يروي مُنَازل بن لاحِق مأساته بنفسه، واصفًا حاله في شبابه حيث كان غارقًا في اللهو والطرب، لا يفيق منهما. وكان له والدٌ شفيقٌ لا يفتأ يعظه ويذكّره بالله قائلًا: "يا بني! احذر هفوات الشباب وعثراته؛ فإن لله سطوات ونقمات ما هي من الظالمين ببعيد".
ولكن "مُنَازلًا" كان يقابل النصح بالجحود، فكلما ألحَّ عليه أبوه بالموعظة، ألحَّ هو على أبيه بالضرب والإيذاء. وفي يومٍ من الأيام، اشتدَّ إلحاح الأب في النصح خوفًا على ولده، فما كان من الولد إلا أن أوجعه ضربًا شديدًا.
عندها نفد صبر الوالد، وأقسم بالله جاهدًا ليذهبنَّ إلى بيت الله الحرام، وليتعلقنَّ بأستار الكعبة، وليدعونَّ على ولده العاق. وبالفعل، خرج الأب المكلوم قاصدًا مكة، حتى انتهى إلى البيت الحرام، فتعلق بأستار الكعبة
وأنشد شاكيًا إلى ربه:
يَا
مَنْ إِلَيْهِ أَتَى الْحُجَّاجُ قَدْ قَطَعُوا … عُرْضَ الْمَهَامِهِ مِنْ قُرْبٍ
وَمِنْ بُعْدِ
إِنِّي
أَتَيْتُكَ يَا مَنْ لا يُخَيِّبُ مَنْ … يَدْعُوهُ مُبْتَهِلا بِالْوَاحِدِ
الصَّمَدِ
هَذَا
مُنَازِلٌ لا يَرْتَدُّ عَنْ عُقَقِي … فَخُذْ بِحَقِّي يَا رَحْمَانُ مِنْ
وَلَدِي
وشِلَّ مِنْهُ
بِحَوْلٍ مِنْكَ جَانِبَهُ … يَا مَنْ تَقَدَّسَ لَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَلِدِ
فما إن أتمَّ الوالد دعاءه حتى استجاب الله له من فوره؛ فأصبح "مُنَازل" مشلولًا في نصف جسمه الأيمن، عبرةً للمعتبرين. [التوابين، لابن قدامة، ص١٤٣ بنحوه].