وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
عن حذيفة - رضي الله عنه - قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ ما أَتَخوَّفُ عليكم رجلٌ قَرَأ القرآنَ حتى إذا رُئِيَتْ بَهْجتُه عليه، وكان رِدْئًا للإِسلام، غَيَّرَه إلى ما شاء الله، فانْسَلَخَ مِنْه ونَبَذَه وراءَ ظَهْرِه، وسَعَى على جاره بالسَّيف، ورمَاه بالشِّرك»، قال: قلتُ: يا نبيَّ الله، أيُّهما أوْلى بالشِّرك، المَرْمِي أم الرَّامي؟ قال: «بل الرَّامي». [رواه البزار في مسنده، وحسن الهيثمي سند البزار، وابن حبان في صحيحه، وأبو يعلى في مسنده، وقال ابن كثير عن سنده: "هذا إسناد جيد"، مسند البزار، ٧/٢٢٠، ومجمع الزوائد، ١/١٧٨، وصحيح ابن حبان، ١/٢٨١/، باب ذكر ما كان يتخوف صلى الله عليه وسلم على أمته جدال المنافق، ، وتفسير ابن كثير، ٢/٢٦٦].
هذا حديث في غاية الأهمية؛ لأنه يصف لنا حالة عجيبة من المتحمسين للإسلام، حصلت لها أطوار وتحولات في غاية العجب، تبدأ بالشغف بالقرآن والولع به، حتى تلوح أنواره عليه، وتنتهي به وقد وقع في التكفير، وحمل السلاح وأراق الدماء.
وقد وصف- صلى الله عليه وسلم - حال ذلك الرجل بثلاثة أوصاف:
أولها: أنه آتاه الله القرآن، فهو ليس بغريب عن القرآن، بل هو منسوب إليه، وقد اعتنى بالقرآن وخدمه، وحفظه، واشتهر به، فصار ظن الناس فيه حسنًا، لشيوع خدمته للقرآن وعنايته به.
ثانيها: أنه رؤيت عليه بهجة القرآن، لأن القرآن نور، وله بهجة تخالط صاحبه، ولشدة ولع ذلك الرجل بالقرآن وكثرة تلاوته له، صار الناس يرون عليه أثرًا من نورانية القرآن، فإن كل من خدم القرآن وأدمن تلاوته سرى نور القرآن إليه، ولمعت في وجهه مسحة من أنواره، فيزداد ظن الناس فيه، لما يرون عليه من بهجة القرآن.
ثالثها: أنه رجل شديد الحماسة لهذا الدين، حتى صار ردئًا للإسلام، وحاميًا له، ومنافحًا عن حماه. ثم من بعد كل هذا النشاط، الذي يترك لذلك الرجل صيتًا حسنًا في مجتمعه، ويشيع بينهم ظن حسن فيه، ومهما اختلف الناس في شأنه فإنهم لا يزالون يحفظون له حماسه للإسلام، وخدمته للقرآن، ومن هنا يبدأ الإشكال، وتحدث البلبلة، ويضطرب الناس بسبب ذلك الرجل اضطرابًا هائلًا.
فقد طرأ على الرجل تغير عجيب بعد ذلك، عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «غيره إلى ما شاء الله»، والتغيير ليس في ألفاظ القرآن وعباراته وحروفه، بل إن التغيير في فهمه وتأويله، لأن الرجل أقدم على ذلك، وتقحم وتهجم على حمى القرآن بالتأويلات الباطلة، اغترارًا منه بكل ما سبق من جهود وتلاوة، فركن إلى حسن العناية وكمال التعلق بالقرآن، فظن أن هذا يكفيه في فهمه، فأقدم على ما لا يحسنه من الاستنباط والتأويل، فخرج بمجموعة من المفاهيم والأوهام والظلمات، والاستنتاجات والاستنباطات المنحرفة، وهو في كل ذلك فاقد لأدوات الفهم، ومناهج الاستنباط، ودوائر العلوم الخادمة لفهم القرآن، عاجز عن إدراك مقاصده، حتى جنح إلى التكفير، ورمى جاره المسلم بالشرك، ثم لم يكتف بذلك، حتى ادعى لنفسه الجهاد، وخرج على الناس بالسيف، وحمل السلاح وأراق الدماء، وكلما ناشده أحد أن يكف ازداد عنادًا، لأنه توحد مع القرآن، وجعل التشكيك في فهمه تشكيكًا في القرآن ذاته.
