥/٢٣٦٢ عن عبد الله رضي الله عنه].

وروى الطبراني بسنده عن عُوَيم بن ساعدة عن أبيه عن جده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى اختارَني، واختارَ لي أصحابًا، فجعلَ لي منهم وزراءَ، وأنصارًا، وأصهارًا، فمن سَبَّهم فعليهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ، لا يُقبلُ منه يومَ القيامةِ صَرفٌ ولا عدلٌ» [المعجم الأوسط للطبراني ١/١٤٤، والمعجم الكبير للطبراني ١٧/١٤٠]

معرفة الصحبة

ضوابط معرفة الصحبة:

تثبت الصحبة بأمر من الأمور التالية:

أولًا: التواتر، بأن يُنقل إثبات صحبته عن عدد كثير جدًا من الصحابة، كالخلفاء الراشدين الأربعة.

ثانيًا: الشهرة والاستفاضة القاصرة عن رتبة التواتر، كضِمام بن ثعلبة، وعُكَّاشة بن مِحصَن.

ثالثًا: أن يروى عن واحد من الصحابة أن فلانًا له صحبة، إما صراحة، كأن يقول: إن فلانًا له صحبة، أو ضمنًا، كأن يقول: كنت أنا وفلان عند النبي- صلى الله عليه وسلم -أو دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم، بشرط أن يُعرَف إسلام المذكور في تلك الحال.

رابعًا: أن يروى عن أحد من التابعين أن فلانًا له صحبة.

خامسًا: أن يقول هو عن نفسه إنه صحابي، وذلك بشرطين:

الأول: أن يكون ثابت العدالة.

الثاني: أن يكون في المدة الممكنة، وهي مائة سنة أو مائة سنة وعشر سنين بعد هجرته - صلى الله عليه وسلم -؛ ولهذا الضابط المذكور في معنى المعاصرة لم يصدق الأئمة أحدًا ادّعى الصحبة بعد المدة المذكورة، فقد ادعاها قوم – بعد هذا التاريخ – فكذبوا، مثل رَتَن بن عبد الله الهندي الذي ظهر بعد الستمائة بالمشرق، وادعى الصحبة [الإصابة لابن حجر ٢/٥٢٣-٥٣٩، ولسان الميزان ٢/٤٥٠-٤٥٥].

الصحابة المكثرون من الفتيا

الصحابة المكثرون من الفتيا:

المكثرون من الصحابة – رضي الله عنهم – فيما رُوي عنهم من الفتيا ثمانية [الإحكام لابن حزم ٥/٨٧]، يمكن أن يُجمع من فتيا كل واحد منهم سفر ضخم، وهم:

- عائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها.

- عمر بن الخطاب – رضي الله عنه.

- أبو هريرة – رضي الله عنه.

- عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما.

- علي بن أبي طالب – رضي الله عنه.

- عبد الله بن العباس – رضي الله عنهما.

- عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه.

- زيد بن ثابت -رضي الله عنه.

طبقات الصحابة

معرفة طبقات الرواة والعلماء خاصة الصحابة من المهمات التي افتضح بسبب الجهل بها غير واحد من المصنفين وغيرهم، ولهذا قال الحاكم: "ومن تبحر في معرفة الصحابة فهو حافظ كامل الحفظ، فقد رأيت جماعة من مشايخنا يروون الحديث المرسل عن تابعي عن النبي- صلى الله عليه وسلم -يتوهمونه صحابيًا، وربما رووا المسند عن صحابي فيوهمونه تابعيًا" [معرفة علوم الحديث للحاكم ١/٢٢].

ومما تجدر الإشارة إليه أن الطبقة في اللغة: عبارة عن القوم المتشابهين.

وفي اصطلاح المحدثين: عبارة عن جماعة متعاصرين اشتركوا في السن أو تقاربوا فيه، أو اشتركوا في الأخذ عن المشايخ، وقيل: التشابه في الأسنان والإسناد، وربما اكتفوا بالتشابه في الإسناد، فالطبقة تشتمل على ذكر الشيوخ وأحوالهم ورواياتهم طبقة بعد طبقة، وعصرًا بعد عصر إلى زمن المؤلف.

وعلى هذا فرب شخصين يكونان من طبقة واحدة لتشابههما بالنسبة إلى جهة، ومن طبقتين بالنسبة إلى جهة أخرى لا يتشابهان فيها، فأنس بن مالك الأنصاري - رضي الله عنه - وغيره من أصاغر الصحابة، مع العشرة وغيرهم من أكابر الصحابة من طبقة واحدة إذا نظرنا إلى تشابههم في أصل صفة الصحبة، وعلى هذا فالصحابة بأسرهم طبقة أولى، والتابعون طبقة ثانية، وأتباع التابعين طبقة ثالثة، وهلم جرا.

