وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
تُمثل ريادةُ أبي تمام في تبويب ديوان الحماسة إلى عشرة أبواب انعطافةً منهجية أسست لتصنيف الشعر العربي موضوعيًّا، وهو مسار توسع فيه الرواة لاحقًا؛ حتى بلغت أبواب الشعر ثمانية عشر بابًا، وتفرعت في مدونات متأخرة لتصل عند ابن الحجاج البغدادي (الهزلي) إلى مئة وواحد وأربعين بابًا، ويقود هذا التعدد في الأبواب إلى فحص بنية القصيدة العربية التي تمايزت اصطلاحيًّا بين الفن بوصفه الغرض الرئيس والمقصد النهائي للشاعر، وبين الأغراض التي تُمثل الموضوعات العارضة والممهدة للفن الرئيس كالوصف والنسيب، وهو تفريق يفسر غلبة تعدد الأغراض على القصيدة الجاهلية، وندرة تمحضها لفن واحد لا تتعداه، كقصيدة عروة بن الورد القائمة على الفخر الذاتي؛ ردًّا على لوم زوجته التي قال فيها:
أَقِلّي عَلَيَّ اللَومَ يا بِنتَ مُنذِرٍ وَنامي وَإِن لَم تَشتَهي النَومَ فَاِسهَري
ذَريني وَنَفسي أُمَّ حَسّانَ إِنَّني بِها قَبلَ أَن لا أَملِكَ البَيعَ مُشتَري
هذا التداخل والتشابك بين الأغراض داخل البنية الواحدة أثار خلافًا نقديًّا ممتدًا بين القدماء والمحدثين حول الوحدة الموضوعية في الشعر الجاهلي؛ حيث يرى اتجاه نقدي أن القصيدة تفتقر للوحدة العضوية؛ مستدلًا بوجود تناقضات بين مطالع بعض القصائد وخواتيمها، كما قيل عن معلقة زهير بن أبي سلمى، بينما يذهب اتجاه آخر إلى قراءة القصيدة بوصفها بنية كلية متماسكة تُعبر جزئياتها المتنوعة عن الهم الجماعي للقبيلة وصورة وجودها ومشاكلها. [ينظر: تاريخ الأدب الجاهلي، السيد محمد الديب، ص ٤٤ – ٤٥]
ويمثل الشعر الجاهلي سجلًّا فنيًّا لحياة العرب قبل الإسلام؛ إذ عبّر عن عواطفهم، وصراعاتهم القبلية، وقيمهم الأخلاقية، وصلتهم بالصحراء والحيوان والحرب والحب والموت؛ ولذلك لم تنشأ فنونه منفصلة عن واقع المجتمع، وإنما انبثقت من أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية ومستوى حياته العقلية، فتعددت بتعدد التجارب التي عاشها الشاعر والقبيلة [راجع: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، ١٧/١٤٢].
وقد اختلف النقاد القدامى والمحدثون في حصر هذه الفنون؛ لأن بعضها يتداخل في بعض، فذهب بعض القدماء إلى أن أركان الشعر أربعة: المدح، والهجاء، والنسيب، والرثاء، وجعلوا المدح وليد الرغبة، والاعتذار وليد الرهبة، والنسيب وليد الطرب، والهجاء والتوعد وليدي الغضب [ينظر: العمدة في محاسن الشعر وآدابه، ابن رشيق القيرواني، ١/١٢٠]
أما التقسيم الأوسع فيجعل من فنونه: الغزل، والوصف، والفخر، والحماسة، والمدح، والهجاء، والرثاء، والاعتذار، والحكمة، والوعيد، والإنذار.
ولا يصح النظر إلى القصيدة الجاهلية عادةً باعتبارها نصًّا مقصورًا على غرض واحد؛ فالقصيدة الطويلة قد تبدأ بالنسيب والوقوف على الأطلال، ثم تنتقل إلى وصف الرحلة والناقة أو الفرس، قبل أن تبلغ غرضها الأساسي من مدح أو فخر أو هجاء أو رثاء، وقد تتخلل ذلك أوصاف الطبيعة والحيوان، وخلاصات الحكمة والتجربة [تاريخ الأدب العربي، شوقي ضيف، ١/٢١٩]
ولهذا كانت وحدة القصيدة قائمة على تتابع التجارب والانفعالات في نفس الشاعر، لا على وحدة الموضوع بالمفهوم الحديث، فقد يجمع النص الواحد الغزل والوصف والفخر والهجاء والوعيد، وتنتقل القصيدة من موضوع إلى آخر بتداعي الخواطر والمثيرات النفسية، مع إمكان تحقق الترابط إذا أحسن الشاعر الانتقال بين أجزائها [في تاريخ الأدب الجاهلي، علي الجندي، ١/٣٤٤].
