Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

جريمة عقوق الوالدين في الشريعة الإسلامية

الكاتب

هيئة التحرير

جريمة عقوق الوالدين في الشريعة الإسلامية

إن بر الوالدين عبادة جليلة قَرَنَهَا الله بتوحيده في كتابه العزيز، وجعل عقوقهما من أكبر الكبائر الموجبة للخذلان وضياع الأجر في الدارين، والعقوق له العواقب الوخيمة، ومن عواقبه الوخيمة أنها تحرم العبد من التوفيق وريح الجنة، فالعقوق ليس مجرد ذنبٍ عابرٍ، بل هو انقطاعٌ عن أصل الإحسان وسببٌ لِمَحْقِ البركة وسوء المنقلب.

معنى عقوق الوالدين

العقوق في اللغة: مشتق من العَقِّ، وهو القطع. [ابن منظور، لسان العرب ١٠/٢٥٦].

عقوق الوالدين: "صدور ما يتأذى به الوالد من ولده من قول أو فعل، إلا في شرك أو معصية". [فتح الباري ـ لابن حجر العسقلاني (١٠ / ٤٠٦)].

قال الإمام ابن الجوزي (رحمه الله): "عقوق الوالدين: مخالفة الوالدين فيما يأمران به من المباح، وسوء الأدب في القول والفعل". [كتاب البر والصلة - لابن الجوزي، ص ١١٦].

التحذير من عقوق الوالدين في القرآن الكريم

لقد حذرَ اللهُ سبحانه وتعالى عبادَه تحذيرًا شديدًا من خطرِ عقوقِ الوالدينِ وقطعِ الأرحام وقرنَ ذلك بالفسادِ في الأرضِ والخسرانِ المبين، وقد ورد ذلك في كثير من آياتُ القرآن الكريم التي تنهى عن ذلك نهيًا قاطعًا وتبيّن سوء عاقبته، ومنها:

(١): قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِینَ یَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِیثَٰقِهِۦ وَیَقۡطَعُونَ مَاۤ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦۤ أَن یُوصَلَ وَیُفۡسِدُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ أُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧].

(٢): قال جل شأنه: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِیَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَیۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا یَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَاۤ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَاۤ أُفࣲّ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلࣰا كَرِیمࣰ﴾ [الإسراء: ٢٣].

 (٣): قال سبحانه: ﴿فَهَلۡ عَسَیۡتُمۡ إِن تَوَلَّیۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوۤا۟ أَرۡحَامَكُمۡ * أُو۟لَٰۤئِكَ ٱلَّذِینَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰۤ أَبۡصَٰرَهُمۡ﴾ [محمد: ٢٢-٢٣].

التحذير من العقوق في السنة النبوية

جاءت السنة النبوية مؤكدةً لما ورد في القرآن الكريم من تغليظ تحريم العقوق وعدّه من الموبقات المهلكة؛ فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، ثَلَاثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ‌الْإِشْرَاكُ ‌بِاللهِ، ‌وَعُقُوقُ ‌الْوَالِدَيْنِ وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ». [البخاري (٢٦٥٤)، مسلم ( ٨٧)].

والمقصود بأكبر الكبائر هنا أشد المعاصي ذنبًا وأعظمها إثمًا، وقد خص النبي ﷺ الأمهات بمزيد من التنبيه والتحذير في حديث آخر؛ فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ ‌اللَّهَ ‌حَرَّمَ ‌عَلَيْكُمْ: ‌عُقُوقَ ‌الْأُمَّهَاتِ». [البخاري  (٢٤٠٨ )- مسلم  ( ٥٩٣)].