لكن ما هي مراحل تغييره لفهم القرآن، وكيف تدرج فيها رويدًا رويدًا، حتى انغمس في استنباط معان من القرآن، تهدم مقاصد القرآن أصلًا، وهو لا يشعر بذلك؟
لقد تورط الرجل في أن تحول هو إلى صانع للمعرفة، قائم بالاستنباط، ينحت المفاهيم والنظريات من آيات القرآن، ولا قائد له سوى الحماسة والانفعال، فتولدت على يده مفاهيم ونظريات وقواعد، حافلة بتركيب الآيات بعضها ببعض على نحو مغلوط، فيخرج بنتائج في غاية البعد والغرابة، لكنه يستسيغها، لغياب خريطة العلوم والأدوات والمقاصد التي يستعين بها العلماء بحق، فليس عنده معيار يقيس إليه فهمه، ويعرض عليه استنباطاته، بل إنه يدخل إلى القرآن بنظريات وأفهام، ثم يجهد على أن ينتزعها من القرآن عنوة، فيقوّل القرآن ما لم يقله، وينسب إليه نقيض قصده، ويلصق أفهامه الحائرة المترددة المضطربة بالوحي، مرتكبًا في سبيل ذلك تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
كل ذلك والناس مضطربون فيه، وفي حيرة من أمره، ولا يتجاسرون على الجزم بانحرافه وخطئه، لما يعهدونه ويعرفونه من تاريخه الممتد في خدمة القرآن، وظهور بهجة القرآن عليه، وتاريخه في المنافحة عن الإسلام.
ولك أن تتخيل ما يشير إليه الحديث الشريف في فحوى الكلام وثناياه، من مقدار ما يقع بسبب ذلك الرجل من ضرر واختلال واضطراب للناس في شأنه، ما بين شخص أدرك خطورة تكفيره، فصار صدره موغرًا من هذا التكفيري، ويرى أن سبب الخراب والدمار ليس هو انحراف الرجل، بل هو منهجه ذاته، فيجر الرجل إلى القرآن إساءة الظن به، حيث نقل الناس خطورة منهجه، وبشاعة عدوانه إلى القرآن ذاته، لشدة التصاقه بالقرآن.
وما بين شرائح من المجتمع لا تكاد تصدق أن يأتي انحراف الفهم في القرآن من هذا الرجل، مع شدة ما يعهدونه في تاريخه الممتد من خدمة القرآن، فيضطربون في تحديد موضع الخلل، ويبقون في حيرة وشتات.
وما بين شريحة تقف عند شدة إصراره هو على أنه الحق، وأنه أولى الناس بالقرآن، فليس للخطأ سبيل عليه، فيلحدون بسببه، ويلصقون الخلل بدين الله ذاته.
وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي مسعود قال: قَالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنِ الصَّلَاةِ في الفَجْرِ ممَّا يُطِيلُ بنَا فُلَانٌ فِيهَا، فَغَضِبَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ما رَأَيْتُهُ غَضِبَ في مَوْضِعٍ كانَ أَشَدَّ غَضَبًا منه يَومَئذٍ، ثُمَّ قالَ: «يا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ مِنكُم مُنَفِّرِينَ، فمَن أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ، فإنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ والكَبِيرَ وذَا الحَاجَةِ».
وروى البخاري أيضًا من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري قال: أَقْبَلَ رَجُلٌ بنَاضِحَيْنِ وقدْ جَنَحَ اللَّيْلُ، فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي، فَتَرَكَ نَاضِحَهُ وأَقْبَلَ إلى مُعَاذٍ، فَقَرَأَ بسُورَةِ البَقَرَةِ - أَوِ النِّسَاءِ - فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وبَلَغَهُ أنَّ مُعَاذًا نَالَ منه، فأتَى النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَشَكَا إلَيْهِ مُعَاذًا، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- : «يا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ - أَوْ أَفَاتِنٌ - ثَلَاثَ مِرَارٍ: فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ}[سورة الأعلى: ١] ،و{الشَّمْسِ وضُحَاهَا} [سورة الشمس: ١]، {واللَّيْلِ إذَا يَغْشَى} [سورة الليل:١]، فإنَّه يُصَلِّي ورَاءَكَ الكَبِيرُ والضَّعِيفُ وذُو الحَاجَةِ».
فهذه أحوال ووقائع حصلت في زمان النبوة، حصل فيها للناس اضطراب بسبب واحد من الأفاضل من الصحابة تحمس فأطال الصلاة، فأثقل على الناس، حتى تأخر الناس عن صلاة الفجر بسبب إطالته، أو ثقل الأمر على رجل فانتحى وصلى لنفسه صلاة خفيفة وانصرف لشأنه، فتناوله المتحمسون وقالوا: منافق، كما في بقية طرق الحديث، فجاء الرجل يشكو، كل ذلك وسبب الشكوى ليس فسوقًا ولا فجورًا، بل حالة دينية زائدة، أوقعت في الناس اضطرابًا، وفتنتهم، ونفرتهم.