 وإذا نظرنا إلى تفاوت الصحابة في سوابقهم ومراتبهم كانوا على ما سبق ذكره بضع عشرة طبقة، ولا يكون عند هذا أنس رضي الله عنه وغيره من أصاغر الصحابة من طبقة العشرة من الصحابة – رضي الله عنهم -، بل دونهم بطبقات [قفو الأثر للذهبي ١/١١٠]

فوائد العلم بطبقات الصحابة - رضي الله عنهم:

من فوائد العلم بالطبقات ما يلي:

١ - الأمن من تداخل المشتبهين كالمتفقين في اسم أو كنية أو نحو ذلك.

٢ - معرفة الحديث المرسل من الحديث الموصول؛ لأن من لا يعرف الراوي الذي يضيف الكلام إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في منتهى الإسناد أهو صحابي أم تابعي، لا يستطيع معرفة ذلك الحديث أموصول أم مرسل؟

٣ - تحديد مقدار زمن الصحبة، الأمر الذي يمكن أن يساعد في الترجيح عند التعارض وعدم إمكان الجمع.

عدد طبقات الصحابة - رضي الله عنهم:

اختلف العلماء في عدد طبقات الصحابة ما بين مُقلٍ ومكثرٍ، واختلافهم في ذلك مبني على اختلاف أنظارهم فيما يتحقق به معنى الطبقة عندهم؛

فمنهم من ذهب إلى أن الصحابة طبقة واحدة.

وممن جرى على هذا القول ابن حبان ومن رأى رأيه، ووجهتهم فيما ذهبوا إليه: أن للصحابة من الشرف العظيم والفضل الكبير ما يفوق كل ملحظ، ويعلو فوق كل اعتبار، فهم نظروا إلى مطلق الصحبة، قاطعين النظر عن غيرها من سائر الاعتبارات الأخرى، ومن ثم جعلوا الصحابة كلهم طبقة واحدة، إذ جميعهم فيها متساوون لا فضل في ذلك لأحدهم على الآخر.

ومنهم من جعل الصحابة خمس طبقات، وهي:

الأولى: البدريون، ومنهم: أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وبلال بن رباح – رضي الله عنهم أجمعين – وغيرهم ممن حضر غزوة بدر.

الثانية: من أسلم قديمًا ممن هاجر عامتهم إلى الحبشة، وشهدوا أحدًا فما بعدها، منهم عثمان بن عفان، وزوجته رقية بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، والزبير بن العوام وغيرهم – رضي الله عنهم-.

الثالثة: من شهد الخندق فما بعدها، منهم سلمان الفارسي، وسعد بن معاذ – رضي الله عنهما – وغيرهما.

الرابعة: مسلمة الفتح فما بعدها، منهم أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام – رضي الله عنهم – وغيرهم.

الخامسة: الصبيان والأطفال الذين رآهم النبي- صلى الله عليه وسلم -ممن لم يغزُ، سواء حفظ عنه أو لم يحفظ.

وممن جرى على هذا القول ابن سعد في كتابه "الطبقات الكبرى"، ووجهته فيما ذهب إليه: أن الصحابة – رضي الله عنهم – وإن تساووا في شرف الصحبة لرسول الله- صلى الله عليه وسلم -إلا أنهم متفاوتون بالنظر إلى اعتبارات أخرى، كالسبق إلى الإسلام، والغزو، وما إلى ذلك، فيكون قد نظر إلى أمر زائد على أصل الصحبة.

ومنهم من جعلها اثنتي عشرة طبقة، كالحاكم النيسابوري، فقد ذكر الطبقات على النحو التالي:

الأولى: قوم أسلموا بمكة كالخلفاء الأربعة.

الثانية: أصحاب دار الندوة، وهم الذين اجتمعوا بدار الندوة لمبايعة الرسول- صلى الله عليه وسلم -حين أسلم عمر - رضي الله عنه.

الثالثة: مهاجرة الحبشة.

الرابعة: أصحاب العقبة الأولى.

الخامسة: أصحاب العقبة الثانية.

السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إليه- صلى الله عليه وسلم -بقباء قبل أن يدخلوا المدينة.

السابعة: أهل بدر.