وقد أوضح الإمام النووي (رحمه الله) الحكمة من هذا التخصيص؛ حيث بين أن الحديث اقتصر على ذكر الأمهات لأن حرمتهن آكد من حرمة الآباء، بدليل تقديم الأم في البر ثلاث مرات ثم الأب في الرابعة، ولأن جانب الأم أضعف؛ مما يجعل أكثر العقوق يقع عليهن ويطمع الأولاد فيهن لفرط شفقتهن، فقال رحمه الله: "اقْتَصَرَ هُنَا عَلَى الْأُمَّهَاتِ لِأَنَّ حُرْمَتَهُنَّ آكَدُ مِنْ حُرْمَةِ الْآبَاءِ وَلِهَذَا قَالَ  حِينَ قَالَ لَهُ السَّائِلُ مَنْ أَبَرُّ قَالَ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ ثَلَاثًا ،ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ ثُمَّ أَبَاكَ ‌وَلِأَنَّ ‌أَكْثَرَ ‌الْعُقُوقِ ‌يَقَعُ ‌لِلْأُمَّهَاتِ ‌وَيَطْمَعُ ‌الْأَوْلَادُ ‌فِيهِنَّ". [شرح النووي على صحيح مسلم ١٢ / ١٢].

من أقوال السلف والحكماء في التنفير من عقوق الوالدين

لم يكتفِ السلف الصالح بالتحذير من العقوق نصحًا، بل بينوا أثره المدمر على العبد في الدنيا قبل الآخرة، وكيف أنه يقطع حبال الود بين الناس؛ فمن ضيَّع حق والديه كان لغيرهما أضيع. ومن نفيس أقوالهم في ذلك:

(١) تعجيل العقوبة للعاق: حذر كعب الأحبار (رحمه الله) من سرعة انتقام الله من العاق، فقال: "إن الله ليعجل هلاك العبد إذا كان عاقًّا لوالديه؛ ليعجل له العذاب". [الكبائر للذهبي، ص٤١].

(٢) التحذير من مصادقة العاق: نهى الحكماء والولاة عن مصاحبة من لا خير فيه لأهله؛ إذ لا يُرتجى منه وفاء لغيرهم.

قال عمر بن عبد العزيز (رحمه الله): "‌لَا ‌تَوَدَّنَّ ‌عَاقًّا، ‌كَيْفَ ‌يَوَدُّكَ ‌وَقَدْ ‌عَقَّ ‌أَبَاهُ؟!". [المجالسة وجواهر العلم ـ للدينوري ٣/٤٨٢، رقم (١٠٩١)].

وقال بعض الحكماء في المعنى ذاته: "‌لَا ‌تُصَادِقْ ‌عَاقًّا، ‌فَإِنَّهُ ‌لَنْ ‌يَبَرَّكَ وَقَدْ ‌عَقَّ ‌مَنْ ‌هُوَ ‌أَوْجَبُ حَقًّا مِنْكَ عَلَيْهِ". [كتاب البر والصلة ـ لابن الجوزي ص٦٠].

(٣) وصف شقاء الوالد بولده العاق: صوَّر أعرابي بلسانٍ بليغٍ حسرةَ الأبِ المبتلى، حين سُئل أبو عبيدة: "‌قِيلَ ‌لِأَعْرَابِيٍّ: ‌كَيْفَ ‌وَلَدُكَ ‌لَكَ؟ وَكَانَ (الولد) عَاقًّا؛ فَقَالَ: عَذَابٌ رَعِفَ بِهِ الدَّهْرُ، فَلَيْتَنِي أَوْدَعْتُهُ الْقَبْرَ؛ فَإِنَّهُ بَلَاءٌ لَا يُقَاوِمُهُ الصَّبْرُ، وَفَائِدَةٌ لَا يَجِبُ فِيهَا الشُّكْرُ". [المجالسة وجواهر العلم ـ للدينوري ٣/ ٤٨٤، رقم: (١٠٩٥)].

أسباب عقوق الوالدين

يمكن أن نوجز الأسباب التي تؤدي إلى عقوق الوالدين فيما يلي:

(١): الجهل: فالجهل داء قاتل، والجاهل عدو لنفسه، فإذا جهل الإنسان عواقب العقوق في الدنيا والآخرة، وجهل ثمرات البر قاده ذلك إلى العقوق، وصَرَفَهُ عن البر.