يعد الوصف أكثر الموضوعات أو الفنون ورودًا في الشعر العربي، فلا يكاد الشعراء يتركون شيئًا يتصل بحياتهم من قريب أو بعيد إلا وصفوه، وتناولوا جزئياته، فيقوم على تصوير هيئة الشيء وحاله تصويرًا يقربه من حس السامع، حتى كأنه يراه أو يشعر به، وقد اتسع الوصف الجاهلي ليشمل الأطلال والصحراء والمطر والليل والنجوم والفرس والناقة والوحوش والمعارك والأسلحة، وتنبع قيمة هذا الفن من اتصال الشاعر المباشر بما يصفه؛ فمعانيه في الغالب واضحة وقريبة، وخياله مرتبط بالمشاهدة الحسية، حتى غدا شعرُه وثيقةً تصور البيئة بما فيها من رمال ووديان ومراعٍ وسباع وطيور وحيوانات [تاريخ الأدب العربي، شوقي ضيف، ١/٢١٩]، فوصف الجاهليون الخيل التي يركبونها، والناقة التي يرتحلون عليها، ووصفوا رحلاتهم إلى ديار المحبوبة، وتوسعوا في وصف الصيد؛ إذ كانوا مغرمين به سواء أكان سبب رزقهم أم سبب لهوهم وعبثهم، كما وصفوا الحروب وما يجري فيها، وأجاد أكثر شعراء الجاهلية في وصف الطبيعة بما فيها من حياة أو جماد، وتحدثوا عن الأطلال وجعلوها مطلعًا لقصائدهم، ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى في أول معلقته:
أَمِن أُمِّ أَوفى دِمنَةٌ لَم تَكَلَّمِ بِحَومانَةِ الدُرّاجِ فَالمُتَثَلَّمِ
وَدارٌ لَها بِالرَقمَتَينِ كَأَنَّها مَراجِعُ وَشمٍ في نَواشِرِ مِعصَمِ
بِها العَينُ وَالأَرآمُ يَمشينَ خِلفَةً وَأَطلاؤُها يَنهَضنَ مِن كُلِّ مَجثِمِ
ووصفوا الخمر ومجالس الشراب، وقد ابتدأ عمرو بن كلثوم معلقته بالحديث عن الخمر، مختطًّا لنفسه منهجًا متفردًا في مطلع القصيدة الجاهلية، فقال:
أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِينَا وَلاَ تُبْقِي خُمُورَ الأَنْدَرِينَا
مُشَعْشَعَةً كَأَنَّ الحُصَّ فِيهَا إِذَا مَا المَاءُ خَالَطَهَا سَخِينَا
تَجُورُ بِذِي اللُّبَانَةِ عَنْ هَوَاهُ إِذَا مَا ذَاقَهَا حَتَّى يَلِينَا
وتشهد عنايتهم بوصف ما تقع أعينهم عليه فيما يعرف بالوصف الحسي، وقد أجادوا فيه، ومن ذلك قول امرئ القيس في وصف الخيل:
وَقَدْ أغْتَدِي والطَّيْرُ فِي وُكنَاتِهَا بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأَوَابِدِ هَيْكَلِ
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعا كَجُلْمُوْدِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
ومع ذلك لم يكن الوصف مجرد تسجيل جامد؛ لأن الشاعر كان يصوغه من خلال عاطفته وخياله وموسيقاه، فتظهر في الصورة شخصيته ومزاجه الخاص. [تاريخ الأدب الجاهلي، السيد محمد الديب، ص ٤٧ وما بعدها، وجواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، أحمد الهاشمي، ٢/٢٦، والأسلوب، أحمد الشايب، ١/٦٢].
أسهمت الحياة الجاهلية بما فيها من عقيدة مفككة وجفاف عام أن يشتد النزاع والقتال بين الجاهليين؛ ولذلك صارت الحربُ عندهم سُنَّةً متبعة، وسجل التاريخ الأدبي عشرات الأيام (المعارك) التي أبلى فيها المقاتلون بلاء حسنًا لصالح الجماعة أو القبيلة، وتغنى الشعراء بأمجادهم وانتصاراتهم في تلك الأيام، كيوم ذي قار: الذى كان بين قبيلة بكر (العربية) والفرس، وكيوم حليمة: الذي كان بين المناذرة ملوك الحيرة، والغساسنة ملوك الشام، وحليمة: هي ابنة الحارث الغساني التي كانت تطيب من مر بها من جند أبيها، ويومها هو اليوم الذي تحقق فيه النصر لقومها؛ ولذا قيل: (ما يوم حليمة بِسِر).
