وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
إن الذكر ليس حكرًا على المساجد، بل هو زادٌ في كل مقام، حتى في ساحات القتال، قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [الأنفال: ٤٥]، فالذكر في ساحة القتال ليس ترفًا روحيًّا، بل هو شرطٌ للنصر، وسرٌ من أسرار الثبات، ومفتاحٌ للفلاح، كما نص القرآن الكريم.
وقد شهد الجنود أنهم كانوا يرددون: (الله أكبر)، وأنهم كانوا يقرؤون سورة الفتح، ويستفتحون بها المعركة، ويُكثرون من الصلاة على النبي – صلى الله عليه وآله وسلم- ويُرددون الأذكار في لحظات الترقب والخوف.
إن كثيرًا من الجنود كانوا يحملون المصاحف في جيوبهم، وبعضهم كان يصلي في الخنادق، والدعاء كان لا ينقطع، وكانوا يشعرون بأنهم في حضرة ربانية، لا مجرد معركة أرضية.
"لقد كان نصر أكتوبر مشهدًا من مشاهد التجلي الإلهي؛ حيث اجتمع الإعداد العسكري مع الإخلاص القلبي، واجتمع التخطيط مع التوكل، واجتمع السلاح مع الذكر، فكان النصر من عند الله." [ينظر: الحق المبين، ص ١٧٦ وما بعدها].
لم تكن الروح الدينية غائبة عن المعركة، بل كانت حاضرة بقوة، فقد شارك علماء الأزهر في إعداد الجنود نفسيًّا وروحيًّا، وأُقيمت دروس دينية في المعسكرات قبل الحرب، ووُزعت كتيبات الأذكار، وسور القرآن، على الجنود، فكانت كلمات (الله أكبر) تُدوّي مع كل عبور، وكل طلقة، وكل انتصار.
إن هذا الحضور الروحي هو ما يُميز نصر أكتوبر عن غيره، ويمنحه بُعدًا إيمانيًّا فريدًا.
علينا أن نُعيد بناء الشخصية المصرية على هذا النموذج؛ الجندي الذي يُقاتل وهو ذاكر، والمواطن الذي يعمل وهو متوكل، والطالب الذي يدرس وهو متصل بالله، فهكذا تُبنى الأمم، وهكذا تُصان الأوطان.
مع التأكيد على أن الذكر ليس بديلاً عن العمل، بل هو وقودٌ له، وأن الروح لا تُغني عن التخطيط، بل تُنيره.
نصر العاشر من رمضان لم يكن نصرًا عسكريًًّا فحسب، بل كان نصرًا روحيًّا، شاركت فيه أنفاس الذاكرين، ودموع المتبتلين، وقلوب المتوكلين، فالنصر لا يُولد من السلاح وحده، بل من الإيمان، وساحات القتال يمكن أن تكون ساحات للذكر، والجندي يمكن أن يكون وليًّا، والأمة لا تنتصر إلا إذا اجتمع فيها العقل والسلاح، والذكر والعمل، والروح والجسد.
الذكر من أفضل العبادات والأعمال العظيمة التي أمر الله بها، وأفضلها ذكر القلب.
الأذكار بين الترويحات ليست سنة لازمة ولا بدعة مذمومة، وإنما هي ذكر مشروع.
لقد كانَ نصر أكتوبر المجيد شهادةً للتاريخ على أنّ الأمم تُصنع بالعقيدة، والإرادة قبل السلاح.