(٢): سوء التربية: فالوالدان إذا لم يُرَبِّيَا أولادَهما على التقوى، والبر والصلة، فإن ذلك سيقودهم إلى التمرد والعقوق.

(٣): الصحبة السيئة للأولاد: فهي مما يفسد الأولاد، ومما يجرؤهم على العقوق، كما أنها ترهق الوالدين، وتضعف أثرهم في تربية الأولاد.

(٤): عقوق الوالدين لوالديهم: فهذا من جملة الأسباب الموجبة للعقوق، فإذا كان الوالدان عاقين لوالديهم عوقبا بعقوق أولادهما.

(٥): التفرقة في المعاملة بين الأولاد: فهذا العمل يورث لدى الأولاد الشحناء والبغضاء، فتسود بينهم روح الكراهية، ويقودهم ذلك إلى بغض الوالدين وقطيعتهما.

(٦): عدم إعانة الوالدين لأولادهما على البر: فبعض الوالدين لا يعين أولاده على البر، ولا يشجعهم على الإحسان إذا أحسنوا.

(٧): قلة تقوى الله تعالى في حالة الطلاق: فبعض الوالدين إذا حصل بينهما طلاق لا يتقيان الله في ذلك، ولا يحصل الطلاق بينهما بإحسان، فترى الأولاد إذا ذهبوا للأم قامت بذكر عيوب والدهم، وبدأت توصيهم بالتمرد عليه وهجره، وهكذا إذا ذهبوا إلى الوالد فعل كفعل الوالدة، والنتيجة أن الأولاد سيعقون الوالدين جميعًا.

الجزاء من جنس العمل

نقل الأصمعي (رحمه الله) صورةً مأساويةً لتوارث العقوق في الأسرة الواحدة، حيث روى عن رجلٍ من الأعراب أنه خرج يبحث عن أعقِّ الناس وأبرِّهم، فطاف بالأحياء حتى وجد مشهدًا تقشعر له الأبدان؛ وجد شيخًا مسنًّا في عنقه حبلٌ، يستقي بدلوٍ ثقيلٍ لا تطيقه الإبل في وقت الظهيرة وشدة الحر، وخلفه شابٌ يمسك حبلًا ملوِيًّا من جلدٍ مدبوغٍ يضربه به ضربًا مبرحًا حتى شقَّ ظهره.

فأنكر الأعرابيُّ عليه قائلًا: "أما تتقي الله في هذا الشيخ الضعيف؟ أما يكفيه ما هو فيه من جهدٍ وشقاءٍ حتى تضربه؟!". فكانت المفاجأة أن قال الشاب: "إنه مع هذا أبي". فقال الأعرابي: "فلا جزاك الله خيرًا". فرد الشاب مبررًا قسوته الشنيعة بما هو أشنع: "اسكت؛ فهكذا كان هو يصنع بأبيه، وهكذا كان يصنع أبوه بجده!". فعلم الأعرابي حينها أن هذا هو "أعقُّ الناس"؛ إذ ورث العقوق أبًا عن جد، وكان عبرةً لمن يعتبر.

[مساوئ الأخلاق - للخرائطي - ص٢٥٢].

استجابة عاجلة لدعاء والد صالح على ابنه العاق

يروي مُنَازل بن لاحِق مأساته بنفسه، واصفًا حاله في شبابه حيث كان غارقًا في اللهو والطرب، لا يفيق منهما. وكان له والدٌ شفيقٌ لا يفتأ يعظه ويذكّره بالله قائلًا: "يا بني! احذر هفوات الشباب وعثراته؛ فإن لله سطوات ونقمات ما هي من الظالمين ببعيد".

ولكن "مُنَازلًا" كان يقابل النصح بالجحود، فكلما ألحَّ عليه أبوه بالموعظة، ألحَّ هو على أبيه بالضرب والإيذاء. وفي يومٍ من الأيام، اشتدَّ إلحاح الأب في النصح خوفًا على ولده، فما كان من الولد إلا أن أوجعه ضربًا شديدًا.