الثامنة: الذين هاجروا بين بدر والحديبية.

التاسعة: أهل بيعة الرضوان.

العاشرة: من هاجر بين الحديبية وفتح مكة.

الحادية عشرة: مسلمة الفتح.

الثانية عشرة: صبيان وأطفال رأوه- صلى الله عليه وسلم -يوم الفتح في حجة الوداع وغيرها [معرفة علوم الحديث للحاكم ٢٢-٢٤.]

ووجهة الحاكم فيما ذهب إليه: أنه نظر إلى أمر زائد على أصل الصحبة، وقد لاحظ اعتبارات أخرى زيادة على ما لاحظه ابن سعد في طبقاته.

ومنهم من ذهب في عد طبقات الصحابة إلى أكثر من ذلك، كالإمام أبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي، فقد جعلها سبعة عشر طبقة، ووجهة نظر الإمام أبي منصور البغدادي فيما ذهب إليه: أنه نظر إلى أمر زائد على أصل الصحبة، ولاحظ اعتبارات أخرى لم يلاحظها غيره.

والمشهور عند العلماء في عد طبقات الصحابة، هو ما ذهب إليه الحاكم من أنها اثنتا عشرة طبقة [الباعث الحثيث. تعليق أحمد شاكر ١٨٤].

وهذا التقسيم هو الذي جرى عليه أكثر الذين كتبوا في طبقات الصحابة – رضي الله عنهم.

حجية أقوال الصحابة

اختلف العلماء في منزلة أقوال الصحابة، وفتاواهم، وأفعالهم من الاحتجاج وعدمه على ثلاثة أقوال:

الأول: أن أقوال الصحابة وفتاواهم وأفعالهم حجة ما لم يكن في المسألة نص من كتاب أو سنة.

وقد أطال الحافظ ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين" في الاحتجاج لهذا القول، ببراهين قاطعة من الكتاب والسنة والعقل والواقع [إعلام الموقعين لابن القيم ٣/٣٧٧-٤٠٦.].

 الثاني: أنها ليست حجة.

ذلك أن الصحابي مجتهد ككل المجتهدين، فيجوز عليه من الخطأ ما يجوز على غيره، وكذلك الأدلة الدالة على بطلان التقليد تشمله، وامتيازه بالتقوى والفضل والعلم لا يوجب على مجتهد آخر تقليده، والمأثور عنه لا يرقى إلى مرتبة الخبر المرفوع، وهو مؤخر عن القياس إذا كان راويه معروفًا بالرواية دون الفقه.

وأيضًا عُرِف عن الصحابة أنهم ما كانوا يفتون بإلزام الناس بآرائهم إذا وجدوا غيرها أقوم دليلًا وأهدى سبيلًا [أصول التشريع الإسلامي للدكتور علي حسب الله ص ٧٦ بتصرف.]

فقد أفتى عمر - رضي الله عنه - بالإفراد في الحج، وأفتى ابنه عبد الله - رضي الله عنه - بالتمتع، فقيل له: تخالف أباك؟ فقال: "ويْلكم! ألا تتقون الله؟ إن كان عمر نهى عن ذلك، فإنما كان يبتغي الخير بإتمام العمرة، إنه لم يقل لكم: إن العمرة في أشهر الحج حرام؛ بل قال: إن أتم العمرة أن تُفردوها من أشهر الحج، فلم تحرمون ما أحل الله، وعمل به رسوله؟ أفسنة رسول الله أحق أن تتبعوا أم سنة عمر؟" [المرجع السابق].

الثالث: التوسط:

وخلاصته:

  أن ما رُوي عن الصحابة يكون حجة بشروط:

١ - ألا يكون مصادمًا للكتاب والسنة، ورأي صحابي آخر أحفظ وأفقه.

٢ - أن يكون مما لا يدرك بالاجتهاد والرأي، كالثواب والعقاب ونحو ذلك.

٣ - وألا يكون هذا الصحابي معروفًا بالأخذ من الإسرائيليات.

وإنما كان المروي عن الصحابة حجة بهذه الشروط لوجودهم في عصر النبي- صلى الله عليه وسلم -ومشاهدتهم الوحي والتنزيل، هذا مع متانة الدين، وقوة اليقين، والتضحية بالغالِي والنفيس في سبيل نصرة وحماية هذا الدين.