قال الأعشى في انتصار العرب على الفرس في يوم ذي قار:
إِذا أَمالوا إِلى النُشّابِ أَيدِيَهُم مِلنا بِبيضٍ فَظَلَّ الهامُ يُختَطَفُ
وَخَيلُ بَكرٍ فَما تَنفَكُّ تَطحَنُهُم حَتّى تَوَلّوا وَكادَ اليَومُ يَنتَصِفُ
لَو أَنَّ كُلَّ مَعَدٍّ كانَ شارَكَنا في يَومِ ذي قارَ ما أَخطاهُمُ الشَرَفُ
لَمّا أَتَونا كَأَنَّ اللَيلَ يَقدُمُهُم مُطَبِّقَ الأَرض يَغشاها بِهِم سَدَفُ
[تاريخ الأدب الجاهلي، السيد محمد الديب، ص ٤٩، وينظر: قصة الأدب في الحجاز، عبد الله عبد الجبار، ١/٤٠٣].
المدح: ثناء على شخص أو جماعة بصفات مستحسنة، مثل رجاحة العقل والعفة والشجاعة والكرم، مع بيان رسوخ هذه الصفات في الممدوح وقومه [جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، أحمد الهاشمي، ٢/٢٦]، وكان المدح الجاهلي على صورتين بارزتين: مدحًا نابعًا من الإعجاب والاعتراف بالفضل والمروءة، ومدحًا يتصل بالعطاء والتكسب، وقد ارتبط المدح بالتكسب منذ أيام الجاهلية، حتى امرؤ القيس - وقد كان ملكًا وسيد سادات - مدح من أعطاه وهجا من منعه، وهو القائل:
لَعَمْري لَسَعْدُ بن الضبِّابِ إذا غَدا أحَبُّ إلينا منكَ، فا فَرَسٍ حَمِرْ
[المرشد إلى فهم أشعار العرب، عبد الله الطيب المجذوب، ٤/٦٨٤]؛ أراد: يا فا فَرَسٍ حَمِره، لقَّبَه بفي فَرَسٍ حَمِرٍ لنَتَنِ فيه، والحُمْرة داء يعتَري الناسَ فَتَحمَرُّ مَواضِعُها، يُعالَجُ بالرُّقْية، فمدح وهجا في بيت واحدٍ كما ترى [العين ٣/ ٢٢٧]، ومن أشهر من توسعوا في المديح زهير والنابغة والأعشى.
وقد تفرع عن المدح فنٌّ يسمى الاعتذار، وتفوق فيه النابغة الذبياني في اعتذاره للنعمان بن المنذر، قال في المعلقة:
أُنبِئتُ أَنَّ أَبا قابوسَ أَوعَدَني وَلا قَرارَ عَلى زَأرٍ مِنَ الأَسَدِ
مَهلاً فِداءٌ لَكَ الأَقوامُ كُلُّهُمُ وَما أُثَمِّرُ مِن مالٍ وَمِن وَلَدِ
لا تَقذِفَنّي بِرُكنٍ لا كِفاءَ لَهُ وَإِن تَأَثَّفَكَ الأَعداءُ بِالرفَدِ
الرثاء: تعداد لمناقب الميت، وإظهار التفجع عليه، واستعظام المصيبة بفقده، وهو من أكثر الفنون صدقًا واتصالًا بالعاطفة، ولا سيما حين يرثي الشاعر أخًا أو ابنًا أو سيدًا من سادات القبيلة.
ويعد دريد بن الصمة، وأوس بن حجر، وأبو دؤاد الإيادي، والخنساء من أشهر الشعراء الذين أجادوا في العديد من المراثي، وقد حزن أوس بن حجر وبكى لفقد فضالة بن كلدة، فقال يرثيه:
أَيَّتُها النَفسُ أَجمِلي جَزَعا إِنَّ الَّذي تَحذَرينَ قَد وَقَعا
إِنَّ الَّذي جَمَّعَ السَماحَةَ وَالـ ـنَجدَةَ وَالحَزمَ وَالقُوى جُمَعا
الأَلمَعِيَّ الَّذي يَظُنُّ لَكَ الـ ـظَنَّ كَأَن قَد رَأى وَقَد سَمِعا
وقد اتصل الرثاء بأيام العرب؛ فكان الشعراء يندبون قتلى المعارك، ويذكرون بطولاتهم وتضحياتهم، ويحرضون أحيانًا على الثأر لهم [تاريخ الأدب الجاهلي، ص ٥١، وقصة الأدب في الحجاز، عبد الله عبد الجبار، ١/٤٠٣].