عندها نفد صبر الوالد، وأقسم بالله جاهدًا ليذهبنَّ إلى بيت الله الحرام، وليتعلقنَّ بأستار الكعبة، وليدعونَّ على ولده العاق. وبالفعل، خرج الأب المكلوم قاصدًا مكة، حتى انتهى إلى البيت الحرام، فتعلق بأستار الكعبة وأنشد شاكيًا إلى ربه:

يَا مَنْ إِلَيْهِ أَتَى الْحُجَّاجُ قَدْ قَطَعُوا … عُرْضَ الْمَهَامِهِ مِنْ قُرْبٍ وَمِنْ بُعْدِ

إِنِّي أَتَيْتُكَ يَا مَنْ لا يُخَيِّبُ مَنْ … يَدْعُوهُ مُبْتَهِلا بِالْوَاحِدِ الصَّمَدِ

هَذَا مُنَازِلٌ لا يَرْتَدُّ عَنْ عُقَقِي … فَخُذْ بِحَقِّي يَا رَحْمَانُ مِنْ وَلَدِي

وشِلَّ مِنْهُ بِحَوْلٍ مِنْكَ جَانِبَهُ … يَا مَنْ تَقَدَّسَ لَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَلِدِ

فما إن أتمَّ الوالد دعاءه حتى استجاب الله له من فوره؛ فأصبح "مُنَازل" مشلولًا في نصف جسمه الأيمن، عبرةً للمعتبرين. [التوابين، لابن قدامة، ص١٤٣ بنحوه].

آثار عقوق الوالدين وعواقبه على الأبناء

يمكن أن نوجز آثار عقوق الوالدين على الأبناء في الأمور التالية:

(١): عقوق الوالدين سببُ غضب الله تعالى على الأبناء:  قرن الله سبحانه وتعالى رضاه برضا الوالدين، وجعل سخطه مقرونًا بسخطهما؛ فقد ورد عن سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: ‌«رِضَى ‌الرَّبِّ ‌في ‌رِضَى ‌الوَالِدِ، ‌وسَخَطُ ‌الرَّبِّ ‌في ‌سَخَطِ ‌الوَالِدِ». [الترمذي (١٨٩٩)].

(٢): عقوق الوالدين من الكبائر: 

عدَّ النبي ﷺ العقوق قرينًا للشرك بالله، وخصَّ الأمهات بمزيد تحذير؛ لما لهن من ضعف وحقٍّ مؤكد.

  • القرن بالشرك: روى الشيخان عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «‌أَلَا ‌أُنَبِّئُكُمْ ‌بِأَكْبَرِ ‌الْكَبَائِرِ، قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لَا يَسْكُتُ». [البخاري ٢٦٥٤ - مسلم ٨٧].
  • تغليظ عقوق الأم: فقد ورد عن سيدنا المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «‌إِن ‌اللَّهَ ‌حَرَّمَ ‌عَلَيْكُمْ ‌عُقُوقَ ‌الْأُمَّهَاتِ». [البخاري (٥٩٧٥)]. وقد علل الحافظ ابن حجر (رحمه الله) تخصيص الأمهات بالذكر بأن العقوق إليهن أسرع من الآباء لضعف النساء، وليُنَبِّه على أن بر الأم مقدم على بر الأب في التلطف والحنو. [فتح الباري ٥/ ٦٨]. 
  • التسبب في شتمهما: من العقوق أن يكون الابن سببًا في شتم والديه؛ فعن سيدنا عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «‌إِنَّ ‌مِنْ ‌أَكْبَرِ ‌الْكَبَائِرِ ‌أَنْ ‌يَلْعَنَ ‌الرَّجُلُ ‌وَالِدَيْهِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ». [البخاري: ٥٩٧٣].

(٣) الحرمان من الجنة واستجابة دعوة الوالد: العاقُّ متوعدٌ بالحرمان من نظر الله إليه برحمة، وبمنعه من دخول الجنة، كما أنه معرض لدعوة والده عليه.