أما إذا اختلت هذه الشروط كلًا أو بعضًا فالأمر مختلف فيه:

فقيل: إنه حجة، لأن احتمال السماع من الرسول- صلى الله عليه وسلم -أرجح من عدمه، وحتى إذا لم يكن سماع من رسول الله- صلى الله عليه وسلم -فإنه أقرب إلى الصواب، لما عرف عنهم من الاستقامة، ونفاذ البصيرة وجودة الفقه في دين الله.

وقيل: إنه ليس بحجة؛ لأن احتمال السماع ليس راجحًا، على أنه يجوز أن يكون الصحابي اجتهد فأخطأ في اجتهاده، إذ هو غير ممنوع من الاجتهاد، وأيضًا لو كان عنده نقل عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم -لصرَّح به، إلا أن يكون قد نسيه.

وأرى - والله أعلم - أن رأي الصحابي في مثل هذه الحال مما يُستأنس به على أقل تقدير.

 هذا ما انتهى إليه الأستاذ الدكتور السيد نوح في المسألة، وأنا مع الإمام الذهبي في حجية قول الصحابي الذي لم يأخذ عن الكتب القديمة قولًا لا مجال للاجتهاد فيه، ولا له تعلق ببيان لغة أو شرح غريب كأخبار بدء الخلق والأنبياء والملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة، وكأخبار تضمنت الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، أو يقول: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا.

وكذلك احتج بفعل الصحابي إذا نُقل فعلًا لم يُضِفه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا الفعل مما لا مجال للاجتهاد فيه، وإذا أخبر الصحابي أنهم كانوا يفعلون في زمن النبي- صلى الله عليه وسلم -كذا أو كنا نفعل كذا من غير أن يُضِفه إلى عهده- صلى الله عليه وسلم -أرى أن كل ذلك حجة ما لم يتعارض مع القرآن وصريح المرفوع إليه- صلى الله عليه وسلم -[راجع: قفو الأثر للذهبي ١/٩٢-٩٤].

عدد الصحابة

يَصعب ضبط عدد الصحابة – رضوان الله عليهم – بالتحديد لتفرقهم في البوادي والقرى، وللعلماء أقوال مأثورة في ذلك منها:

الصحابة يزيدون على عشرة آلاف:

روى البخاري في "الصحيح" عن كعب بن مالك رضي الله عنه – في معرض حديثه عن غزوة تبوك – قال: «وَالمسلمونَ معَ رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -كثيرٌ، ولا يجمعُهم كتابٌ حافظٌ – يُريدُ الديوانَ» [صحيح البخاري: كتاب المغازي: باب حديث كعب بن مالك وقول الله - عز وجل: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} ٤/٤١٥٦]

وفي رواية مسلم يقول كعب رضي الله عنه: «وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم -بِنَا سَاعَةً كَثِيرِينَ يَزِيدُونَ عَلَىٰ عَشَرَةِ آلَافٍ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ دِيوَانُ حَافِظٍ» [صحيح مسلم: كتاب التوبة: باب حديث توبة كعب وصاحبيه ١٧/٨٩.].

وحدد عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – عدد من خرج مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم -عام الفتح بقوله كما في صحيح البخاري: " ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ فِي رَمَضَانِ مِنَ الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَذَلِكَ عَلَىٰ رَأْسِ ثَمَانِيَةِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ "[صحيح البخاري: كتاب المغازي: باب غزوة الفتح في رمضان ٤/١٠٠٨.]

وعند الحاكم في "المستدرك": عن ابن سيرين قال: "ثارت الفتنة وأصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم - عشرة آلاف لم يُخَف فيها منهم إلا أربعون رجلًا، وقف مع علي مائتان وبضعة وأربعون رجلًا من أهل بدر فيهم أبو أيوب وسهل بن حنيف وعمار بن ياسر" [مستدرك الحاكم: كتاب الفتن والملاحم ٤/٤٨٦]

١ - وقيل: إنهم تسعون ألف صحابي، وهم الذين حضروا حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

٢ - وقيل: مائة ألف وأربعة عشر ألفًا:

روى الرامهرمزي بسنده عن محمد بن أحمد بن جامع الرازي قال: سمعت أبا زرعة وقال له رجل: يا أبا زرعة أليس يُقال حديث النبي- صلى الله عليه وسلم -أربعة آلاف حديث؟ قال: "ومن قال ذا؟ قلقل الله أنيابه. هذا قول الزنادقة، ومن يُحصي حديث رسول الله؟ قُبض رسول الله- صلى الله عليه وسلم -عن مائة ألف وأربعة عشر ألف من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه". فقال له الرجل: يا أبا زرعة هؤلاء أين كانوا وسمعوا منه؟ قال: "أهل المدينة وأهل مكة ومن بينهما، والأعراب ومن شهد معه حجة الوداع، كل رآه وسمع منه" [الجامع لأخلاق الراوي ٢/٢٩٣.]