الهجاء هو تعداد مثالب المهجو وقبيلته، ونفي المحاسن والمكارم عنه، ولم يكن الهجاء الجاهلي خصومة شخصية دائمًا، بل كان سلاحًا قبليًّا يواجه به الشاعر خصوم قومه، ويحطم منزلتهم المعنوية، ويذكرهم بالهزائم والجبن والبخل وضعف الحماية، وكثيرًا ما امتزج الهجاء بالفخر؛ لأن الشاعر يقابل مثالب خصمه بمآثر نفسه وقومه، ومن هنا يمكن ضم جانب كبير من قصائد الهجاء إلى الفخر، من حيث بناؤها القائم على الموازنة والمقابلة، ومن ذلك قول الأعشى في قصيدة يهجو فيها علقمة بن علاثة وكانت من أشد الأبيات إيلامًا له:
تَبيتونَ في المَشتى مِلاءً بُطونُكُم وجاراتكمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا
حتى لقد زعم الرواة أن علقمة بكى حين سمعه وقال: "قاتله الله، أنحن كذلك؟" أو أنه قال: "أنفعل ذلك بجاراتنا؟"، فالشاعر الجاهلي يحتاج في هجائه إلى معرفة المثالب وكأنه مؤرخ يرصد حركة التاريخ وأيام القبائل التي كانت لهم أو عليهم؛ ولذلك فالمغمورون منهم بعيدون عن ألسنة الهجَّائين؛ لعدم تأثيرهم بالنفع أو الضر في حركة الحياة، ويعد زهير وطرفة والأعشى والنابغة أشهر الهجَّائين في هذا العصر [تاريخ الأدب الجاهلي، ص ٥٤، وانظر: جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، أحمد الهاشمي، ٢/٢٦].
في الشعر الجاهلي فنون أخرى: كالغزل، والنسيب، والاعتذار، والشكوى، والأدب (ويسمى الحكمة)، وكان زهير بن أبي سلمى وعبيد بن الأبرص من أشهر شعراء الحكمة في العصر الجاهلي، وقال علقمة ملخِّصًا رأيه وحكمته وتجاربه في النساء:
فَإِن تَسأَلوني بِالنِساءِ فَإِنَّني بَصيرٌ بِأَدواءِ النِساءِ طَبيبُ
إِذا شابَ رَأسُ المَرءِ أَو قَلَّ مالُهُ فَلَيسَ لَهُ مِن وُدِّهِنَّ نَصيبُ
وأخيرًا فإن إحصاء الموضوعات مسألة اعتبارية لا يمكن البت فيها بالزيادة والنقص؛ إذ إن الكثير منها يمكن أن يتلاقى ويمكن أن يتفرق، وليرجع من شاء إلى كتاب العمدة لابن رشيق أو إلى غيره من كتب القدماء والمحدثين ليرى مقدار الاختلاف في الرأي حول مسألة بسيطة كتلك التي نتحدث عنها، وهي تقسيم الشعر إلى موضوعات أو فنون. [تاريخ الأدب الجاهلي، ص ٥٧]
يظهر الشعر الجاهلي كبنية كلية متكاملة، تتداخل فيها الفنون من وصف وحماسة ورثاء وهجاء؛ لتعبر عن الوجدان الجماعي للقبيلة وصراعاتها الحياتية، ومحاولات النقاد لتصنيف هذه الفنون وتأطيرها تظل مقاربات اعتبارية مرنة أمام نصٍّ شعري يمور بالانفعالات الإنسانية الصادقة وتداعي الخواطر، وهي مرونة تجعل من القصيدة العربية القديمة سجلًّا فنيًّا وتاريخيًّا متجدد الآفاق، يستعصي بطبيعته الحرة على الحصر والجمود النقدي.
الشعر تعبير جمالي إبداعي عن التجربة، نشأ في العصر الجاهلي بموضوعات تقليدية كمدح وهجاء ورثاء
مجموعة من أشهر القصائد في العصر الجاهلي، كتبها كبار الشعراء العرب مثل امرؤ القيس، زهير، عنترة وغيرهم
القصيدة هي شكل من أشكال التعبير الأدبي تعتمد علي الوزن والقافية.
هو تعداد مناقب الميت، ونظم الشعر فيه بذكر محاسنه، وسبيل الرثاء أن يكون ظاهر التفجع بيَّن الحسرة