  • الحرمان من النظر والدخول: ورد عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ ‌لَا ‌يَنْظُرُ ‌اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ‌الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى» [صحيح ابن حبان: ٢٩٣٣]،  وقد بيَّن الإمام السندي رحمه الله دلالات هذا الوعيد في حاشيته على السنن، فقال رحمه الله:  قوله: «لَا يَنْظُرُ اللهُ» أي: نظر رحمة أولًا، وإلا فلا يغيب أحد عن نظره، والمؤمن مرحوم بالآخرة قطعًا، و«الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ» هو المقصر في أداء الحقوق إليهما". [سنن النسائي بحاشية السندي ٥/ ٨٤].
  • الذل والخسران (رغم أنف):  ورد عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «‌رَغِمَ ‌أَنْفُ، ‌ثُمَّ ‌رَغِمَ ‌أَنْفُ، ‌ثُمَّ ‌رَغِمَ ‌أَنْفُ. قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ». [صحيح مسلم: ٢٥٥١]، ومعنى "رغم أنف": أي لصق بالتراب ذلًّا وهوانًا؛ لأن برهما عند الكبر وضعفهما سببٌ لدخول الجنة، فمن قصر في ذلك فاته الدخول وأذله الله، كما بين ذلك الإمام النووي (رحمه الله)، فقال: "هذا الحديث فيه الحث على بر الوالدين وعظم ثوابه، ومعناه أن برهما عند كبرهما وضعفهما بالخدمة أو النفقة أو غير ذلك سبب لدخول الجنة فمن قصر في ذلك فاته دخول الجنة وأرغم الله أنفه". [صحيح مسلم بشرح النووي ١٦/١٠٩].
  • استجابة دعوة الوالد: روى الترمذي عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ، عن النبي ﷺ قال: ‌«ثَلَاثُ ‌دَعَوَاتٍ ‌مُسْتَجَابَاتٌ: ‌دَعْوَةُ ‌المَظْلُومِ، ‌وَدَعْوَةُ ‌المُسَافِرِ، ‌وَدَعْوَةُ ‌الوَالِدِ ‌عَلَى ‌وَلَدِهِ». [سنن الترمذي: ٣٤٤٨].

(٤): عقوبة عقوق الوالدين معجلة في الدنيا قبل الآخرة:  لا يؤخر الله عقاب العاق إلى الآخرة فحسب، بل يعجله له في دنياه؛ فقد روى الحاكم عن سيدنا أنس رضي الله عنه مرفوعًا: «بابانِ ‌مُعَجَّلانِ ‌عُقُوبَتُهُما ‌فِي ‌الدُّنْيا: ‌البَغْيُ ‌والعُقُوقُ». [المستدرك على الصحيحين: ٧٣٥٠]، وقد أوضح الإمام المناوي (رحمه الله) دلالة الحديث فقال: "قوله: «مُعَجَّلَانِ ‌عُقُوبَتُهُمَا» أي: قبل موت فاعلهما، و«الْبَغْيُ» أي: مجاوزة الحد في الظلم، و«الْعُقُوقُ» أي: إيذاء الوالدين، ومخالفتهما فيما لا يخالف الشرع". [التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي، ١/ ٤٢٩]. 

الخلاصة

يظل عقوق الوالدين ذنبًا تُعجل عقوبته في الدنيا قبل الآخرة، والنجاة منه لا تكون إلا بالتوبة الصادقة ورد المظالم والإحسان إليهما، فالسعيد من اغتنم وجود أبويه فنال برهما ورضا ربه، والشقي من عقهما فخسر الدنيا والآخرة وباء بغضب الجبار، إن الالتزام بالبر وحسن الأدب مع الوالدين هو صمام الأمان للفرد والمجتمع، وبه تُفْتَحُ أبواب الجنان وتُسْتَجَابُ الدعوات.

موضوعات ذات صلة

حقوق الوالدين تُعد من أبرز وأهم الحقوق التي يحث عليها الإسلام.

الإسلام كرّم المرأة ومنحها حقوقها المدنية والإنسانية.

حقوق الطفل في الإسلام تبدأ قبل ميلاده.

موضوعات مختارة