قال العراقي: "وفي هذا التحديد بهذا العدد المذكور نظر كبير، وكيف يمكن الاطلاع على تحرير ذلك مع تفرق الصحابة في البوادي والقرى، والموجود عن أبي زرعة بالأسانيد المتصلة إليه ترك التحديد في ذلك وأنهم يزيدون على مائة ألف.

ومع ذلك فجميع من صنف في الصحابة لم يبلغ مجموع ما في تصانيفهم عشرة آلاف مع أنهم يذكرون من توفي في حياته- صلى الله عليه وسلم -في المغازي وغيرها، ومن عاصره وهو مسلم وإن لم يره، وجميع من ذكره ابن منده في الصحابة قريب من ثلاثة آلآف وثمانمائة ترجمة ممن رآه أو صحبه أو سمع منه أو ولد في عصره أو أدرك زمانه أو من ذكر فيهم وإن لم يثبت ومن اختلف له في ذلك، ولا شك أنه لا يمكن حصرهم بعد فشو الإسلام..." [التقييد والإيضاح ١/٣٠٥.]

المصنفات في الصحابة:

بدأت المصنفات في الصحابة – رضي الله عنهم – في القرن الثالث الهجري.

ومن هذه الكتب:

 -        كتاب (من نزلوا من الصحابة سائر البلدان) للإمام علي بن المديني المتوفى سنة ٢٣٤هـ.

-        كتاب (الصحابة) للإمام البخاري، صاحب الصحيح، المتوفى سنة ٢٥٦هـ.

-        كتاب (أولاد الصحابة) وكتاب (تجريد أسماء الصحابة) للإمام مسلم بن الحجاج المتوفى سنة ٢٦١هـ.

-        كتاب (أسماء الصحابة وعدد ما رووا) للإمام بقي بن مخلد الأندلسي المتوفى سنة ٢٧٦هـ.

-        كتاب (أسماء الصحابة) للترمذي صاحب الجامع الصحيح المتوفى سنة ٢٧٩هـ.

-        كتاب (الصحابة) للعلامة محمد بن عبد الله الحضرمي المتوفى سنة ٢٩٧هـ.

-        كتاب (معجم الصحابة) لأبي يعلى المتوفى سنة ٣٠٧هـ.

-        كتاب (الصحابة) للعسكري المتوفى سنة ٣٠٠هـ.

-        (الاستيعاب في أسماء الأصحاب) لأبي عمر بن عبد البر حافظ المغرب المتوفى سنة ٤٦٣هـ.

ثم تتابعت المؤلفات في هذا الباب، ومن أشملها:

-        كتاب (أسد الغابة في معرفة الصحابة) للحافظ المؤرخ عز الدين علي بن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٤٠هـ، وقد جمع فيه (٧٥٥٤) صحابيًا.

-        (التجريد) للحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، وزاد عليه حتى بلغ عددهم مع التهذيب (٨٨٦٦) صحابيًا.

-        (الإصابة في تمييز الصحابة) للحافظ الكبير شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ، وقد جمع فيه حوالي (٩٤٧٧) ترجمة للأسماء، و (١٢٦٨) للكنى، و (١٥٥٢) للصحابيات.

وفي مناهج المحدثين تعريف بعدد من المؤلفات في الصحابة، حسب الترتيب الزمني لها، فتُراجع.

الخلاصة

الصحابي في اللغة هو من صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو لوقت قصير، بينما اختلف العلماء في تحديد معناه الاصطلاحي، فبعضهم يشترط طول الصحبة أو رؤية النبي بعد البلوغ، الصحابة جميعهم عدول ثبتت عدالتهم بالقرآن والسنة، وتعددت طبقاتهم وفقًا لأسبقياتهم في الإسلام.

موضوعات ذات صلة

اهتم المحدثون بمعرفة الصحابة لتمييز الأحاديث المسندة من المرسلة، وقد ظهرت العديد من المؤلفات في هذا المجال.

الصّحابيّ هو من لقي النبيّ -صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به ومات على الإسلام، ويشمل من رآه صغيرًا أو عاد بعد ردّة.

حين نقرأ في سِيَر العظماء من الصحابة، يلفت أنظارنا أربعة أنوار ساطعة عُرفوا في كتب العلم باسم "العبادلة".

موضوعات مختارة