فكيف كان تصرفه - صلى الله عليه وسلم- ، غضب حتى إنه ما رؤي غاضبًا كمثل غضبه ذلك اليوم، ووصفهم بالمنفرين، ثم خاطب الصحابي الفاضل وعاتبه، وقال له: «أفتان أنت؟» ثم شرع يشرع لهم معالم الاتزان والتيسير، التي لا توقع الناس في حيرة تنفرهم من دين الله، بحيث يلصقون حماسة الأشخاص بدين الله، فيثقل عليهم، فيصفهم هو بالنفاق ولا يراعي حالهم.
ولعل هذا أن يكشف لنا سر التعبير النبوي هنا بأن حالة ذلك الرجل القرآني التكفيري أنه هو الذي يتخوفه علينا -صلى الله عليه وسلم-.
والخلاصة: أن الإقدام على التكفير أمر خطير، وأن من تلبس بحال يدعي فيه القرآن والشرع، ويتحمس لدين الله تعالى بدون علم، فإنه أخطر ما يتخوفه النبي - صلى الله عليه وسلم- على أمته، ويلتحق به أمر آخر، وهو تكفير الحكام والأمراء بما قد يقع منهم من تقصير أو جور.
فعن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سَتَكُونُ أُمَراءُ فَتَعْرِفُونَ وتُنْكِرُونَ، فمَن عَرَفَ بَرِئَ، ومَن أنْكَرَ سَلِمَ، ولَكِنْ مَن رَضِيَ وتابَعَ قالوا: أفَلا نُقاتِلُهُمْ؟ قالَ: لا، ما صَلَّوْا»، رواه مسلم في صحيحه [صحيح مسلم، ٣/١٤٨٠، كتاب الإمارة، باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع وترك قتالهم ما صلوا ونحو ذلك].
ولذا فقد حذر العلماء تحذيرًا شديدًا من التكفير: فقال الإمام الباقلاني: "ولا يكفر بقول ولا رأي إلا إذا أجمع المسلمون على أنه لا يوجد إلا من كافر، ويقوم دليل على ذلك" [ نقله الإمام التقي السبكي في الفتاوى، ٢/٥٧٨ ].
وقال ابن حزم رحمه الله: "والحق هو أن كل من ثبت له عقد الإسلام، فإنه لا يزول عنه إلا بنص أو إجماع، وأما بالدعوى والافتراء فلا" [الفصل في الملل والأهواء والنحل، ٣/١٣٨].
وقال الإمام أبو الفتح القشيري: "وهذا وعيد عظيمٌ لمن كفّر أحدًا من المسلمين وليسَ هو كذلك" [نقله الزركشي في كتاب: المنثور في القواعد، ٣/٩١].
وقال حجة الإسلام الغزالي في فيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة: "والذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلًا؛ فإن استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة، أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد" [نقله الزركشي في المنثور في القواعد، ٣/٨٨].
وقال ابن الوزير اليمني: "وكم بين إخراج عوام فرق الإسلام أجمعين، وجماهير العلماء المنتسبين إلى الإسلام من الملة الإسلامية، وتكثير العدد بهم، وبين إدخالهم في الإسلام ونصرته بهم وتكثير أهله، وتقوية أمره، فلا يحل الجهد في التفرق بتكلف التكفير لهم بالأدلة المعارَضة بما هو أقوى منها أو مثلها مما يجمع الكلمة، ويقوي الإسلام، ويحقن الدماء، ويسكن الدهماء حتى يتضح كفر المبتدع اتضاح الصبح الصادق، وتجتمع عليه الكلمة، وتحقق إليه الضرورة" [إيثار الحق على الخلق، ص٤٠٢].
يحكي حديث حذيفة عن تحول مأساوي لشخص كان متمسكًا بالقرآن، فظهرت عليه بهجته، لكنه انحرف بسبب سوء الفهم والتأويل، مما قاده إلى تكفير جاره وحمل السلاح. مما يوضح خطر الحماسة الدينية بلا علم، وكيف أنها قد تؤدي إلى نتائج مدمرة. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر بشدة من هذا المسلك، وهو ما قاد العلماء إلى الإجماع على تحريم التكفير، لخطورته على وحدة الأمة وسلامتها.
فكرة الحاكمية هي الجوهر الفكري للتيارات المتطرفة.
مناظرة ابن عباس للخوارج منهج مهم للتصدي للأفكار المتطرفة.
تُقدم التيارات الإسلامية المتطرفة مفهوم التمكين كغاية سياسية للسيطرة على السلطة.